الاثنين 13 رمضان 1423 هـ الموافق 18 نوفمبر 2002 اذا انتقلنا من العمليات العشر التي اخترناها كأمثلة على طبيعة العمليات المندرجة في الزخرفة المعمارية الاسلامية، فإننا سنجد انفسنا أمام مهمة نعتقد انها على قدر مماثل من الاهمية، وهي القاء نظرة على عشر مواد، نختارها كأمثلة على المواد الاكثر أهمية المستخدمة في الزخرفة المعمارية الاسلامية. هذه المواد العشر التي اخترناها هي على التوالي، كما يلي: الرخام، الجص، الخشب، المعادن، الآجر، الفسيفساء، القاشاني، الخزف، الماء والنور. ولست اشك في ان هذه الخيارات قد يثير بعضها دهشة القاريء، كما في حالتي النور والماء، كما اعتقد انه قد يميل الى حذف بعض المواد واضافة اخرى، لكنني ـ كما اشرت ـ انما اخترت هذه المواد على سبيل المثال لا الحصر، وبوسع القاريء ان يعتمد المنهاج نفسه في التعامل مع المواد التي قد يروق له اختيارها، او التي قد يهتم بها بصفة خاصة. الرخام حجر صلب يتكون من كربونات الكالسيوم المتبلورة الموجودة في الطبيعة او من بلورات معدن الكلسيت او الدولوميت التي تنشأ من عمليات التحول الطبيعية الشديدة، ويكون أحيانا في بياض الثلج، وغالبا ما يختلف لونه تبعا لاختلاف ما يتخلله من الشوائب التي تضيف اليه كثيرا من الجمال عند صقل سطحه. وقد استخدم الرخام في العمارة الصرحية منذ وقت بعيد، فنراه ماثلا في روائع الصروح الرومانية والبيزنطية والقرطاجنية، حيث برز استخدامه في التماثيل والأعمدة والبلاط وغير ذلك. وواكب هذا الاستخدام العمارة الاسلامية منذ انطلاقتها المبكرة، حيث نرى الرخام يضطلع بدور مهم في الجامع الاموي الكبير بدمشق وفي قصير عمره والعديد من المباني الشهيرة الأخرى. وغالبا ما يقتلع الرخام من محاجره في شكل مكعبات ضخمة، ولدى نقله الى الورشات المختصة كان يعالج ـ ولا يزال حتى اليوم في بعض ارجاء دار الاسلام ـ يدويا ومن خلال آلات وأدوات عتيقة، فإما ان يقطع الى ألواح، كما في حالة تغشية الوزرات او ينحت مباشرة كما في حالة تيجان الاعمدة والفسقيات. ومن أبرز الأعمال التي لا يزال يتم ابداعها في العمارة الاسلامية حتى اليوم ما يلي: ـ الأعمدة وتيجانها: وعلى الرغم من وجود نماذج تقليدية متوارثة في اطار المخزون الابداعي، الا ان خيال الفنان يحلق دائما الى ابداع الجديد. ـ الأرضيات: وغالبا ما يستخدم الرخام في صحون المساجد لفرش الارضيات وأفنية الدور ومسالك الرياض وغير ذلك كثير سواء باستخدام مادة واحدة او انواع مختلفة من الرخام تركب في تشكيلات زخرفية بديعة مستوحاة من المخزون التراثي او بالتداخل مع مواد اخرى كالزليج او القاشاني، وليس المقصود بذلك تحقيق غرض زخرفي فحسب، وانما تجنب وصلات الزليج والقاشاني بلاطات الرخام اضرار التمدد في ضوء الاختلاف الكبير لدرجات الحرارة حسب الفصول في معظم أرجاء دار الاسلام. ـ الفسقيات: وغالبا ما تكون نافوراتها منحوتة في قطعة واحدة من الرخام. ـ تكسية الجدران او تغشيتها: وأبرز الامثلة الوزرات التي تغطى اسفل الجدران، وتصل في المساجد الى مستوى عقد المحراب. ـ شواهد القبور: وتعد من الاعمال التي يشيع فيها استخدام الرخام. ـ أعمال اخرى مختلفة: ولعل ابرزها الدرابزين والأطر والسواكف والدعامات وغير ذلك كثير. وتشير المصادر الى استخدام الألواح الرخامية الملونة كوزرات تكسية اسافل القصور الطولونية والفاطمية التي لم يبق الزمن لنا منها شيئا، بينما تتعدد امثلة هذا الاستخدام في العصر المملوكي، واستخدمت الزخارف المنزلة بالمعجون الملون في الألواح الرخامية المغشية لوزرات الجدران او في بعض اجزاء المسطحات الجصية المغطية لها من خلال حفر الزخارف النباتية والهندسية على السطح الرخامي او الجصي ثم القيام بملئها بالمعجون، كما نرى في قبة برقوق بخانقاه ابنه الناصر بالقرافة، وفي مسجد قجماس الاسحاقي بالدرب الاحمر. والى جوار التكسية بالوزرات الرخامية، استخدمت الفصوص الرخامية الدقيقة الملونة بأشكال هندسية في تكسية الارضيات كما في بيمارستان قلاوون ومدرسة وخانقاه الظاهر برقوق بالنحاسين وخانقاه ابنه الناصر فرج بقرافة المماليك. وعلى الرغم من عيوب الرخام وأبرزها هشاشته النسبية وفقد نسبة ليست بالقليلة منه في صورة خردة خلال توظيفه في الأعمال الدقيقة، وتمدده بفعل اختلاف درجات الحرارة، فإنه بالمقابل يتسم كمادة انشائية وزخرفية بالفخامة والجمال والتنوع الكبير في ألوانه وبالنعومة المصقولة في ملمسه. وقد عرفت صناعة الترخيم في مصر منذ أقدم العصور، وتركت بصمتها في ارضيات العديد من الكنائس القبطية، غير ان المبدعين المسلمين حلقوا بها الى ذرى رفيعة، كما يبدو في الاعمدة الرابطة في اسوار القاهرة الفاطمية وفي دكك المبلغين في مساجد الماس الحاجب والسلطان حسن والمارداني وغيرها. ويعرف الرخام في مصر اما بالنسبة الى ألوانه او مواطن استجلابه او اساليب توظيفه، فهناك الرخام الازرق الزنجي، وهو داكن الزرقة يميل الى السواد، والرخام البلدي او الصعيدي او العربي وأصله من مصر ذاتها والبلورى وهو حجم ابيض شفاف يمتاز باللمعان والشفافية مثل البلور، والحلبي او الشامي نسبة الى منشئة، واشتهر غالبا بلون اصفر وفي بعض الحالات بلون احمر فاتح، وهناك الخليلي نسبة الى مدينة الخليل بفلسطين ولونه احمر، والزرزوري الذي يشبه في لونه ريش الزرزور الرمادي، والسماقي وهو احمر قان ومنه اعمدة القلعة السماقية التي نقلها العثمانيون من مصر بعد دخولهم اياها، حيث نزعوها ونقلوها الى المراكب التي ابحرت بها في النيل ومن ثم في مياه المتوسط الى عاصمة ملكهم، وهناك السويسي وهو يقلع من ادفو بصعيد مصر وسمي كذلك اما نسبة للشبه بين لونه وشجر السوس الاسود واما لقلعه من محاجر قرب السويس، والغرابي نظرا لسواد لونه، وكذلك القطقاطي والياسمين والمجزع ورخام مارسين. وفي المغرب، نتوقف عند توظيف الرخام في ضريح محمد الخامس حيث كسي الفناء برخام ذي لونين، ويبرز حوض مستطيل كبير تزينه في كل من طرفيه فسقية رشيقة ينساب منها الماء في حوض متعدد الزوايا، وثمة نافورة مؤلفة من عدة فسقيات تبرز جمالها سلسلة العقود الرشيقة التي تحيط بها في الفناء. اما اشهر توظيف للرخام في العمارة الاسلامية على الاطلاق فنجده بالطبع، في مجموعة تاج محل الجنائزية، وعلى الرغم من الاعتقاد السائد لدى البعض بأن المجموعة مشيدة بكاملها من الرخام الا اننا امام مبان من الآجر مغشاه بالرخام المقطع من محاجر مكرمة، وكان من