الثلاثاء 14 رمضان 1423 هـ الموافق 19 نوفمبر 2002 اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلالك وعظمتك واللهم صلي وسلم على خير رسلك، وبعد فإن سورة هود من السور المكية وعدد آياتها مئة وثلاث وعشرون آية، نزلت بعد سورة يونس وقبل سورة يوسف وقد عدّت الثانية والخمسين في ترتيب نزول السور، واشتهرت هذه السورة باسم هود، وهكذا ذكرت في المصاحف وكتب التفسير والسنة، وجاء في تسميتها ان أبا بكر سأل رسول الله «صلى الله عليه وسلم» قد شبت قال: شيبتني هود والواقعة..، وسميت باسم هود لتكرار اسمه فيها خمس مرات، لهذا كان مقصودها توضيح ما ذكر في سياق قصة هود عليه السلام من أحكام البشارة والنذارة بالعاجل والآجل والعناية بكل دابة والقدرة على كل شيء من البعث وغيره المقتضى للعلم بكل معلوم اللازم منه التفرد بالملك. لأن الأنبياء هم قدوة الاتباع في قضية الإيمان، لهذا كانت بعض سور القرآن تحمل أسماء الأنبياء، لأن في ذلك دلالاة على أهمية هؤلاء الأنبياء وان في قصصهم مع أقوامهم عبره لمن أراد أن يعتبر وبما ان الحديث عن مقاصد أسماء السورة اذن المطلوب توضيح أهمية هذا الاسم ومدى علاقته بالموضوع الذي يربط بين مضمون السورة واسمها. وها هي الدلالات الاشارية التي يمكن أن نقف عندها للاستفادة من هذه الأسماء التي أخذت عناوينها من أسماء الرسل عليهم السلام، وفي هذا دلالة على ان ما جاء به النبي «صلى الله عليه وسلم» وما جاء به الرسل من قبله حقيقة واحدة موحى بها من الله عز وجل. وهي تقوم على امتثال أوامره واجتناب نواهيه، والخضوع لله وحده لا شريك له من خلال استعراض دعوات الرسل التي تستهدف غرس العقيدة الصحيحة ونبذ الشرك. وهذا التوجيه يأتي من خلال ايضاح مقصود الرسل عليهم السلام ومنهم نبي الله هود عليه السلام. وهو: هود بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام، وقصة هود مع قومه كانت مضرب المثل كبقية الأحم التي ذكرت في كتاب الله ونحن هنا في مقاصد أسماء السور نذكر قصة هود عليه السلام مع قومه حيث كان صاحب رسالة سماوية دعا بها قومه لكن هؤلاء القوم لم يسلموا لدعوة رسولهم ورموه كما رمي بقية الأنبياء بالجنون وغيره لأنه سفه آلهتهم، لذلك كان عنوان اسم هذه السورة التي حملت في مضمونها قصة قوم هود وما حل بهم وكيف خربت ديارهم لتكون عبرة لمن بعدهم وأخذت هذه السورة اسماً لعناونها له علاقة بمضمونها وهو النبي الذي أرسل الى هؤلاء القوم وهو هود عليه السلام، فدل ذلك على أهمية علاقة الاسم بالمسمى وليكون الربط قوياً في توضيح دلالات الاسم وفيه اشارة لأخذ الدروس والعبر من أحداث القوم ونبيهم. ومن أسباب التسمية هنا ان قصة هود ذكرت في سورة الأعراف، ولكن بأسلوب ونظام على غير هذه السورة، وفي كل منهما تتخذ الدروس والعبر، ومن المفيد ذكره كذلك ان هود أول من تكلم بالعربية، فهو أول رسول عربي من ذرية نوح وآخر رسول هو محمد «صلى الله عليه وسلم»، وهو عربي أيضاً. وجاءت القصة معبرة عما فيها، حيث اتضح رد القوم على نبيهم كما ردت الأقوام السابقة، وهذا كله دلالة لأمة القرآن وتوجيه لها على ألا تخالف منهج رسولها وإلا حل بهم البلاء كما حل بمن سلف، لأن المفترض في الأمم لما تدعى للإيمان عليها أن ترتقي للعلاء من خلال التصديق والعمل الصالح، ولكن قوم هود ترقوا من سيء إلى أسوأ. اذ قالوا أولاً: ما جئتنا بالبينة، ثم نفوا تصديقهم له مع كونه مما يقبل التصديق، ثم نفوا عنه تلك المرتبة أيضاِ، ثم ذكروا رده عليهم على طريقة الحكاية. ولقد دارت الآيات بذكر جوانب هذا النقاش وما ترتب عليه من هذه القصة، وفيها الاشارة الى ان هود دعا قومه وتوعدهم ثلاث ليال ثم بعد ذلك حل بهم البلاء، كما ذكر في سورة الفجر، والأعراف، والمؤمنون، والشعراء، وفصلت، والاحقاف، وغيرها، فكل هذه السور على اختلافها ذكرت ما حل بقوم هود وهو العذاب الأليم بالريح والمطر وغيره من موت وهلاك، وهذا التعريض والذكر للأقوام السابقة فيه دعوة ضمنية لأمة الاسلام بأنكم اذا لم تؤمنوا بمحمد رسول الإسلام فإن العذاب سيحل بكم وأكثر، لأن دين الإسلام هو خاتم الأديان، فوجب التمسك به، ومن هنا كان لاسم هود مقصد عظيم في وضعه عنواناً لسورة عظيمة، فيها التوجيه اللازم لكل الأمة بأن العذاب يحصل عندما يتغير الحال من سيء إلى أسوأ، ونحن اليوم في حال ليس بأحسن من الأمس فكل يوم حالنا يسوء وهذا فيه انذار بسوء الحال الذي يحل بالآخرين ومن هنا وجب على الأمة أن ترجع وتراجع نفسها لتصلح حالها الذي أصبح ينزل مستواها الأخلاقي والتعبدي وكله جرى خلف الدنيا الفانية التي نهانا الله عن التمسك بها وعلينا أن نجعل من قصص الأمم السابقة عبرة لنصلح ما فسد من حياتنا لأن الدمار والعذاب لما يحل لا يترك أحداً. وعلى ما تقدم يتضح لنا ان كل الأنبياء جاءوا بمقصد الدعوة الى الله رحمة من الله لعباده، ولكن متى تنكر العباد لهذه الدعوة، فإن الحالة تكون سيئة ولابد لها من تغيير الحال الى الأحسن من خلال التقيد بأوامر الله وهدي رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، وان الجميع عليهم أن يدعوا الى الله حتى يصلح حال الجميع لمرضاة الله وحده ورغبة في ما عنده من نعيم مقيم، رزقنا الله طاعة وحمانا من الزلل والمعصية وصلى الله على من أرسل رحمة للعالمين والحمد لله رب العالمين. د. سيف الجابري