الثلاثاء 14 رمضان 1423 هـ الموافق 19 نوفمبر 2002 قال الله جل ثناؤه: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً) الفتح 29. قوله تعالى: (ذلك مثلهم في التوراة) إشارة إلى الوصف المتقدم الذين وصف الله تعالى به محمداً صلى الله عليه وسلم، وأصحابه المؤمنين، أي: ذلك الوصف العجيب الذي وصفوا به في القرآن الكريم هو وصفهم الذي وصفوا به في التوراة. وأما مثلهم الذي مثلهم به - سبحانه وتعالى - في الإنجيل فهو الزرع الذي أخرج شطأه فآزره فاستغلظ، فاستوى على سوقه، وهو مثل في غاية الروعة والبيان، شبه به حالهم العجيب بالزرع الذي أخرج شطأه فآزره.. والشطء: أول ما يبدو من النبات على ظاهر الأرض، وشاطيء الشيء: حافته.. والزرع بدأ بذرة هامدة في الثرى، فإذا أصابها الماء، اهتز كيانها، ودب دبيب الحياة فيها، وأخذت بهذا الرصيد القليل من الحياة التي سرت فيها تحاول جاهدة أن تصافح النور، وأن تلتمس لها طريقاً إليه من بين هذا الظلام المطبق عليها، ثم سرعان ما يطلع لها لسان تتحسس الطريق إلى النور، وتتذوق به نسمة الحياة، وإذ شيء أخضر صغير، يطل على الحياة، ثم لا يلبث أن يقوى، ويخرج آخر مثله يؤازره، ثم ثالث، ورابع.. وهذا هو الشطء، وجمعه شطآن. وشيئاً فشيئاً تنمو هذه الشطآن، وتعلو، ويتخلق لها ساق تقوم عليه، وأوراق تكسو هذا الساق، وفروع، وأغصان، وأزهار، وثمار، حتى يكون من ذلك كله نخلة باسقة، أو دوحة عظيمة، ولتفة الأغصان، كثيرة الثمار، أصلها ثابت في الأرض، وفرعها في السماء!! وهكذا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين تخرجوا من مدرسته، بدأوا بذرة كهذة البذرة التي طال حبسها عن الأرض، حتى إذا امتدت إليها يد الزارع، فغرسها في الأرض، وساق إليها الماء، وتعهدها بالرعاية والري، طالت، وانداحت، ثم أزهرت، وأثمرت، وملأت وجه الأرض المغبرة حسناً وبهجة وجمالاً وخيراً، تعجب الزارع بحسن نباتها، وكثرة خيراتها. محمد صلى الله عليه وسلم هو الزرع، وأصحابه هم شطء هذا الزرع، كانوا قليلين فكثروا، وضعفاء فقووا، وحين بدأ صلوات الله عليه بالدعوة بدأ وحيداً، فأجابه أصحابه الواحد بعد الآخر حتى قوي بهم، واشتد عوده، فكان حاله معهم كهذا الزرع مع شطئه. وشبه الله تعالى حالهم بالزرع الذي أخرج شطأه، ليدل على كثرتهم، وقوتهم، وتماسكهم، بعد قلة، وضعف، وتفرق، وفيه دلالة أيضاً على أن لكل واحد منهم ذاتيته إلى جانب هذه الشجيرات الكبيرة التي يضمها الحقل. وقوله تعالى: (ليغيظ بهم الكفار) إشارة إلى هذا الزرع الطيب الذي يملأ العين سروراً ورضاً، وهو في الوقت نفسه يملأ قلوب الكفار حسداً وحسرة، ونفوسهم غيظاً. محمد إسماعيل عتوك