الثلاثاء 14 رمضان 1423 هـ الموافق 19 نوفمبر 2002 1 ـ بعد أن ذكرت سورة «الأنعام» أسماء ثمانية عشر نبيا، اتبعت ذلك بذكر فضائل من يتصل بهؤلاء الأنبياء الكرام فقال ـ تعالى ـ «ومن آبائهم وذرياتهم واخوانهم وهديناهم إلى صراط مستقيم [الآية 78] وحرف «من» هنا التبعيض والاجتباء معناه. قال الراغب الاصفهانى فى كتابه «المفرادات فى غريب القرآن» : «والاجتباء : الجمع على طريق الاصطفاء، واجتباء العبد : تخصيص الله ـ تعالى ـ اياه بغيض الهى يتحصل للعبد منه أنواع من النعم بلا سعى من العبد، وذلك للانبياء وبعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء». والمعنى : وبعض هؤلاء الأنبياء الذين سبق الحديث عنهم، وبعض أبنائهم واخوانهم من اصطفيناه واخترناه لحمل رسالتنا، وهديناه أرشدناه إلى الطريق الواضح المستقيم بعهده مع خالقه، وأدى الرساله، على أكمل وجه. 2 ـ ثم بين ـ سبحانه ـ بعد ذلك أن الهداية إنما هى منه ـ تعالى ـ وحده، وأن الاشراك به ـ عز وجل ـ يحبط الاعمال ويفسدها، ويجعلها هباء منثورا، فقال : «ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده، ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعلمون» (الاية :88) «حبط» بكسر الباء ـ مأخوذ من الحبط ـ بفتح الباء ـ وهو أن تأكل الدابه أكلا كثيرا تنتفخ معه بطونها، فلا تنتفع بما أكلت، ويفسد معه حالها، وربما تموت من أثر ذلك، وقد شبه سبحانه ـ حال من يشرك بالله ـ تعالى ـ بعد أن تمتع بنعمه الكثيرة ثم يفسد هذه النعم بالاشراك به ـ تعالى ـ فى العباده بحال تلك الدابه التى اكلت حتى أصابها الحبط ففسد وانتكس حالها، والمعنى : ذلك الهدى الى الصراط المستقيم، الذى اهتدى إلى هؤلاء الانبياء الكرام، وبعض آبائهم وذرياتهم واخوانهم، هو هدى الله ـ تعالى ـ وحده، الذى يهدى اليه من يشاء هدايته من عباده المستعدون لذلك. وفى قوله ـ سبحانه ـ «من يشاء من عباده» من الابهام والتفخيم ما يبعث النفوس على التماس هدى الله ـ تعالى ـ والتعرض لنفحاته بجد واخلاص وشوق. وقوله، سبحانه ـ «ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون» بيان لسوء عاقبة الشرك والمشركين أى : ولو أشرك هؤلاء الاخيار ـ على سبيل الفرض والتقدير ـ لبطل وسقط عنهم ثواب ما كونوا يعملونه فى حياتهم من اعمال صالحة!! قال الامام ابن كثير ـ رحمه الله ـ «وفى هذه الجملة الكريمة تشديد لامر الشرك وتغليظ لشأنه وتعظيم لملابسته، كما فى قوله ـ تعالى ـ «ولقد أوحى اليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين». ثم قال ـ رحمه الله : والشرط لا يقتضى جواز الوقوع، فهو كقوله ـ تعالى ـ «قل ان كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين» وكقوله ـ تعالى : «لو أردنا أن نتخذ لهوا لا تتخذناه من لدنا ان كنا فاعلين». 3 ـ ثم بشر ـ سبحانه ـ نبيه محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن سنته قد اقتضت فى كل زمان ومكان ان ينصر الحق، وأن ينشر نوره فى الأرض، وأن يجعل العاقبة الطيبة لاهله فقال ـ تعالى ـ أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة، فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين» (الاية : 89) واسم الاشارة «أولئك» يعود إلى ما سبق الحديث عنهم من الانبياء الثمانية عشرة وإلى المعطوفين عليهم من ابائهم وابنائهم واخواتهم، باعتبار اتصافهم بما شرفهم خالقهم به من هدايه الى الطريق المستقيم، ومن صفات كريمة. أى : اولئك الاخيار من عبادنا هم الذين الهمناهم فهم ما اشتملت عليه كتبنا من حقائق وأحكام، وهم الذين منحناهم الحكمة وهى عم هذه الكتب والعمل بما فيها، وهم الذين منحنا بعضهم النبوة فإن يكفر بهذه الصفات الثلاث التى اجتمعت فيك يا محمد وهى إنزال القرآن عليك، واعطائك الحكمة والنبوة ـ ان يكفر هؤلاء المشركون المعاصرون لك بكل ذلك، فلن يضرك كفرهم لأنا قد وفقنا للايمان برسالتك قوما كراما ليسوا بها بكافرين فى أى وقت من الاوقات والمراد بهؤلاء القوم الذين آمنوا به ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصدقوه اصحابه من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان إلى يوم الدين. 4 ـ ثم ختم ـ سبحانه ـ هذه الآيات الكريمة بأن عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو أفضل الخلق أن يقتدى بهؤلاء الانبياء السابقين فقال : «أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده، قل لا أسألكم عليه أجرا أن هو الا ذكرى للعالمين» أى : أولئك الانبياء الكرام الذين حدثناك عنهم ـ يا محمد ـ خم الذين هديناهم الى الحق، وإلى الطريق المستقيم، فبطريقتهم فى اخلاص العباده لنا، كن مقتديا، وفى اعتناقهم لمكارم الاخلاق كن متأسيا. وقل ـ يا محمد ـ لهؤلاء الذين أرسلناك لاخراجهم من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، لا أسألكم أجرا على ما أدعوكم اليه من خير، وما ابلغكم اياه من قرآن، فإن هذا القرآن ما هو الا تذكير وموعظة للناس أجمعين فى كل زمان ومكان نسأل الله ـ تعالى ان يجعل القرآن ربيع قلوبينا ـ وأنس نفوسنا.