الاثنين 13 رمضان 1423 هـ الموافق 18 نوفمبر 2002 كان للفن الاسلامي فضل السبق في كسوة الجدران ببلاطات الخزف، فضلا عن استخدام هذه البلاطات في كسوة وزخرفة القباب ومحاريب المساجد وقد برع في هذا المضمار الخزافون في كل من ايران وتركيا وبلاد المغرب والأندلس كما لحق بهم الصناع في أسيا الوسطى وبلاد السند أيضا. ويغلب على الظن أن اقبال الفنانين المسلمين على استخدام البلاطات الخزفية في تكسية الجدران وزخرفتها يرجع الى ارتفاع أثمان الرخام وما يستلزمه استخدامه من عمليات نقل من المحاجر البعيدة واجراء أعمال التشذيب والتقطيع والصقل. ومهما يكن من أمر فقد كان لايران السبق في الاستخدام الواسع لبلاطات الخزف وان كان ذلك لا ينفي انتاج بلاطات الخزف أولا في « سامراء» عاصمة العباسيين ومنها كان يصدر الى الأمصار المختلفة لاستخدامها في زخرفة بعض أجزاء المساجد ولاسيما المحاريب اذ نرى أمثلة لذلك في محراب جامع القيروان الذي زود ببلاطات من الخزف ذي البريق المعدني خلال أعمال التجديد التي قام بها حكام الأغالبة «3هـ /9 م». ومن المراكز الفنية التي ذاعت شهرتها في انتاج الخزف مدينة قاشان التي أخرجت لنا أقدم المحاريب الخزفية، واستطاع الخزافون في هذه المدينة اتقان صناعة التربيعات من الخزف ذي البريق المعدني لكسوة الجدران ونمت هذه الصناعة نموا عظيما بين القرنين السادس والثاني عشر بعد الهجرة « 12 - 18 م» وكانت سائر الألواح الخزفية التي تستخدم في تكسية الجدران تزدان بزخارف بارزة وتزينها الكتابات الكوفية والنسخية. وبسبب شهرة قاشان في انتاج البلاطات الخزفية فقد صار اسمها علما على هذه الأنواع من المنتجات الخزفية أينما صنعت. وقد تأثرت صناعة البلاطات الخزفية في تركيا بتقاليد صناعتها في كل من قاشان ومدينة تبريز لاسيما مع انتقال صناع من هاتين المدينتين للعمل في المصانع التركية في بداية العصر العثماني. والحقيقة أن صناعة البلاطات الخزفية شهدت ازدهارا كبيرا في الأراضي التي حكمتها الدولة العثمانية وأصبح استخدام هذه البلاطات من مميزات فنون الزخرفة التركية ومن أهم مراكز صناعة البلاطات الخزفية في تركيا مدينة « بروسة» التي كانت عاصمة لدولة آل عثمان في الجزء الأكبر من القرن الثامن الهجري «14م» واصبحت هذا المدينة مراكزاً عظيما من مراكز الصناعات الخزفية وقد امتازت بانتاج بلاطات من القاشاني لتغطية الجدران مستطيلة أو مسدسة ومدهونة بالمينا المتعدد الألوان أو مزينة بالنقوش المرسومة تحت الطلاء. ومن أبدع ما وصل الينا من بلاطات الخزف التركية ما نراه في الجامع الأخضر في مدينة بروسة وقد تم تشييده سنة 882ه« 1423م»، وفي بلاطات المحراب بهذا الجامع زخارف من الزهور والفروع النباتية يتجلى فيها التأثر بالأساليب الفنية الصينية وفي هذا المحراب كتابة تشير الى أنه من صناعة فنانين من مدينة تبريز الايرانية وقد أدخل الخزافون الايرانيون في آسيا الصغرى في صناعة الخزف البيضاء والزرقاء تحت الطلاء ومن أبدع بلاطات القاشاني من هذا النوع ما نراه في جامع السلطان مراد في مدينة أدرنة. أما مدينة أزنيك «أزنيق» فقد أخرجت مصانعها بلاطات من الخزف كسيت بها جدران كثيرة من مساجد اسطنبول وغيرها من المدن التركية وهو يمتاز باستخدام ألوان متعددة في زخارفه مثل الأزرق والأخضر والفيروزي والزيتوني والأسود فضلا عن لون أحمر يشبه الطماطم يبرز قليلا عن سطح الاناء لأن قوامه صلصال غني بأوكسيد الحديد يبقيه كالعجينة ويمنع ذوبانه في الماء. أما زخارف هذه البلاطات فأهمها الزهور الطبيعية ولاسيما الورد وزهر السنبل والسوسن والقرنفل والخزامي. ومن روائع منتجات بلاطات الخزف التي أخرجتها المصانع التركية مجموعة من البلاطات حوت رسوما توضح معالم الحرم المكي نظرا لاهتمام المسلمين كافة باستكمال أركان الاسلام بحج البيت ان استطاعوا اليه سبيلا. وقد وضعت هذه المناظر في بعض المنشآت التي يقصدها عامة الناس ولا سيما في أسبلة الماء اما بقصد اثارة معاني التقديس وحث الناس على التوجه للحج أو بغرض ارشاد من يروم الحج لمعالم الحرم وما ترتبط به من شعائر وربما تعويضا نظريا لمن لا يستطيع الى الحج سبيلا. وقد نقلت بعض هذه اللوحات إلى متاحف