الثلاثاء 14 رمضان 1423 هـ الموافق 19 نوفمبر 2002 الدكتورة خديجة مفيد واحدة من السياسيات المغربيات البارزات فهى عضو فى حركة الإصلاح الإسلامى وعضو فى مجلس شورى الحركة وهى ناقدة وأديبة ومفكرة فى قضايا الفكر الإسلامى وأستاذة جامعية ومحاضرة فى قضايا الفكر الإسلامى فى الجامعات المغربية والعربية والأميركية والأوروبية وهى أيضا رائدة فى مجال العمل الإجتماعى الأهلى فهى رئيس جمعية الحضن ورئيس منظمة تجديد الوعى النسائى وعضو الإتحاد النسائى العالمى. التقينا الدكتورة خديجة على هامش مشاركتها فى أحد المؤتمرات بالقاهرة وتناول الحوار قضايا المرأة فى المغرب والوطن العربى ومشروع مدونة الأحوال الشخصية الذى أثار جدلا فى المغرب خلال الشهور الماضية وتطرح الدكتورة خديجة اطروحات جريئة وحلولا لكثير من المشكلات التى تواجه المرأة خاصة فيما يتعلق بعلاقتها بالرجل. ـ هناك مشروع لإصدار مدونة للأحوال الشخصية ـ قانون الأسرة ـ فى المغرب أثار جدلا على الساحة المغربية طوال الشهور الماضية فما الذى يتضمنه هذا المشرع ولماذا أثار كل هذا الجدل؟ ـ هذا المشروع الذى أرادت الحكومة أن تمرره خرج بين مؤسسات المجتمع المدنى وكان للحركة الإسلامية دور كبير فى فضحه والكشف عن خلفياته وقد لعبت المؤسسات المدنية النسائية الإسلامية دورا كبيرا فى الكشف والتحليل للمفاهيم والأسس التى يقوم عليها هذا المشروع خاصة مفهوم النوع الذى يلغى كل الفوارق بين الرجل والمرأة ولقيت جهود هذه المنظمات اقبالا عريضا من فئات كثيرة من الشعب هذا التفاعل الذى استمر حوالى ثمانية أشهر من المحاضرات والندوات أدى إلى خروج مسيرة مليونية لم يشهد لها التاريخ مثيلا فى مناهضة المشروع الحكومى واعطاء المفاهيم الصحيحة لكل من المساواة والعلاقة بين الرجل والمرأة التى تقوم على التكامل وليس على الصراع كذلك دعيت هذه المنظمات النسائية لتقديم المشروع الذى تراه صحيحا حينما شكلت اللجنة الملكية لصياغة مشاريع بديلة لمدونة الأحوال الشخصية وكان المشروع الذى قدمته منظمة تجديد الوعى النسائى من المشاريع التى حظيت بالرضا من كل الأطراف المكونة للجنة الملكية التى تنظر فى المشروعات المقدمة اليها وتم وقف المخطط الذى كان يهدف إلى الغاء المرجعية الإسلامية فى التشريعات وصياغة قوانين وضعية تمكن للزواج المدنى وتلغى الزواج الشرعى مستندة فى ذلك على أسس واهية ليس لها أى أساس من الصحة اذا ما اعتمدت التحليلات الواقعية والمشاكل الواقعية التى يعرفها المجتمع المغربى. ـ هل معنى ذلك ان مشروع المدونة قد توقف تماما؟ ـ نعم توقف لكن هناك بعض الأشياء فى هذا المشروع تمرر بشكل خفى ورغما عن اختيارات الشعب ولكن فيما يتعلق بالمدونة ـ قانون الأسرة ـ فانها مسألة حساسة فقد تم توقيفها إلى ان تدرس هذه المشاريع المقدمة لأن أى تغيير غير مؤسس على المرجعية الإسلامية يمكن ان يحدث اهتزازا داخل المجتمع المغربى والمشروع المقدم من طرف الحكومة هو مشروع نخبة متمردة لا تمثل احتياجات الفئة العريضة من النساء المغربيات. ـ بالنسبة لمنظمة تجديد الوعى النسائى ما خطتكم فى توعية المرأة وهل هناك قضايا معينة يتم التركيز عليها؟ ـ منظمة تجديد الوعى النسائى أنشئت للعمل الحقوقى انطلاقا من التصور الإسلامى وهى منظمة تجديدية بالأساس أكثر منها تقليدية فهى تحاول ان تنظر فى القضايا الواقعية من منظور اسلامى تجديدى يأخذ بعين الإعتبار الإجتهادات والتحولات الجارية التى يعرفها المجتمع فى اطاره الدولى هذا الجانب الأول الذى تناضل من أجله المنظمة، أما الجانب الثانى فيتمثل فى السعى إلى ايجاد مشروع اعلامى متكامل من حيث الإنتاج الإعلامى سواء على مستوى الكتابة أو على مستوى ايجاد لسان اعلامى أو على مستوى انتاج الأشرطة السمعية او البصرية للإنتاج الفكرى للمرأة كذلك هناك اشتغال بالقضايا اليومية للمرأة المغربية وذلك بفتح مراكز للترشيد الأسرى فى مقابل مراكز العنف ضد المرأة التى تتبناها الفئات العلمانية المدعومة من الغرب وهذه المراكز يأتى اليها المتنازعون نساء ورجالا فنقوم بمهمة الصلح بينهم وتفهم مشاكلهم ووضعهم على أساليب معالجة المشاكل والقضايا التى تكون فى الكثير من الأحيان بسيطة لكن الجهل بأساليب التعامل معها يؤدى إلى هز كيان البيت وتشريد الأولاد وفى الحالات المستعصية نحن نبصر المرأة بحقوقها التى كفلها لها القانون ولدينا مجموعة من المحامين والمحاميات يقومون بالإجراءات القانونية لهذه الفئات المتنازعة التى يستحيل ان تعود إلى الحياة الهادئة بعد فشل الصلح وهذه حالات قليلة ونادرة. المساواة.. ظلم ـ ذكرتم انكم تنظرون لقضايا المرأة نظرة تجديدية غير تقليدية فعلى سبيل المثال هناك دعوة للمساواة بين الرجل والمرأة كيف تنظرون لمثل تلك القضية فى اطار التجديد؟ ـ مفهوم المساواة نحن نعطيه بعدا آخر فالمساواة المبنية على الغاء جميع الفروق بين الرجل والمرأة ظلم وليست مساواة نحن نسعى إلى ان يتم الاعتراف بالمرأة باعتبارها امرأة وأنثى وأماً وليس بأن تتقمص جلد الرجل أو تقوم بأدواره وتلغى أدوارها الأساسية نحن نسعى إلى ان تتحمل الدولة مسئوليتها بمواطنة المرأة على أساس شخصيتها كأنثى وكأم لأن المجتمعات الإسلامية بحكم انها مرت بمرحلة من مراحل الإنحطاط فان الفئات التى أرادت ان تتحرر من ضغط التقاليد والمجتمع وتخلفه ارتمت فى احضان الغرب وهذا جعل المرأة تضحى بشكل تلقائى بالأسرة وتتقمص سلبيات الرجل من تدخين وأن تلبس لباس الرجل وتقص شعرها مثله وهى بذلك تتوهم أنها أصبحت مثل الرجل وتلغى مؤسسة الأسرة والأمومة ولذلك نجد كثيرات من المناضلات فى التيارات الأخرى غير متزوجات أو مطلقات أو ليس لهن أولاد أو أولادهن يعانون التشرد، أما بالنسبة لنا نحن فاننا نريد من الدولة فى المجتمع الإسلامى ان تعترف بنا كأمهات لنا كفاءات علمية يستفيد منها المجتمع لكننا فى نفس الوقت نريد ان نحافظ على شخصياتنا كأمهات وكنساء وفى هذا تكون المساواة، فمن الظلم بالمرأة مثلا ان تتساوى فى حصص العمل لأن لها امتدادا فى البيت فى حين ليس للرجل مثل هذا الإمتداد والتربية تقع فى المرحلة الأولى على الأم حيث يكون هناك التصاق الأبناء بها وقد تكون للأم وظيفة أو مهمة أو مسيرة علمية ومن الظلم ان تلغى مسيرتها العلمية لتتفرغ للأبناء كما انه من الظلم ان تهمل الأبناء وتتفرغ لمسيرتها العلمية اذن الجمع بينهما ضرورى لأن تربية الطفل لا تنحصر فقط فى الطعام والشراب واللباس التى يمكن ان تقوم بها الخادمة باعتبارها مكوناً اساسياً فى الحياة الإجتماعية الاسلامية. ـ هل معنى ذلك ان الرجل له دور يجب ان يقوم به داخل البيت بحيث لا تلقى كل المسئولية على المرأة؟ ـ نعم لأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ طلب من الرجل ان يقوم بكل أدواره التى تقربه لله ومن بين هذه الأدوار ان يكون فى خدمة أهله لكن نجد ان الرجل المسلم قد انحرف عن هذا الدور واكتسب أشياء بالتاريخ واعتبرها من الدين فطغى العرف على الدين وألغيت مفاهيم دينية وحل محلها مفاهيم عرفية وأصبح كل ما لا يريد الرجل ان يقوم به هو من اختصاص المرأة ولم يراجع الرجل ما هو الدور الذى يجب عليه القيام به اذا كان بالفعل يتخذ من النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قدوة له هذا ما نسعى لكى نكشف عنه ونبرزه حتى نحيى هذا الجهاد الذى أوصى به الرسول وهو جهاد النفس باعتباره الجهاد الأكبر فلا يعقل ان يحافظ الإنسان على شئ اكتسبه ظلما وهو لا يدخل فى مبادئه فلابد من عملية تصحيحية بالنسبة للرجل وبالنسبة للمرأة كذلك رأينا ان نحصن نساءنا وبناتنا من اتخاذ النموذج الغربى كقدوة لهن. ـ هل توافقين على مصطلح تحرر المرأة؟ ومن أى شئ يكون هذا التحرر؟ ـ بالنسبة لمفهوم التحرر فإن الإنسان المسلم يجب ان يكون دائما فى تحرر من العادة التى هى فى المصطلح الشرعى والإسلامى تفسد العبادة والعادة قد تكون سلوكية فكرية أو عقدية أو تعبدية لذلك لابد من عملية احياء مستمرة فى المجتمع عند الإنسان المسلم ومن خلال هذه التصورات نحاول ان نعيد الإعتبار لشخصية المرأة المسلمة أما التحرر بمعنى أن تفعل المرأة ما تريد كما هو الحال فى الغرب فهذا مرفوض. علاقة تكاملية ـ اذن ما هو تصوركم لشكل العلاقة بين الرجل والمرأة؟ ـ بالنسبة لمفهوم العلاقة بين الرجل والمرأة نرى أنها ليست علاقة سلطة أو علاقة عمودية وانما هى علاقة تكاملية وبهذا ترفع الصورة السلبية التى عند المتغربات عن المرأة والرجل وقد بدأت هذه الصورة الإيجابية تحيا الآن وبدأ النموذج الإسلامى يغرى بالإتباع وان تلك الصورة التى كانت عند المتغربات اللاتى اتبعن التيار التغريبى هروبا من التيار التقليدى فسقطن فى سلبيات أخرى كذلك نريد ان نكشف بأن مقاربة المجتمع وطرح البدائل من طرف واحد هو تعويق للمجتمع لأن المجتمع يقوم على طرفين ولابد ان تكون التشريعات والقوانين والمفاهيم قد تم صياغتها من الطرفين حتى يكون هناك توازن وهناك أشياء لا يمكن ان يناضل من أجلها الرجل لأنها ليست قضيته وليس ـ كما نسمع فى المقاربات العلمانية ـ لأنه على عداء مع المرأة وأنه ذكورى وانما لأن كل ما يتعلق بالأمومة ليس قضية الرجل فالرجل كأب لا يحس بما تحس به الأم ولا يحتاج لما تحتاجه وبالتالى فهذه أشياء يجب ان تناضل من أجلها المرأة المسلمة الواعية والمفكرة لكى تطرح بدائل تحافظ على توازن المجتمع وتحقق تنشئة متوازنة للإنسان المسلم وعلى استمرارية حياة وفكر المرأة لكى تحصن أبناءها وترافقهم فى معرفتهم ولتكون دائما مرجعا دائما منفتحا لهم. ـ تعدد الزوجات يرفض من جانب المرأة ومن جانب الكثير من الرجال وهناك دولة عربية أصدرت قانونا لمنع تعدد الزوجات فكيف نتعامل مع هذه القضية؟ ـ القانون الذى صدر فى تونس نتجت عنه سلبيات كثيرة فقد أحجم الرجال عن الزواج وجعلهم يتزوجون من غير الجنسية التونسية بجانب ان المرأة التونسية تعانى من هذا القانون فقد انتشرت الكثير من علاقات المخادنة السرية والغريب فى التشريعات ان المخادن ليس عليه أى لوم ولا عقوبة قانونية فى حين ان الذى يريد ان يعدد الزوجات يتعرض للعقوبة فهذه القوانين التى تدافع عنها المرأة لا تدرك انها ضدها وضد كرامتها وتجعلها تستغل وتبتز حتى فى المجتمعات الغربية التى تتهم تعدد الزوجات عند المسلمين بأنه هضم لحقوق المرأة حينما نعيش واقعهم نجد ان المرأة الغربية مستغلة مبتزة وتعيش أزمات نفسية وتطمح وتحلم بأن تعيش فى الجو الأسرى العربى المسلم وحتى لو كان الرجل متزوجا بثلاث نساء اذا تأكد لها انها ستستقر وسيبقى معها هذا الزوج أطول مدة من عمرها فسوف تختار ان تكون الزوجة الرابعة على ان تكون حرة طليقة متعددة العلاقات أو تبحث عن العلاقة ولا تجدها هناك تابوهات وتصورات تسود بالنسبة للمرأة وأنا أؤكد على ان هناك ثقافة فى المجتمع العربى لها سلطة أقوى من سلطة الدين. والمفكرون والدعاة الإسلاميون لابد ان يحولوا الدين إلى سلطة ثقافية حتى نتمكن من تغيير كثير من السلوكيات الإجتماعية ومن التعامل مع مفاهيم أو قوانين شرعها الله ـ سبحانه وتعالى ـ والنظرة إلى الشئ هى التى تحدد طريقة تعاملنا معه ونظرتنا إلى التعدد هى نظرة مبنية إما على النماذج السلبية المرتبطة بالرؤية التقليدية والنظرة الدونية للمرأة التى ينتج عنها سلوكيات غير ايجابية من الرجل تجاه المرأة فى عدد كثير من نماذج التعدد حيث اما تهان المرأة أو تحتقر كرامتها أو تهضم حقوق الزوجة الأولى أو الثانية هذا يعطى مواقف مسبقة من النساء تجاه قضية التعدد لكن اذا كان التعدد ايجابيا ناجحا فانه يمكن ان يحد من مستوى الرفض لدى المرأة وسيبقى المستوى المبنى على الفطرة البشرية عموما التى هى الغيرة وحب التملك الذى هو عند الإنسان بل هو عند المرأة على وجه الخصوص. ـ على المستوى الشخصى هل تقبلين أن تكوني زوجة ثانية أو أن يتزوج زوجك بأخرى؟ ـ زوجى متزوج بأخرى بالفعل النموذج العادل ـ تحقيق العدل بين الزوجات مسألة صعبة فعلى المستوى الشخصى هل زوجك يعدل بين زوجاته؟ ـ نعم هو عادل والحمد لله وحينما يكون النموذج عادلا فإن التبعات تقع على الرجل فالذى يعانى من التعدد أكثر هو الرجل وليست المرأة خاصة اذا كانت كل امرأة مستقلة فى بيتها فإن المسئوليات التى يتحملها تكون كبيرة واعتقد ان تشريع التعدد هو فى حد ذاته يحد من التعدد لأن الإطار الوحيد الذى يحمل الرجل المسئولية هو تشريع التعدد فى الإسلام فإذا أردت ان تعدد فعليك ان تتحمل المسئولية المادية للأسرة والإجتماعية والأدبية والقانونية فى حين ان الذين هم ضد التعدد هم مع الرجل ضد المرأة لأنهم يفتحون الباب ليتحلل الرجل من كل شئ والعبث بكل شئ حتى بالمرأة. ـ فى مصر المرأة ترفض التعدد وينظر إلى الفئات التى تؤيد تعدد الزوجات بأنها الفئات المهنية التى تعيش أوضاعا اجتماعية متدنية مثل السباكين والجزارين والحلاقين وأصحاب الحرف، أما الرجل المثقف المتعلم فانه لا يمكن ان يعدد الزوجات هل هذا يرجع إلى خلل تربوى؟ ـ هذا يرجع إلى التراكم لأن الواقع جزء من الثقافة وحيث ان الفئة التى تعدد الزوجات هي من هؤلاء فيترسخ عند الناس بأن التعدد مرتبط بهذه الفئات فى حين ان التعدد ليس فى الأصل ركنا من أركان الإسلام بحيث نقول انه الركن السادس فى الإسلام وانما هو حل اجتماعى للأفراد وللمجتمعات تأخذ به بقدر حاجتها، أما الإنسان الذى عنده كل حاجياته مستجابة فى أسرة واحدة وبيت واحد وليست لديه القدرة لا على العدل النفسى ولا المادى أو غيره فيكتفي بواحدة فقط. القاهرة ـ ضياءالدين أحمد: