الاثنين 13 رمضان 1423 هـ الموافق 18 نوفمبر 2002 رمضان هو رمضان شهر الرحمة بلا ممسك والبركة بلا حدود يطير الكبير والصغير فرحا بقدومه وتمتلئ القلوب بنوع نادر من السعادة لا تعرف النفس طعما مشابها له أبدا مهما تعاقبت الأجيال واختلفت ملامح الحياة. ورغم هذا فهناك اتهام واضح وصريح من أهل زمان للشباب بأنهم لا يتعاملون مع الشهر الكريم بالشكل اللائق الذي يستحق وعليه اختفت البهجة وقلت البركة وبالطبع لم يسكت شباب الآن ووقفوا يدافعون عن موقفهم في محكمة عقدت فقط على الورق وحملت لك السطور التالية تفاصيلها أما الحكم النهائي فهو لك عزيزي القاريء واليك وقائع القضية. «لم تكن هذه الكلمات مجرد مطلع لأغنية شهيرة نتغنى بها كل عام مع قدوم الشهر الكريم ولكنها كانت تترجم بسلوك مقدس على الجميع الالتزام بها وكأنها ضوء أخضر يشير الى قدوم ضيف عزيز ويا له من ضيف». كانت هذه الكلمات هي بداية حديث ناصر أبو العنين 58 سنة الذي بدأ متأثرا جدا وهو يقارن بين رمضان زمان ورمضان هذه الأيام وقال: «بنظرة سريعة لسلوك أهل زمان مع الشهر الفضيل ستجد الأمر مختلفاً تماما عن الآن خاصة فيما يتعلق بالعلاقات الانسانية، فقديما عندما كان يقترب موعد هلول الشهر المبارك يبدأ الجميع في القيام باستعدادات خاصة جدا حيث يبدأ كبار القوم في رسم خطط التعامل مع المحتاجين والفقراء ومجموعة أخرى تبدأ في الاشراف على احتياجات المساجد - دون النظر للهيئات الرسمية - ويبدأ الصلح والعفو عما سلف يأخذ طريقه بين الناس وبعضهم حتى الأطفال تجد لهم دوراً في تعليق الزينات واضاءة الشوارع أي أنك تستطيع أن تشتم روائح الشهر الكريم قبل قدومه بكثير حيث كان لقدومه رائحه خاصة جدا تستشعرها في كل جنبات قلبك ويصمت قليلا ثم يعود ليقول: «أما الآن فانك لا تحس بأي شئ مما قلت لدرجة أننا لا نهنئ من يسكن في نفس البيت بمناسبة رمضان والجميع لا يعرف عن رمضان سوى استعداداته الخاصة فقط دون النظر حتى لعائلته الكبرى وعندما تحاول أن تبدي تعجبك لا تجد سوى كلمات قليلة». ياعم أهي أيام وتعدي». مرحب، شهر الصوم مرحب أما الحاج «أبو مريم» كما يجب أن يلقب فله ذكريات خاصة مع الشهر الفضيل حيث قال: «مهما تغير شكل الحياة وجاء الحديث وذهب القديم يبقي دائما رمضان هو رمضان أجمل أيام العمر وأكثرها بركة والتي لا يشاركها في ذلك أيام من أيام السنة فالحياة كانت سهلة تمر بلا مشاكل ولا تعقيدات مقارنة بما نراه الآن وكأن شباب هذه الأيام يبحث عن المشاكل ليلقى نفسه فيها ثم يصرخ نحن جيل مظلوم من أين جاء الظلم وقد ذهبت أنت وزوجتك للافطار أول رمضان على أحد المطاعم العائمة ودفعت ما يكفي لميزانية أسبوعين كاملين، أين الظلم وقد دعوت الى الافطار أربعة أشخاص وكان الافطار الموجود يكفي لعشرين آخرين نحن من نضيع لذة الأيام ونحن من نحاول أن نبحث عن المتاعب لنلقي بأنفسنا فيها، أما أيام زمان فكان لها طابع خاص جدا طابع روحي لا يقارن بماديات الحياة التي نعيشها الآن يكفي أن الحب والتواصل والتراحم هي من مستقبلي الشهر الكريم كل عام والذي كان لا يبخل علينا ببركته وكأنه يرد لنا الجميل لأن هؤلاء كانوا في انتظاره مغنين مرحب شهر الصوم مرحب لياليك عادت في آمان. والله زمان. يا رمضان ويتحدث الينا «محمد عمران 50» سنة عن رمضان زمان قائلا: نعم لقد استخدم هذا الجيل الانترنت وحقا استطاع أن يفعل كل شئ بالحاسب الآلي ولكنه أبدا لم يحيا ليلة واحدة من ليالى رمضان زمان أنني لا أبالغ أن قلت أننا كنا نعيش رمضان طوال العام فهو شهر واحد بركته بعد رحيله تدوم عاماً كاملاً