الثلاثاء 14 رمضان 1423 هـ الموافق 19 نوفمبر 2002 يقول الله تعالى: «وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون» [الأنعام: 138]. هذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين أنهم كانوا يحرمون ويحللون من قبل أنفسهم من غير أن يكون الله أذن لهم بشيء من ذلك يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء العادلون بربهم من المشركين جهلاً منهم، لأنعام لهم وحرث: هذه أنعام وهذا حرث حجر يعنى بالأنعام والحرث ما كانوا جعلوه لله ولآلهتهم. كما قال ابن زيد: وأما قوله افتراء على الله إن فعل هؤلاء المشركون ما فعلوا من تحريمهم ما حرموا وقالوا ما قالوا من ذلك كذباً على الله وتخرصاً بالباطل عليه لأنهم أضافوا ما كانوا يحرمون من ذلك على ما وصفه عنهم جل ثناؤه فى كتابه إلى أن الله هو الذى حرمه فنفى عن نفسه وأكذبهم وأخبر نبيه والمؤمنين أنهم كذبة فيما يزعمون. فالأنعام هى: البقر والإبل والغنم والماعز. والحرث هو: الزرع. وكلمة محجوزة لا يعتدى عليها ولا تذبح ولا تستخدم في الركوب ولا يتعدى نفعها إلى أحد ولقد ذكر في قوله تعالى:«ماجعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام» [المائدة:103] أى أن الحق سبحانه وتعالى خلق هذه الأنعام وسخرها للإنسان يأكل من لحومها ويستفيد من أوبارها وأصوافها ويشرب ألبانها. والله سبحانه وتعالى يريد أن يطلق النفعية فى الأنعام فلذلك خلقها حتى تخدم الإنسان فى حياته ولكن حين تأتى لتتركها هكذا دون أن ينتفع بها أحد فإننا نهدر حياتنا ونهدر مراد الله فى خلقها فإذا جاء المشركون وقالوا: إن هذه الأنعام محجوبة عن النفع لا ينتفع بها أحد فكأنهم أهدروا خلق الله سبحانه ولتكتمل الصورة يقول سبحانه وتعالى:«وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم» أى أن المشركين قالوا في أحد المرات: إن هذه الأنعام لا ينتفع بها أحد هذا جزء مما قسموه ثم قالوا مرة أخرى: إن هذه الأنعام لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم أى: أنهم نصبوا أنفسهم مشرعين لما لم يشرعه الله فالله أباح الأنعام للجميع ولكنهم جاءوا وقسموا خلق الله فقالوا: هؤلاء مسموح لهم بأكل لحوم هذه الأنعام وهؤلاء ليس مسموحاً لهم وليتهم اكتفوا بذلك بل ازدادوا كذباً وافتراء. ويقول الحق سبحانه وتعالى:« وأنعام حرمت ظهورها لا يذكرون اسم الله عليها» أى أنهم حرموا كذباً وافتراء أن يركب الناس بعض الأنعام بل حرموا أن يذكر اسم الله عليها مع أن الله سبحانه هو خالقها وهم لم يخلقوها ولكنهم يذكرون اسم أصنامهم عليها ولا يذكرون اسم الله. وكل هذا كذب متعمد على الله سبحانه وتعالى لأنهم نسبوا كل هذه التصرفات على أنها من الله مع أنهم يعلمون أنهم كاذبون ولكنهم أرادوا أن يقولوا كذباً وافتراء: إن هذا دين الله وهذه تعاليمه ولكن ماذا سيفعل الله بهم ؟ يقول الحق تبارك وتعالى: «سيجزيهم بما كانوا يفترون» وليت المسألة توقفت عند هذا الحد بل إنهم ازدادوا فى افترائهم يقول الله عز وجل:« وقالوا ما فى بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا»[الأنعام:139] وفي هذا تمادٍ فى التحريم فقالوا: ما ستلد هذه الأنعام وما تحمل بطونها من الأجنة التى فى بطون هذه الأنعام للذكور فقط وأما النساء لا يأكلن منها. (وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء) فما ستلد الأنعام إن كان حياً يكون طعاماً للذكور فقط وإن كان ميتاً يتحمل الغرامة فيه الذكور والإناث معاً ويقول الحق سبحانه وتعالى:( سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم) أى أن الله سبحانه وتعالى سيحاسبهم على هذا الافتراء والعبث بما خلق الله وهو فى ذلك حكيم يضع كل شيء فى موضعه فلن يظلم أحداً وهو فى ذلك عليم يعلم كل ما يفعلون. قال تعالى: «أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد»[المائدة:1]. أراد الحق سبحانه وتعالى أن يبين تخصيصاً لما أحل من الأنعام فقد أحل الله من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين وأضاف الرسول صلى الله عليه وسلم: الظباء والبقر الوحشى وكل ذات أربع من حيوان البحر لكن هناك أشياء يحرمها الله وهى ليست حلالا ولذلك كان قول الله سبحانه وتعالى: «إلا ما يتلى عليكم» مؤذناً بأن هناك تحريماً قادماً وسيأتى فلا يأخذون واحداً هذا القول على إطلاقه «أحلت لكم بهيمة الأنعام». فقد اختلف أهل التأويل فى بهيمة الأنعام التى ذكر الله عز وجل فى هذه الآية أنه أحلها لنا فقال بعضهم: هى الأنعام كلها. روى ذلك عن الحسن وقتادة والربيع بن أنس والضحاك. وقال آخرون: هى أجنة الأنعام التى توجد فى بطون أمهاتها إذا نحرت أو ذبحت ميتة. وقال ابن جرير: وأولى القولين بالصواب فى ذلك من قال الأنعام كلها أجنتها وسخالها وكبارها لأن العرب لا تمتنع من تسمية جميع ذلك بهيمة وبهائم ولم يخصص الله منها شيئاً دون شيء فذلك على عمومه وظاهره حتى تأتى حجة بخصوصه يجب التسليم لها: وأما النعم فإنها عند العرب اسم للإبل والبقر والغنم خاصة كما قال جل ثناؤه «والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون» ثم قال: والخيل والبغال والحمير لتركبونها وزينة»