الثلاثاء 14 رمضان 1423 هـ الموافق 19 نوفمبر 2002 يروى عن قبيصة بن المخارق (رضى الله عنه) أنه قال: «سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «العيافة، والطّيَرَةُ، والطرْقُ، من الجبت» (رواه أبو داود بإسناد حسن). و«العيافة» هى الزجر، أى زجر الطير بقصد التيمن أو التشاؤم باتجاه طيرانه، فإن طار إلى جهة اليمين تيمن واستبشر، وإن طار إلى جهة اليسار تشاءم وانقبض؛ «الطيرة» هى التشاؤم؛ و«الطرْقُ» هو الضرب بالحصى ضرب من التهكن؛ و«الجبت» كلمة تطلق على كل ما عُبد من دون الله، أو كل مطاع فى معصية الله، وأصل «الجبت» هو «الجبس» وهو الذى لاسير فيه، فأبدلت التاء من السين؛ ولذلك تطلق لفظة «الجبت» على الشيطان، كما تطلق على الصنم، والكاهن، والساحر وعلى السحر ذاته، وعلى كل باطل يصرف العبد عن التوحيد الخالص لله، ويدخله فى دائرة الشرك أو الكفر بالله؛ والكلمة واضحة الدلالة فى هذا الحديث الشريف على الشرك بالله (أعاذنا الله تعالى منه). وكل من «العيافة»، و«الطيرة» ، و«الطرق» هو فى حقيقته انصراف عن التوكل الكامل على الله، ولجوء إلى التحايل من اجل استشراف الغيب.. خوفا منه، وحذرا من مفاجآته، وهو من الأمور المنهى عنها شرعا، ولذلك يروى عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: «من أتى عرافا فسأله عن شيء، فصدقه، لم تقبل له صلاة أربعين يوما» (رواه مسلم فى صحيحه)؛ وفى رواية أخرى: «من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد (صلى الله عليه وسلم)» وعن ابن عباس (رضى الله عنهما) أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «من اقتبس علما من النجوم، إقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» (رواه أبو داود باسناد صحيح). والمقصود بعلم النجوم هنا هو التنجيم، والتنجيم خرافة لا أساس لها من العلم، أما علوم الفلك، ودراسة النجوم أو غيرها من أجرام السماء بالملاحظة والاستنتاج، أو بالتجربة والملاحظة والاستنتاج فهو أمر مرغوب فيه، ومندوب إليه، ومؤكد عليه، وهو من فروض الكفاية التى لايجوز للأمة أن تتخلف عنها بجملتها. ولتأكيد هذا المعنى يروى عن معاوية بن الحكم (رضى الله عنه) أنه قال: قلت يارسول الله إنى حديث عهد بجاهلية، وقد جاءنا الله (تعالى) بالإسلام، وإن منا رجالا يأتون الكهان؟ قال (صلى الله عليه وسلم): «فلا تأتهم»، قلت: ومنا رجال يتطيرون؟ قال: «ذلك شيء يجدونه فى صدورهم، فلا يصدهم»، قلت: ومنا رجال يخطون؟ قال: «كان نبى من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه، فذاك» (رواه مسلم فى صحيحه). عن أم المؤمنين عائشة (رضى الله تبارك وتعالى عنها) قالت: سأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أناس عن الكهان، فقال: يلبسوا بشيء» ، فقالوا: يارسول الله إنهم يحدثوننا أحيانا بشيء فيكون حقا؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنى، فَيَقُرها فى أذن وليه، فيخلطون معها مائة كذبة» (متفق عليه). وفى رواية للبخارى عن السيدة عائشة (رضى الله عنها) أنها سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «إن الملائكة تنزل فى العناق ـ وهو السحاب ـ فتذكر الأمر قضى فى السماء، فيسترق الشيطان السمع، فيسمعه، فيوحيه إلى الكهان، فيكذبون معه مائة كذبة من عند انفسهم». وهذا كله يأتى انطلاقا من قول الحق تبارك وتعالى فى سورة الجن: «وإنه كان رجال من إلانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا » (الجن : 6 ـ 9) وتأتى المعارف الحديثة كلها متطابقة مع كلام الله (سبحانه وتعالى) ومع احاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فتثبت أن كلا من العيافة ، والطيرة، والطرق، والكهانة، والتنجيم، وقراءة الطالع وغير ذلك من محاولات الاطلاع على الغيب هى خرافات لا أساس لها من الصحة، وأن الحظ إذا كان بعيدا عن كلام الله تعالى، وعن هدى رسوله (صلى الله عليه وسلم) هو أيضا من الخرافات التى لا يلجأ إليها إلا اصحاب النفوس المريضة، والأفهام السقيمة، وللتدليل على ذلك نعرض لعملية التنجيم وهى الادعاء الباطل بأن للأبراج السماوية التى يولد فى ظلها الإنسان تأثير على شخصيته وسلوكه، وهو ادعاء لا أساس له من الصحة، أولا للمسافات الشاسعة الفاصلة بيننا وبين النجوم المكونة لبرج من تلك الأبراج ، وثانيا لأن تلك النجوم تبدو ولنا من فوق سطح الأرض كتكوين واحد يوحى بهيئة محددة وهى فى الحقيقة قد تكون كل نجم معها منطويا فى تجمع مختلف من التجمعات النجمية المعروفة لنا من مثل المجرات أو التجمعات المجرية المتباعدة، وثالثا لأن هذه المسافات الشاسعة التى تفصل بيننا وبين تلك النجوم تضعف من تأثير شدة جذبها للأرض ككل بشكل واضح، فضلا عن طفل منزو فى لفافته، فى عزقه من عزق أحد البيوت المتناثرة فى ركن من أركان الأرض..!!! ولطالما استخدمت هذه المجالات الغيبية عبر تاريخ البشرية فى ابتزاز البسطاء والسذج والجهلة من البشر، أو اصحاب المشاكل الاجتماعية والازمات النفسية وادخالهم فى دهاليز من الظلم والحيرة والضلال... ومن هنا كان تحذير المصطفى (صلى الله عليه وسلم) من كل ذلك، خاصة وان شياطين الانس والجن لم يتوقفوا لحظة عن تطوير محاولاتهم لإرهاق البسطاء من الناس بأنماط متجددة من تلك الضلالات والتى تنشر فى كافة وسائل الاعلام المعاصرة من قراءة للطالع وضرب بالرمل وطرق بالحصى وبالشعير إلى غير ذلك؛ فى محاولة للتنبؤ بالمستقبل، وقراءة لكل من الكف والفنجان وهمس للصدف وفتح بورق اللعب، وتنويم مغناطيسى، وادعاء بمعرفة الهندسة الداخلية للنفس الإنسانية، وبالقدرة على إعادة برمجتها، إلى غير ذلك من الأمور الغيبية التى نهانا رسولنا (صلى الله عليه وسلم) عن الخوض فيها من قبل ألف وأربعمائة من السنين مما يؤكد وصف القرآن الكريم له بالخلق العظيم، وبأنه لاينطق عن الهوى، «إن هو إلا وحى يوحى». د. زغلول النجار