واستقباله قبل هلوله يكون لعام كامل وهكذا فلم نكن أبدا ننساه كانت الحياة حلوة سهلة ما أن يأتي شهر رجب الا ويبدأ الجميع في العمل على قدم وساق لاستقبال رمضان الخلافات تزول المشاكل تحل، الزيارات تبدأ اليتيم يفرح المسكين يجد من يساعده، أما الآن فالجميع يفكر بنفسه ولا يجد من يفكر فيه أنني أتمنى أن يصمم لنا أحد في المستقبل برنامج حاسب آلي يجعل الأيام تعود لزمان حقا والله زمان يا رمضان». معذورون وأخيرا وجد شباب هذه الأيام من يدافع عنهم حيث كان للحاج ابراهيم أبو المكارم 62 سنة رأيا آخر حين قال: قديما قالوا «كل وقت وله آذان » وصدقوا فحقا لكل زمان ظروفه ومشكلاته الخاصة به يعانيها فقط أبناء هذا الزمان لا من قبلهم ولا من بعدهم لذلك، فالحكم لايمكن أن يكون عاما على الجميع فنحن لا ننكر أن حياتنا كانت سهلة أكثر بكثير عما يحدث هذه الأيام السريعة التي لا ترحم لدرجة أن الناس أصبحوا عبارة عن هواتف تسير على الأرض ومن ثم فكيف يمكن للانسان وسط هذه الامواج العالية من الحياة المادية أن يفكر ولو للحظات بسيطة في الحياة الروحية والصفاء النفسي وأعتقد أن المهمة صعبة لذلك، فهم معذورون ولهم الف عذر وعذر. العبادات أولا بينما لا يوافق «ابراهيم البكري 47 سنة» على مسألة الاعذار ويتهم شباب الآن بتهمة أخطر وأخطر بكثير عما سبق حيث قال: «مع كل الأسف شباب اليوم لا يفكرون في رمضان من الناحية الدينية أبدا فرمضان عندهم عبارة عن شهر جميل للسهر والخيم الرمضانية والمقاهي والشيشة التي لا يمكن أن يمر رمضان دونها ويكون الجدول اليومي نوماً بالنهار وسهراً مزاجياً بالليل وقل على العبادات الف سلام أما نحن فقد تربينا على أن رمضان هو شهر العبادات الحقيقية التي يجب أن نلتزم بها أكثر من اي وقت في السنة وكان احساسنا برمضان روحياً بالدرجة الأولى، الأساس فيه ديننا ليس الا وكنا نغتنم هذه الفرصة للحصول على أكبر ثواب ممكن وكان أكثر مكان يجمعنا هو المسجد أما الآن فالمقهى هي التي تقوم بهذا الدور ولا حول ولا قوة الا بالله». وللشباب كلمة كان هذا هو رأي شباب زمان في السلوك الرمضاني لشباب الآن والذي يعتبر في مجمله اتهاماً بأنهم لا يتعاملون مع رمضان بالشكل اللائق مما أدى الى ضياع روحانياته وبهجته وبركة أيامه ولكن كان لشباب الآن كلمة. الفواتير تتحدث اليكم!! ثائرا على هذا الهجوم تحدث الينا كامل القاضي 32 سنة حيث قال: ليقل شباب زمان ما يشاؤن فنحن على يقين أنهم لو عاشوا ظروفنا لما كانوا في موقف الهجوم ولكنهم كانوا سيحاولون العثور على تبرير لأفعالهم هم أيضا كما قلت لكل زمان ظروفه المادية والاجتماعية الخاصة به التي ترسم خريطة الحياة لهذا الزمان أما اتهامنا فهو باطل لايمكن اعتباره اتهاماً لأن الحكم صادر دون مراعاة أي ظروف وأسألوا الفواتير التي لو تحدثت لقالت لكم أتركوا الشباب في حالهم لقد أصبح همهم الوحيد تسديد ما عليهم من احتياجات تصل أحيانا الى ديون كثيرة ويصبح الهدف الوحيد هو التغلب على «غول» الحاجة المادية هل من المعقول بعد كل هذا أن تطلب مني أن أعيش رمضان مثل أهل زمان ؟! خائفة من شئ ما وتقول «نعمة عثمان 29» سنة: بمجرد أن يبدأ التفكير في شهر رمضان يدخل الشاب في صراع دائم بين المتاح وبين المطلوب قد لا يجعله يفكر في أي شئ آخر سوى حل هذه المعادلة الصعبة فنحن ننتظر رمضان ونفرح بقدومه ونحس به مثل أهل زمان تماما ولكن بجانب شعور واحد جديد عنهم وهو الخوف وهو كافي تماما لأن يفسد كل المشاعر الجميلة الأخرى وتسأل الخوف من ماذا وأقول لك الخوف من الفواتير وطلبات الأولاد والعزائم