مثل متحف الكويت الوطني ومتحف الفن الاسلامي بالقاهرة أو بقيت بأماكنها مثلما نرى في اللوحة الخزفية التي تزين صدر حجرة التسبيل في سبيل عبد الرحمن كتخدا بالقاهرة «12 هـ 18/م». وطبقا لهذه اللوحات الخزفية التي روعى في صنعها دقة الرسم ما أمكن مع العناية بألوانها المتعددة، فان الحرم المكي خلال العصر العثماني كان حسبما أكدت تلك المصادر التاريخية المختلفة مستطيلا أقرب الى التربيع وطول ضلع الشمالي 164م والجنوبي 166 مترا والشرقي 108 أمتار والغربي 109أمتار. ويحيط بالحرم من جهاته الأربع أروقة يشتمل كل منها على ثلاثة صفوف من الأعمدة موازية للجدران وتحمل الأعمدة عقودا وتغطي كل مساحة تحف بها أربعة أعمدة قبة أي أن سقف الأروقة صار قبابا متجاورة وهو ما حرص الخزاف العثماني على ابرازه في رسوم بلاطات على هيئة قباب زرقاء متجاورة. وحسب هذه الاعمال الفنية ذات الصفة التوثيقية فان الكعبة المكرمة كانت تقوم في وسط الحرم ولكن بميل نحو الجنوب ويحيط بها المطاف وهو مرصوف بالرخام وكان بخارج المطاف ثلاث شقائف على أعمدة من الرخام، توجه احداها الى الجانب الغربي وكان يصلي بها امام المالكية «تسمى في البلاطات مقام مالكي» وهي قريبة من باب ابراهيم والثانية تواجه الجانب الشمالي ويصلي فيها امام الحنيفة «يطلق عليها في الرسوم مقام حنفي» والسقيفة الثالثة تواجه الضلع الجنوبي وهي الأخرى لصلاة امام الحنفية «مقام حنفي» والى جوارها من ناحية الشرق خلف مقام ابراهيم كان يصلي امام الشافعية «مقام شافعي». وقد حرصت البلاطات الخزفية على ابراز هذه الأماكن بصورة شديدة الدقة، كما أبرزت وجود المنبر الرخامي الذي بعث به السلطان سليمان القديم في سنة 966هـ الى المسجد الحرام حيث أقيم بدلا من المنبر الخشبي القديم وقد صنع بدقة فنية رائعة وتبرز اللوحات وجود هذا المنبر بجوار المطاف شرقي الكعبة. أما مآذن الحرم وعددها سبع فقد عمرت أثناء عصر السلطان سليم والسلطان مراد الرابع ورسوم بعض البلاطات لم توضح منها سوى ست حيث أهمل الخزافون رسم المئذنة التي توجد في الركن الجنوبي الشرقي مكتفين برسم المئذنة القريبة منها في الضلع الشرقي. أما بقية المآذن الركنية الثلاث وكذا المئذنتان في الضلع الشمالي فقد أثبتها الخزافون بكل أمانة. وقد أتت أغلب رسوم البلاطات الخزفية الى ذكر أبواب الحرم المكي وكان عددها خمسة وعشرين بابا منها الباب العتيق ففي الشرق نجد خمسة أبواب هي باب علي وباب عباس وباب النبي وباب السلام وقد سميت في احدى البلاطات « على التوالي» بأسماء باب فاطمة - باب خديجة - باب أبو بكر - باب عمر - باب عثمان - باب السلام. وذلك خلافا لما ذكرته المصادر التاريخية. وفي الضلع الغربي كانت هناك خمسة أبواب زيدت الى ستة في بعض البلاطات وهي - باب العمرة - باب الدواوية - باب ابراهيم - باب عروس - باب التماني - باب الوداع. أما أبواب الضلع الجنوبي وعددها سبعة فقد ذكرت منها في رسوم البلاطات أبواب : الصفا - عباس - علي - بازار، كما ذكرت من أبواب الجانب الشمالي أبواب السلمانية والصوفية وهود وكلها تقع على مقربة من بناء المدرسة التي أنشأها السلطان العثماني سليمان القانوني خارج المسجد الحرام من ناحية الشمال وهي التي تذكر في رسوم البلاطات الخزفية باسم « مدرسة سلمانية». واضافة الى ما سبق فقد عنى الخزافون ببيان موقع الحجر الأسود من الكعبة «ناحية الجنوب» وأيضا حجر اسماعيل «الى الشمال» ولعل في ذلك ما يؤكد الغرض الارشادي من صناعة هذه اللوحات التوضيحية. وتبقى لهذه الأعمال الخزفية الى جانب أهميتها التوثيقية التاريحية قيمتها الفنية، كعمل دقيق الصنع جميل الألوان لا يخلو في كل الأحوال من زخارف التوريق العربية «الأرابيسك» التي أعطاها الخزافون الأتراك روحا جديدة ومميزة صارت تعرف بسببها باسم «رومي أرابيسك» وكذلك من كتابات نسخية تشير الى ما جاء في آيات القرآن الكريم من أهمية البيت العتيق وشعيرة الحج، وكانت أكثر اللوحات تحوي تسجيلا لهذه الآية الكريمة. «ان أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام ابراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين». صدق الله العظيم. د. أحمد السيد محمد: