الاثنين 13 رمضان 1423 هـ الموافق 18 نوفمبر 2002 قال الله جل ثناؤه: «إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون»، يونس 24. هذا مثل ضربه الله لعباده شبه به حال الدنيا في إقبالها وبهجتها، ثم إدبارها وتوليها بنبات الأرض في حسنه وبهائه، ثم هلاكه وبواره. فاجتمع المشبه والمشبه به في الزينة والبهجة، ثم الهلاك بعده. وفي ذلك العبرة لمن اعتبر، والموعظة لمن تفكر في أن كل فان حقير، وإن طالت مدته، وصغير، وان كبر قدره!! فهذه الحياة الدنيا التي تغري الناس بألوانها وزخارفها، وتفتنهم بجمالها وبهجتها قد صورها هذا المثل بصورة محسوسة تمثلت في صورة ماء نزل من المساء فاختلط به نبات الأرض، فأخرج حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلباً وفاكهة وأباً، حتى إذا لبست الأرض من ذلك كله حلة زاهية مختلفة الأصباغ والألوان، وظن أهلها أنهم أصبحوا متمكنين منها، أتاها أمر الله فجأة، فجعلها حصيداً، كأن لم تكن موجودة بالأمس. وهكذا ينتهي شريط الحياة كلها بهذه الصورة المتحركة المأخوذة من مشاهدات البشرية المألوفة، ليلقي في النفس ظل الغناء والزوال. وفي قوله تعالى: «وظن أهلها أنهم قادرون عليها»، إشارة إلى تمكن أصحابها من جني ثمارها، وتناول قطوفها، إذ أصبحت ناضجة الثمار، دانية القطوف، آمنة من تعرضها للآفات التي تفسد الزهر، وتغتال الثمر، فإذا اجتاحتها آفة، وهي على تلك الحال من الجمال والنضارة، كان ذلك أوجع وأفجع لأهلها، كما يقول الشاعر: إن الفجيعة في الرياض نواضراً لأجل منها في الرياض ذوابلاً وفي قوله تعالى: «فاختلط به نبات الأرض» إعجاز من إعجاز القرآن، وسر بديع من أسراره، فالنظم القرآني لهذه العبارة الموجزة جعل اختلاط نبات الأرض بماء السماء، ولم يجعل اختلاط الماء بالنبات.. لم يقل: «فاختلط بنبات الأرض» على ما يقتضيه مفهوم النظر الإنساني لهذه الظاهرة. فالماء هو الذي يختلط بنبات الأرض، ويسري في كيانه، فيبعث فيه الحياة، ويخرجه من عالم الموات.. هكذا نرى نحن البشر، وهكذا نقدر.. ولكن عين المقدر ترى ما لا نرى، وتعلم ما لا نعلم. وقبل أن نكشف عن سر هذا النظم المعجز لابد أن نعلم أن المراد بالنبات ـ هنا ـ البذرة أو الحبة، لا النبات حين يكون نباتاً، فإنه في تلك الحال لا يكون مجرد نبات، بل هو الماء والنبات معاً، وأن لقاءً قد كان بين الماء، وبذرة النبات حتى أصبح نباتاً، وإلا فهو بذرة أو حبة، وليس نباتاً.. وهذه البذرة أو الحبة ليست شيئاً ميتاً ـ كما يبدو لنا ـ وإنما هي كائن حي، يحتفظ في كيانه بكل عناصر الحياة التي تنتظر من يثيرها، ويدفع بها إلى الظهور.. وذلك لا يكون إلا بأمرين: الأول: غرس الحبة في الأرض. والثاني: وصول الماء إليها، وتحول تراب الأرض إلى طين بهذا الماء.. هنا تبدأ الحياة الكامنة في الحبة، تتحرك، وتأخذ إلى الماء المختلط بالتراب طريقها، فتجذبه إليها، فالحبة ـ إذاً ـ هي الطالبة للحياة، والمهيأة لها، والمتشوقة إليها.. وما الماء والتراب والطين إلا عناصر مساعدة. ومن هنا جاء النظم القرآني مسنداً الاختلاط بالماء إلى الحبة، ولو جاء على عكس ذلك، لكان خطأ علمياً يناقض ما كشف عنه علم الأحياء اليوم. فتبارك الله الذي أودع كلامه هذه الأسرار الدقيقة المعجزة!! محمد إسماعيل عتوك