والولائم والتجهيز للعيد ومن ومن، يكفي أن اقول لك أن في بعض الاسر يصل الموضوع الى حد الاقتراض لرد دعوة افطار وهي النقطة التي أخشاها جدا كل عام وهي رد «العزائم» لأن لكل منا ظروفه المادية الخاصة به وبالتالى أحيانا لا يمكنني أن أدعو لافطار مشابه لما دعيت له وأنا شخصيا أتغلب على ذلك بأن أدعو الجميع أولا وربنا يستر نعم قصرنا ولكن!! يبدو ولمن يقرأ هذه السطور أنه قد شهد شاهد من أهلها ولكن لنقرأ ما قالته بمنتهى العقلانية سهير محمود 28 سنة حيث قالت: نعم العقل والضمير يجبرنا أن نعترف أننا كشباب قصرنا في حق شهر رمضان وأهملنا كثيرا من جوانبه التي كانت تميزه عن كل شهور السنة وأكرر أن التقصير لم يكن أبدا بنسبة قليلة ولم يكن في أمور سطحية ولكن كانت نسبته كبيرة وقد تتطرق الى أساسيات احترام وتقدير هذا الشهر الفضيل واعتقد أن من ينكر ذلك انما يضحك على نفسه ويكذب على الآخرين ولكن هذا التقصير لم يكن كله بأيدينا انما تدخلت فيه عوامل كثيرة سواء مادية وهي الحالة التي يعيشها العالم أجمع والتي كانت الشرعية الأكبر المتأثرة بها هي الشباب أو عوامل اجتماعية وتتلخص في أن الشباب يسكنون دائما بعيدا عن الأهل بعد الزواج وتكون فرحة الاختلاط بينهم وبين الجميع أقل بكثير وبالتالى تختفي بعض العادات والتقاليد التي كان يحرص عليها أهل زمان خاصة وأن الجميع الآن يخشى الاختلاط بالغير لأن عنصر الأمان قل بكثير عن الماضي فيفضل المعظم أن يغلق عليه بابه وتستطرد: «ومع هذا فالعلاقة الدينية بين الشباب ورمضان يجب أن تكون أقوى مما هي عليه ولا أجد أي عذر للشباب في هذه النقطة تماما مثل صلة الرحم فمهما كانت المسئوليات والمشاغل أعتقد أنه يجب أن يتواجد الوقت اللازم لمثل هذه الامور حتى لو كان على حساب التعب الجسدي يوم الأجازة أنني أتوجه للجميع برسالة رمضان يأتي في العام مرة واحدة أرجو أن نستغلها جيدا». الحل السحري وسط كل هذه «اللخبطة» وتضارب الأقوال أعترف انني وجدت في كلام الحاج علي السيسي ما يمكن أن نسميه الحل السحري حيث قال: المسألة ليست أبدا الآن أو زمان فرمضان هو رمضان بكرمه وبركته التي تهل على الجميع ولكن هي مسألة صعوبات تقابل جيلاً ولا تقابل غيره أو ربما تبدو أكثر وضوحا في زمن عنه في زمن آخر ومشاكل هذا الجيل معروفه للجميع وهي المشاكل المادية وأرى أن الخروج الوحيد منها لن يأتي الا بتطبيق مبادئ ديننا الحنيف، فرمضان ليس شهر الافراط والتبذير والتفاخر بالولائم والعزائم والموائد التي تحمل ما لذ وطاب انما العكس تماما هو الصحيح بل والأدهى أننا هكذا نضيع بأيدينا حكمة الصوم وتعاليمه وبالتالى ثوابه المنتظر الذي أن ذهب لا يمكن أن يعود أبدا وتلك هي الكارثة وعندي مثل يدلل على كلامي أخذته مما حكيت لي من كلام احدى السيدات «يقصد الرأي قبل السابق» فقد وضعت نفسها وزوجها وكل تفكيرها بين شقي الرحي لا هي قادرة على التعامل مع الآخرين بالمثل ولا هي تعاملت مع حكمة رمضان المطلوبة وبالتالى صرفت كل انتباهها الى أمور فرعية شغلتها بالنهار وأرقتها بالليل دون النظر الى الحكمة الأساسية من الصيام والافطار. ويستطرد: أنني أقول لشباب اليوم أنكم تبحثون دون شعور عن المشاكل ودون قصد تقفزون الى قلب تلك المشاكل ورمضان شهر يبعد بالانسان عن المشاكل وليس العكس وهو لا يحتاج لكل ما تجهزون قبل واثناء مروره بل هو برئ من كل الطرق التي نتعامل بها معه وله حكمة عظيمة معروفة ومحدودة من علمها وعمل بها كسب كثيرا واستطاع أن يحصل على راحة البال في الدنيا وحسن الثواب في الآخرة». القاهرة ـ أحمد عبدالمنعم: