الاثنين 13 رمضان 1423 هـ الموافق 18 نوفمبر 2002 حاول بكل الطرق الهروب من أن يصبح داعية فالتحق بكلية الشريعة والقانون ليعمل وكيلا للنيابة أو قاضيا لكن الأزهر أصر على تعيينه واعظا وبعد محاولات مستميتة من جانبه عمل فى الشئون القانونية بإدارة رعاية الشباب بالأزهر وفى احدى السنوات ابتعثه الأزهر إلى هولندا خلال شهر رمضان فأدرك مدى حاجة المسلمين فى تلك البلاد إلى دعاة يشرحون لهم تعاليم الإسلام ويبصرونهم بشئون دينهم فقرر العودة إلى ممارسة الدعوة مرة آخرى بعد توقف دام لسنوات طويلة. انه الشيخ فرحات السعيد المنجي المشرف العام على مدن البعوث الإسلامية بالأزهر الذى نلتقيه فى هذا الحوار ليحكى لنا ذكرياته مع الدعوة وأهم المواقف التى مر بها فى حياته وخلال شهر رمضان. وكيل نيابة ـ هل كنت تفكر فى العمل بالدعوة وأنت شاب أم كانت لك طموحات آخرى ؟ ـ حينما التحقت بكلية الشريعة والقانون وكنا الدفعة الأولى التى تدرس مواد القانون فى هذه الكلية فرحنا وتوقعنا ان نعين كوكلاء نيابة ومعاونين ورؤساء نيابات وبالتالى سيكون لنا شأن لكننى فوجئت بعد تخرجى ان الأزهر قرر تعيين العشرين طالبا الذين حصلوا على أعلى تقديرات وعاظا فذهبت إلى الوعظ وأنا متثاقل الخطا ولا أريد ان أكون واعظا أو داعية رغم الإغراءات الكثيرة ورغم ان الوالد كان يفضل لى العمل فى مجال الدعوة لكننى كنت أحلم بالعمل بالنيابة وقدمت طلبات للعمل بالنيابة لأننى كنت متفوقا بعض الشئ وحاولت بكل ما فى وسعى ترك الدعوة وبالفعل تحققت لى هذه الرغبة وعملت فى الشئون القانونية برعاية الشباب بالأزهر وظللت على ذلك لكننى سافرت إلى العديد من الدول العربية للعمل بالتدريس ورجعت لنفس العمل فى رعاية الشباب لكننى أردت شيئا وأراد الله شيئا آخر فرغم اننى تهربت من الدعوة لكننى وجدت نفسى مرشحا للسفر إلى هولندا كداعية خلال شهر رمضان وهناك وجدت ان الناس يحتاجون إلى شرح كلمة التوحيد وتوصيل هذا المفهوم إلى الناس بطريقة بسيطة مقنعة ويحتاجون إلى الفقه وكل شئ عن الإسلام فقلت فى نفسى حرام علينا ان نجلس بجوار بعضنا فى مصر لدرجة انه قد يتواجد فى الحجرة الواحدة عشرون عالما ونترك هؤلاء الذين يحتاجون داعية ليشرح لهم ما هو الإسلام ومن هنا تنبهت لهذا الأمر جيدا وبدأت من هذا الوقت أرتدى الزى الأزهرى وبدأت فى العمل فى مجال الدعوة منذ هذا الوقت وعاد إليّ صوابى وسافرت إلى دول كثيرة لممارسة الدعوة والحمد لله أصبحت معروفا الآن وتطلبنى بعض المراكز الإسلامية فى الخارج. ـ معنى ذلك انك لم تكن ترتدى الزى الأزهرى ؟ - كنت أرتديه وانا فى المرحلة الإعدادية والثانوية لكن أثناء العمل لم أكن ارتديه حتى بدأت فى ممارسة الدعوة وعدت اليه مرة آخرى. مواقف طريفة! ـ ما أهم موقف مر بك فى حياتك الدعوية ولا تنساه ؟ ـ اذكر موقفا طريفا حدث لى فى هولندا وعلى وجه التحديد فى مدينة امستردام ـ وكنا فى أول ليلة من رمضان ـ عندما كنت فى المطار وجدت شخصا معه امرأة تكاد تكون عارية - وكنا ثلاثة من علماء الأزهر - ننتظر سيارة تقلنا إلى المكان الذى سنذهب إليه وأمسك الرجل بالمرأة وألقى بها بيننا وقد أصابنا هذا الموقف بالإضطراب وقلت فى نفسى لعل هناك من يريد تشويه صورة الإسلام من خلال التقاط بعض الصور وهذه المرأة بيننا ونشرها للقول ان علماء الأزهر يقفون مع إمرأة عارية فرفعت يدى إلى السماء وقلت «ربنا اكشف عنا العذاب انا مؤمنون» ورغم ان هذا الرجل لا يفهم كلامى فهو لا يعرف العربية لكنه ولى هاربا والذعر يبدو فى وجهه ويملك عليه نفسه وأخذ المرأة معه. ـ وماذا كان تفسيرك لهذا الموقف ؟ - لقد فكرت وقتئذ وقلت ان هذا الرجل الذى لا يعرف ربا اعتقد ان رجل الدين حينما يطلب شيئا من ربه فسوف يلبى له مطلبه واعتقد ان هذا الرجل تصور اننى دعوت عليه بشئ يوقعه فى شر أعماله وعندئذ قلت سبحان الله حتى الذى لا يؤمن بدين الله يأتى فى وقت الشدة ويعلم ان هناك إلها عظيما يمكن أن يفعل به أى شئ فى أى وقت. ـ هل هناك مواقف آخرى تعرضت لها فى هولندا ؟ نعم من ذلك أن رجلا أمسك بيدى وقال لى أيها الشيخ انكم تعتقدون ان دينكم ليس بعده دين وتجعلون أتباع دينكم يفوقون أتباع الديانات الآخرى فقلت له كيف ذلك ؟ قال انك اذا اردت أن تتزوج امرأة من أى دين فأنت تحلها لنفسك أما أنا إذا أردت أن أتزوج امرأة مسلمة ولست مسلما فإنكم لا توافقون على ذلك أليست هذه تفرقة تخالف النواميس الطبيعية وضد حقوق الإنسان لأننى قد تكون لى رغبة فى الزواج من امرأة وهى كذلك لها نفس الرغبة لكنكم تمنعون مثل هذا الزواج فقلت : ياأخى الإسلام لا يمنع فهو دين سمح ميسور ولكن أنت تريد ان تتزوج مسلمة وهى تؤمن بنبيك فآمن أنت بنبيها كما آمنت بنبيك وتزوجها بعد أن تصبح مثلها حتى لا يكون لها فضل عليك وبذلك تصبح حلالا عليك فقال : والله ان دينكم هذا معقول وكنت أفهم غير ذلك. ـ ما الذى تنصح به الدعاة من خلال هذا الموقف ؟ - هذه من الأمور التى تواجه الداعية خاصة فى البلاد غير الإسلامية فالذى يأتي ويستفسر من الداعية فى تلك البلاد لا يؤمن بالقرآن الكريم ولا بالسنة النبوية ولذلك فالداعية مطالب بأن يقنعه بالعقل أولا ثم يوضح له ما يقوله القرآن والسنة النبوية فى القضية التى يسأل عنها ثم يقول له هل كذب الله أو كذب الرسول سيقول لا لأن الكلام يتفق مع المنطق لكنه فى البداية لم يكن يقبل مثل هذا الكلام لذلك يجب على الداعية أن يكون ملما بكل شئ فى عصره ومجتمعه وأن يخاطب الناس على قدر عقولهم فهكذا أمرنا النبى - صلى الله عليه وسلم. الدعوة موهبة ـ لماذا كان لديك نوع من الإصرار على الإبتعاد عن مجال الدعوة ؟ - لأننى كنت أرى وانا فى سن الشباب اننى طالما درست القانون وبرعت فيه فلابد ان أعين كوكيل نيابة وكانت الحكومة فى ذلك الوقت تعين الذين يتخرجون من كليات الحقوق ودارسى القانون فى مجال النيابة والقضاء وكنت أريد ذلك لكننى فيما بعد عدت للدعوة صاغرا. ـهناك خريجون من الكليات الشرعية ينفرون من العمل فى مجال الدعوة فما أسباب ذلك من وجهة نظركم ؟ - الدعوة موهبة فالذى يلتحق بكلية الدعوة وغيرها من الكليات الشرعية عليه أن يؤهل نفسه منذ البداية لدخول الأزهر ويمارس الدعوة أثناء الدراسة فيخطب الجمعة ويلقي الدروس فى المساجد ويكتب كتابات ويعد خطب ومحاضرات فيكون سائرا فى سلك الدعوة منذ البداية أما بالنسبة لي فلم أكن أسير فى هذا المسار وعندما التحقت بكلية الشريعة والقانون فى أول سنة يتم ادخال القانون إليها وتم معادلتها بكليات الحقوق وتم قيدنا فى نقابة المحامين عقب تخرجنا فكان من الطبيعى ان أسير فى سلك النيابة وعندما تركت الوعظ وعملت فى رعاية الشباب تخصصت فى التحقيقات والشئون القانونية. السفر للخارج ـكيف حدث التحول مرة أخرى من الشئون القانونية والسير فى مجال الدعوة والإقتناع بذلك والإستمرار عليه ؟ - عندما سافرت للعمل فى الخارج كنت أدرس المواد الشرعية وراجعت فى هذه الفترة التى استمرت مدة ست سنوات كل ما درسته فى الأزهر وعقب عودتى درست فى المعاهد الأزهرية لمدة سنة آخرى فهذا جعل من السهل علي العودة إلى ممارسة الدعوة وقد فرح والدي بذلك وقال المثل العامي المصرى : « كل باب يرسى على عقبه» ورجعت للدعوة وأبذل فيها كل ما أستطيع من جهد بقدر ما يمنحنى الله من قوة وعلم. ـكيف نقنع الطالب الذى يلتحق بالكليات الشرعية بضرورة اعداد نفسه وتهيئتها للسير فى مجال الدعوة وعدم الهروب منها ؟ - هذا لا يحتاج اقناعاً لأن الدعوة موهبة من الله سبحانه وتعالى يعطيها لمن يشاء ويوجهه إليها لأن الدعوة تحتاج محبة من الإنسان واقبال عليها. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد :