الثلاثاء 14 رمضان 1423 هـ الموافق 19 نوفمبر 2002 بمجرد أن يرى الانسان طائر «البوم» أو حتى يسمع هذا الأسم يقفز الى ذهنه سريعا ارتباطها بالشؤم والنحاسة وتمر عليه حالة من التشاؤم بعد أن تكرست في عقل الانسان نظرية ارتباط البومة بنذير الشؤم منذ قديم الزمان. ولعل سر هذا الارتباط هو ظهور هذا الطائر في الليل وتفرده في المفاوز والمقابر والخربات واعتداؤه على بغاث الطير وسرقته لفراخ الطيور الأخرى في جوف الليل .. هذه المواصفات السيئه جعلت البشر ينفرون منها لدرجة أنهم قالوا : لئام الطير ثلاثة الغربان والبوم والرخم .. ورآها في ليلة الشاعر الأسود بن يعفر وهو على ناقته السريعة فقال: وسمحة المشي شملال قطعت بها أرضا يحار بها الهادون ديموما مهامها وخروقا لا أنيس بها الا الضوابح والأصداء والبوما ومن أشد ما قيل في البوم سوءا هو ما جاء على لسان الغراب في وصفها بكتاب «كليلة ودمنه» حيث وردت قصة عن جماعة من الكراكي، الكركي طائر معروف لم يكن لها ملك فأجمعت أمرها أن تملك البوم وبينما هي في مجمعها اذ وقع لها غراب فقالت : لو جاءنا هذا الغراب لأستشرناه في أمرنا .. فلما جاء استشرنه فقال لهن : لو أن الطير بادت من الأقاليم وفقد الطاووس والبط والنعام والحمام من العالم لما أضطررتن أن تملكن عليكن البوم التي هي أقبح الطير منظرا وأسوأها خلقا وأقلها عقلا وأشدها غضبا وأبعدها عن كل رحمة مع عماها وما بها من العشا في النهار .. فلما سمع الكراكي ذلك الكلام من الغراب أضربن عن تمليك البوم! ومن الواضح أن الغراب كان متحاملا على البوم في كلامه كما أنه يخلط الحقيقة بالشائعات خاصة فيما يتعلق بضعف بصرها وعشاها في النهار حيث أنه من المؤكد أن البومة تمتلك عينين كبيرتين تتصدران الجبهة وبالتالي فانهما قادرتان على تحيد المسافات بدقة وتمتاز البوم ببصرها الحاد ومع ذلك فهي لا تصطاد الا ليلا فقط وربما هذا ماجلب لها صفتي اللؤم والشؤم. ويعتبر طائر البوم من الجوارح والكواسر وهناك ما يقارب من 131 نوعا منها في مختلف أصقاع الأرض منها ما هو مدور الرأس وتارة تكون رؤوسها على شاكلة قلب رقبتها قصيرة لكنها مرنة جدا وتمتلك مخالب قوية ومنقار محدد. أما أكثر الأشياء غرابة في صفات البومة هي استطاعتها الطيران دون احداث أي صوت وذلك بسبب ريشها الزغبي ومن هنا يمكن اعتبارها الطائرة الشبح الأصلية بل أن العلماء يؤكدون أن هذا النوع من الطائرات استمدت جانبا من أسرارها من «البومة» وأن المهندسين العسكريين قد أستفادوا بالفعل من تصميمات تجسم تحليق الطيور في تحسين كفاءات الطائرات المروحية وتقليل ضجيج مراوحها. وأكتشف الخبراء أن أطراف ريش البوم تمتلك السر في كتم الصوت الصادر عن تحليقها وهذا ما ساعدهم في خفض الصوت في طائرة (الشبح). ويؤكد العلماء أن البوم طور ريشا مختلفا عن معظم أنواع الطيور يتميز بحدته الشديدة ونظافة حوافه ويتسم بوجود حواف تعمل على كتم صوت تدفق الهواء عند تخلله أجنحة البوم. وأكثر من ذلك أن البوم تمتلك نوعا آخر من الصفات التقنية الحديثة المتطورة فهي تمتلك نظام (ستريو) سمعي ساعدها على تمتعها بحاسة سمع مرهفة وربما يعود السبب في ذلك الى أن أذنيها ليستا على المستوى نفسه لذا