الثلاثاء 14 رمضان 1423 هـ الموافق 19 نوفمبر 2002 قال تعالى: (ألم نجعل الأرض مهداً والجبال أوتاداً) [سورة النبأ الآيتان: 6و7]. أثبت العلم الحديث أن وجود الجبال على سطح الكرة الأرضية موزعة بدقة وحكمة يساعد على التوازن بين المرتفعات والمنخفضات، بحيث لا تميد الأرض ولا تضطرب، فكأن هذه الجبال تعمل عمل الأوتاد التى تحفظ توازن الخيمة واستقرارها. ودور الجبال فى حفظ توازن القشرة الأرضية واضح جداً، خاصة تلك الجبال التى يسميها الجيولوجيون بالسلاسل الجبلية الالتوائية.. وهى منتشرة فى قارات العالم ويفسر العلماء دور الجبال فى حفظ التوازن فيقولون: إن الجبال لها امتدادات عظيمة الشأن تحت القشرة الأرضية.. ووجد أن القشرة الأرضية ذات سمك مابين 30-60 كيلو متراً، وقد عرف ذلك بواسطة الأجهزة الحديثة مثل جهاز «السغموجراف» الذى أثبت أن كل جبل له جذر مغروس يثبت طبقة القشرة الأرضية العلوية الصلبة فى الطبقة اللزجة التى تحتها كالوتد كما صورها الحكيم الخبير فى كتابه: (والجبال أوتاداً) إن العلم أكد أن الجبال تعمل كمساكات للقارات من الصخور السائلة التى توجد تحت القشرة الأرضية الصلبة، ولولا جذور هذه الجبال المنغرسة لطفت القشرة إلى الخارج وانعدم توازن الأرض وثباتها.. وقد عرفت هذه الحقائق العلمية مؤخراً عام 1956. وإذا تأملنا قوله تعالى: (وألقى في الأرض رواسى أن تميد بكم). نجد أن العلماء يرون أن الجبال الالتوائية ألقيت فعلاً من عل.. من قمم الجبال القديمة بعد أن نحتتها عوامل التعرية ونقلتها ورسبتها فى البحار التى نقلتها بدورها بواسطة الرياح لتستقر مرتفعة عن سطح البحر وقد التوت ونشأت منها السلاسل الالتوائية.. أى أن الجبال الالتوائية الموجودة وجدت من الرواسب التى ألقيت من هذه البحار القديمة. ويؤكد ذلك اثنان من علماء الجيولوجيا حين يقولان: إن عوامل التعرية هى التى نحتت الجبال القديمة ونقلتها إلى أحواض البحار الداخلية القديمة حيث تراكمت الرواسب ملايين السنين، ثم انضغطت على شكل جبال التوائية حديثة التكوين. وهناك حقيقة علمية أخرى وصل إليها البحث العلمى فى توزيع الجبال واليابس والماء على سطح الأرض بنسب أحجامها الحالية.. وهى أنه لو كانت الأرض بحجمها الحالى مكونة من الماء بنسبة أكبر، لبلغ وزنها أقل مما هى عليه الآن، ولما تمكنت من حفظ نسبة بعدها عن الشمس، بل لانجذبت إليها واحترقت. ولو كان أكثرها مكونا من اليابس لزاد وزنها عما هى عليه الآن ولبعدت عن الشمس البعد الذى لا تتحقق معه الحياة، لأنها فى هذه الحالة تتجمد من شدة البرودة. ويقول سبحانه في كتابه الكريم: (وفى الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض فى الأكل إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون). يقرر علماء الجيولوجيا أن تربة القشرة الأرضية التى تحطمت وتفتت بفعل عوامل التعرية، جعلتها لا تتحد فى عناصرها، بل صار لكل تربة طبيعتها وخواصها الذاتية.. وهذا هو المعنى العلمى الذى تشير إليه الآية بأن قطعة الأرض الواحدة تتكون من عدة أجزاء متجاورة ومتلاصقة، ولكنها تشمل فى تكوينها مواد معدنية أو عضوية أو بكتيرية مختلفة، وعندما تسقى قطعة الأرض الواحدة نجد أن ثمارها متنوعة، لأن بها أجزاء طينية وأخرى رملية أو كلسية، فضلاً عن أن ثمارها متنوعة وإن كانت تسقى بماء واحد. وفي الآية الكريمة: ( وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه فى الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون). تشير إلى معان علمية خاصة بالدورة المائية فى الأرض ولكن الإعجاز العلمى العظيم فى هذه الآية يتجلى فى قوله تعالى: «فأسكناه» والذى يوحى بعدة حقائق على درجة كبيرة من الأهمية: أولا: إن إسكان الماء يعنى استقراره واتزانه، سواء أكان هذا الماء على ظهر الأرض فى المحيطات والبحار والأنهار، أم غير ذلك من المسطحات المائية، وسواء تسرب هذا الماء إلى باطن الأرض ليكون المياه الجوفية، أو استقر فى أحواض تركيبية شاسعة تحت سطح الأرض كتلك التى توجد تحت الصحراء الغربية الليبية، والتى كشفت البحوث الحديثة عن أصلها القديم.. وقد تعترى مثل هذه التراكيب الجيولوجية الخازنة تغييرات جذرية يسميها العلماء بالثورات الجيولوجية فتذهب بها وبما بها من ماء إلى أمكنة أخرى، فتحيى أرض الصحراء الميتة إذا سيق الماء إليها.. ومن ذلك يتجلى لنا الإعجاز العلمى فى قوله تعالى: (أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجزر فنخرج به زرعا تأكل منه أنعمهم وأنفسهم أفلا يبصرون). ثانياً: إن لفظه (الإسكان) تعنى أنه لابد من وجود الفراغ الذى يمكن أن تشغله المياه، وفى حالة المياه الجوفية فإن هذا الفراغ ما هو إلا المسام الموجودة بين الصخور. ثالثاً: أنه لابد من وجود مسارات بين الصخور يمكن أن ينساب خلالها الماء وإمكان حدوث الثورات الجيولوجية، أو حدوث صدوع والتواءات فى قشرة الأرض، مما يؤدى إلى هجرة المياه الجوفية فى الطبقات الصخرية الرسوبية إلى مسافات طويلة بحيث تصبح هذه المياه غائرة فى الأرض، فلا يمكن للإنسان أن يصل إليها بأدواته أو آلاته.. ومن ذلك أيضاً يتجلى لنا الإعجاز العلمى فى قوله تعالى: (قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين ). وقوله أيضاً: ويقول سبحانه: (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء). أثبتت البحوث الجيولوجية أن الحجارة قد تتأثر وتتفاعل، حيث هناك أحجار تتفجر منها المياه الكثيرة فتجرى أنهاراً، ومنها ما يتشقق فيخرج الماء منها، فضلاً عن المياه الجوفية التى تغور فى القشرة الأرضية، حيث تجرى فى المسام الموجودة بين الصخور والأحجار حتى إذا زادت الضغوط الواقعة عليها تمكنت من الخروج على هيئة مياه متدفقة من بين الصخور بحيث يمكنها أن تكون الأنهار أو الينابيع.