فان الأصوات المنبعثه من مكان ما تبلغ الأذن اليمنى أولا وتسمح هذه الميزة بتحديد موضع الفريسة التي ستنقض عليها بدقة شديدة. وعن هذه الصفة تحديدا يقول العلماء أن البوم قادر حتى في الظلام الدامس على توجيه مخالبه الحادة نحو فريسته بوسيلة تحليل صوتية متطورة في الدماغ. وحسب الدراسات الحديثة فان البوم يقوم بتحليل صوت الفأر على نحو يرسم خريطة صوتية مكونه من بعدين ومثل هذه الميزة الفريدة تجعل فرص افتراس البوم لصيده المقبل أو وجبته القادمة أكثر دقة وأقوى تصويبا ..ويشار الى أن الانسان يستخدم منظومة تحليل صوتية مشابهه لرسم خريطة توجيهية لكن أسرار العملية غير معروفة أو مكتشفة جيدا من الوجهة العلمية. ومن أجل الوقوع على الكيفية التي يحدد البوم من خلالها موقع فريسته بدقة قام فريق علمي بمراقبة ورصد استجابة 14 طائرا لنوعين من الأصوات وتبين من مراقبة وفحص خلايا معينه في الدماغ أن جهاز السمع في البوم يكون خريطة سمعية تعتمد في شكل رئيسي على الصوت أو الأصوات التي تصلها من الخارج وبدلا من استضافة تلك الاستجابات الدماغية كما هو الحال مع معظم الخلايا في الدماغ يقوم جهاز التصفية والتحليل في دماغ البوم بمضاعفة الاشارات الصوتية لاعطاء توجيه أكثر دقة لموقع وزمن مصدر الصوت. ومن الواضح ان البوم له من الأخلاق السيئة ما جعله منبوذاً من الانسان والطيور الأخرى الا أنه من أعجب العجب أن طيور البوم تتمتع بأكثر الأبناء أدبا وحسن خلق بين أنواع الطيور الأخرى قاطبة اذ بدلا من الالحاح المستمر على والديها لاطعامها والتقاتل فيما بينها على الطعام الذي يجلبه الأبوان فان فراخ البوم تتفاوض مع بعضها بحيث يتمكن الأكثر جوعا من الأكل اولا! اذن البومة حالها حال كثير من الحيوانات والطيور تعاني من الاجحاف في حقها ومن ظلم واضح في ربطها بالنحس والشؤم .. وما دخلها في هذين الأمرين وهي مخلوق من مخلوقات الله لا تستطيع تغيير مثقال ذرة لا في قضاء أو قدر .. وتجاهل الانسان الصفات الجيدة فيها مركزا على الصفات السيئة في الوقت الذي لم تسلم فيه على نفسها أبدا من الانسان الذي لم يكتف أبدا عند هذا الحد في تجنيه على هذا الطائر فقام أهل الصين بالمتاجرة فيه في السوق السوداء لجعله طعاما مفضلا على الموائد يلتمهونه كما يلتهمون الخبز والبطاطا! وكما هو معروف عن أهل الصين أو بالاحرى كما يردد أهل الصين أنفسهم بأنهم شعب يأكل كل شيء يطير ما عدا الطائرات وكل شيء يزحف ما عدا الدبابات وكل ما يغوص في البحر ما عدا الغواصات .. لذا ليس بغريب أبدا أن تنضم البوم الى المائدة الصينية ولم تشفع لها المساعي التي تبذلها السلطات لمنع الاتجار بالحيوانات الموضوعه تحت حماية الدولة والحملة العامة التي تديرها الحكومة لعدم المتاجرة في الحيوانات البرية بصورة عامة. وفي حملات المداهمة التي تقوم بها السلطات لسوق (كسين يوان) الشهير خارج مدينة جوانغ جو عاصمة مقاطعة جوان دونج المزدهرة يصادر المسئولون طيور البوم لكونها من الأنواع الموضوعة تحت حماية الدولة للمحافظة عليها من الانقراض مما جعل البائعيون يترددون عن بيعها علنا الأمر الذي يعرضهم للعقوبة الشديدة غير انه من المعروف أن هناك سوقا سوداء مزدهرة لبيع البوم!