شأن تغشية قاعة الضريح بالكامل بالرخام الابيض الناصع كالثلج ان يضفي طابعا استثنائيا على مبنى القاعة حتى بالمقارنة بباقي مكونات المجموعة الجنائزية. الجص بحر الزخرفة سبق لنا القول، في غمار تعريفنا بعملية التجصيص، ان الجص هو خام من كبريتات الكالسيوم المهدرنة وضرب من الحجارة تطحن وتحرق لتستخدم في البناء والزخرفة، وتضاف اليه مكونات اخرى لتحسين خواصه، منها الصمغ والكلس ومساحيق الرخام الخردة وقشر البيض. وهناك خمسة أسباب رئيسية على الاقل تقف وراء الانتشار الكبير للجص كمادة للزخرفة في العالم الاسلامي من الهند حتى اسبانيا، وهذه الاسباب هي ما يلي: 1) رخص ثمن المواد الداخلة في تكوين الجص حتى في حالة الأنواع الفاخرة منه كالجبس الزجاجي. 2) توافر مواد الجص بكميات كبيرة في العديد من مناطق دار الاسلام. 3) عدم تطلبه درجة حرارة عالية ليتحول من مادة خام الى جص، وهو اعتبار مهم في البلاد التي يتسم فيها الخشب بالندرة. 4) سهولة تشكيل الجص وصبه والتعامل معه بجميع الاشكال وفي مقدمتها الحفز. 5) سهولة استخدام الجص بالنسبة لكل العناصر المعمارية، وفي مقدمتها الجدران، الاعمدة، العقود... الخ الامر الذي يجعله المادة المفضلة في تغطية اسطح المباني الاسلامية التي تكون غالبا خشنة التكوين، وعن طريق الجص تتحول الى كيانات معمارية مكسوة بحلي زخرفية بديعة. وكما سبقت الاشارة فهناك نماذج مبكرة في العمارة الاسلامية لاستخدام الجص في الزخرفة، أبرزها قصر الحير الغربي وسامراء وجامع القرويين ثم درة تاج الزخرفة الاسلامية المتمثلة في قصر الحمراء بغرناطة. ويهمني ان اشير الى نماذج بديعة لتوظيف الجص تقع خارج الاطار الذي درجنا على الاحالة اليه، فهناك المسجد المغربي الكبير في داكار، حيث المحراب على مستوى مثمن ذي سقف مسطح، وفتحة العقد تأخذ شكلا حدويا، وتتكاشف منها أعمال الجص التي تختبيء في الظل فوق زخارف الزليج. وتتكشف في الضوء الساطع فخامة نقش زخارف الشمسيات التي تبرزها الكتابات الكوفية وتعلوها المقرنصات. ويزين جميع الشمسيات زخرف واحد من غدائر الكتابة الكوفية، ولكن الشمسيات تتبادل من حيث الارضية التي يقوم عليها الزخرف، الذي يبرز في شمسية على خلفية من المقرنصات ويغوص في الشمسية التي تليها في زخارف توريق فخامة. اذا انتقلنا الى المسجد المغربي في نواكشوط، فإننا سنجد محرابا على المستوى الرفيع نفسه من فخامة الزخرفة الجصية. وتبرز فتحة هذا المحراب على شكل عقد منكسر ذي اربعة مراكز، وقد توجت بسلسلة من الشمسيات المنقوشة بزخارف مختلفة موروثة عن التقاليد العتيقة للعقود ذات اللبنات المتبادلة. ومن النماذج الباهرة في توظيف الجص بالمغرب ما نجده في المدارس التي شيدها المرينيون في مراكش ومكناس، حيث تتألق اللوحات الجصية كما لو كانت زرابيات بديعة معلقة على الجدران. وتبرز المدرسة البوعنانية في مكناس، التي سبق ان اشرنا اليها مرات عديدة، والتي تعود الى منتصف القرن الرابع عشر الميلادي حيث لا يستخدم الجص فحسب في ابداع ستائر جدارية من الزخارف البديعة وانما نراه ماثلا في باطن العقود في عناق مدهش مع المقرنصات. الخشب والمعادن الحقيقة الاساسية التي ترد الى الذهن لدى الحديث عن الخشب في سياق الزخرفة المعمارية الاسلامية هي ان معظم ارجاء دار الاسلام كانت ولا تزال فقيرة في انتاج الاخشاب بصفة عامة والأنواع الجيدة منها بصفة خاصة، حيث لم يكن هناك مجال لنمو اشجار تعطي هذه الانواع من الاخشاب باستثناء قمم الجبال في لبنان والمغرب وأسبانيا وأمراش الشمال في سوريا وآسيا الصغرى وغابات ايران القريبة من بحر قزوين وأدغال الشواطيء الافريقية ومناطق متفرقة في المحيط الهندي. هذه الحقيقة كانت نقطة ضعف وقوة في آن، حيث اجبرت المبدعين المسلمين على تحقيق الاستخدام الامثل لما يصل الى ايديهم من انواع الخشب الجيدة وعدم التبذير فيه او الاسراف في استخدامه في غير وجهه الصحيح، ومن هنا عمدوا الى ابتكار الحشوات المجمعة وقطع الخرط، وقد حققوا بالفعل تحفا وروائع نادرة ذات تكامل غير مسبوق. واذا أردنا مجرد الاشارة الى استخدام الخشب في هذا السياق لوجدنا الاغراض التالية التي يستخدم فيها الخشب: ـ السواكف: كما نعلم فإن الساكف هو قطعة افقية من الخشب او الحجر او المعدن تقفل الجزء الاعلى من أي فتحة وبذلك تسند البناء اعلى هذه الفتحة، ويوعي الساكف بحكم فكرته ذاتها بضرورة زخرفيته، وفي مرحلة من مراحل تطور العمارة الاسلامية كان الساكف يتخذ دائما من الخشب المنحوت او المزخرف، وبعد ذلك شاع استعمال الروافد المعدنية، وكانت تكسى دائما بالخشب بالطريقة نفسها. ـ الأبواب: وفي الابنية البارزة كالمساجد والخانقاوات والأضرحة كافة الأبواب دائما تحفا حقيقية يجرى الاهتمام بنحتها وزخرفتها وتصفيحها وتكفيتها، بما يجعل كل باب منها آية من آيات الزخرفة والابداع. ـ النوافذ: كان سمك الجدار في العمارة الاسلامية كبيرا، وقد روعي ان تكون الجدران الجانبية للفتحة مفلطحة بحيث يكون اتساع النافذة من الخارج اقل من اتساعها من الداخل. وكقاعدة عامة يثبت الهيكل الخشبي للنوافذ على الواجهة الخارجية للحائط ويحيط به اطار غشيم او كاذب اي غير نافذ. ـ المشربيات: وقد سبق لنا ان قمنا باطلالة عاجلة عليها في المشرق والمغرب على السواء. ـ السقوف: ايا كان الشكل الذي تتخذه فإنه يحظى باهتمام بالغ وخاصة في حالة القباب. ـ الافنية المسقوفة: القاعدة في الصحون او الافنية انها مفتوحة على الدوام لانها سبيل لاحتياز قطعة محدودة من السماء بما فيها من تواصل روحاني وضياء ومجال للتأمل، غير انه قد يحدث احيانا ان يغلق الصحن او الفناء اما بسقف نهائي او بسقف قابل للفتح. ويكون هذا السقف معتما لوقاية صحن الدار من اشعة الشمس، بينما ينفذ الضوء من الجوانب من خلال الشمسيات الزجاجية.. ويتطلب هذا السقف تزيينه بسخاء كما في حالة القباب التقليدية. ولا حصر لروائع الاعمال الخشبية التي يمكن ان نوردها هنا على سبيل المثال، ولعل من اقدمها الباب المحفور المزخرف الذي امر بابداعه الحاكم بأمر الله عام 400 هجرية (1010) والمحفوظ حاليا في متحف الفن الاسلامي بالقاهرة وباب جامع السلطان حسن الذي نقله المؤيد الى جامعة، وباب زاوية السلطان بيبيرس المصفح بالنحاس والمزخرف بزخارف هندسية بديعة ومنبر ضريح قايتباي والواقع الى يمين المحراب والمطعم بالعاج في تراكيب بديعة تتكامل مع الخشب على نحو لافت للنظر. وفي المغرب لا يملك المرء إلا التوقف طويلا عند العديد من الوان الابداع بتوظيف الخشب في ضريح محمد الخامس في الرباط، حيث يلاحظ استخدام الخشب الفاتح للأعمدة والتيجان والادكن لباقي التكوين، وقد نحتت الاسطح بكاملها بزخارف تسطير وتوريق وزين العقد الكبير بالمقرنصات. وباب الضريح منحوت نحتا، استخدم نوعان مختلفان من الاخشاب في زخارف التسطير المتألقة فيه، كما تم تأطير الباب بكامله بإفريز من التوريق المنحوت في الخشب الداكن. ويتوقف المتأمل لهذا الباب عند التاجين اللذين يزينان قمة العمودين، والزخرف فيهما عبارة عن وريدة منحوتة ومشطوفة يحيط بها اكليل من الخشب الفاتح اللون. ويوضح الحلزونان المتماثلان المنحوتان اسفل التاج ان اصداء التاج الايوني لا تزال تتردد حتى اليوم في الفن الاسلامي. التشكيل بالنار سبق لنا الحديث عن التصفيح كأحد اشكال الزخرفة المعمارية الاسلامية، وأشرنا بصفة خاصة الى تصفيح الأبواب الخشبية بالرقائق النحاسية التي تزينها زخارف الاطباق النجمية المخرمة وتكفيتها بأسلاك النحاس الأحمر والفضة، وكيف علا نجم هذا اللون من الابداع الزخرفي خلال عصر المماليك في كل من مصر والشام، وضربنا العديد من الأمثلة في هذا الصدد. لكن ما نريد الحديث عنه هنا في اطار تناولنا للمعادن كمادة ـ أو مواد ـ للزخرفة المعمارية اوسع نطاقا، وهذا أمر واضح وجلى. حقا ان التصفيح يشكل جانبا مهما من توظيف المعادن في الزخرفة المعمارية الاسلامية، وقد رأينا ان هناك شكلا آخر لهذا التوظيف هو التوشيح او التشبيك. وقد رأينا ان درجة التخصص في المهن المختلفة ومن بينها الأعمال المعدنية في المجتمعات المختلفة تعتمد على مدى اتساع نطاق هذه المجتمعات، وبالتالي مدى تعقد متطلباتها. ويوضح دونالد ليوكوك في دراسة بعنوان «المواد والأساليب الفنية» في كتاب «عمارة العالم الاسلامي» من تحرير جورج ميتشل أن بحثاً حديثاً قد اشار إلى أنه قد وجدت 265 مهنة يدوية كحرف منفصلة في القاهرة في العصرين الفاطمي والأيوبي. وقد يمكننا تكوين فكرة عن مدى التخصص إذا علمنا أن التجارة كانت تتفرع إلى خمس مهن فرعية، يعمل في اطارها النشارون الذين يقومون باعداد الخشب الخام ليأخذ الابعاد والمقاييس المطلوبة، والنجارون الذين يقومون بمعظم مهام الاشتغال على الخشب في المباني، وصناع اقفال الابواب، والمشكلون الذين يقومون من بين امور اخرى بصنع المشربيات وخزانات الملابس وصناديق حفظ المال والمقتنيات الثمينة. ويبدو انه من المحتمل انه كانت هناك في اوقات مختلفة مهنتان اخريان في اطار الاشتغال على الخشب، يعمل في اطارهما النحات او المزخرف، والمرصع الذي يشتغل على المواد الثمينة كالعاج وعرق اللؤلؤ وترصيع الخشب بهما. وكل مهنة من هذه المهن لها هويتها القائمة بذاتها. وكان العاملون بها يتجمعون غالباً معاً في شارع واحد او منطقة واحدة. وكان من شأن هذا التخصص تقليل الحاجة إلى المعرفة الفنية إلى الحد الادنى، ولكنه اتاح في الوقت نفسه الفرصة للوصول إلى ذروة الكمال الفني في اطار كل تخصص. ومن الواضح ان الامر نفسه ينطبق على الاشتغال على المعادن في اطار الزخرفة المعمارية الاسلامية، ففي التجمعات الصغيرة كان المشتغلون بالحدادة يتصدون لمجمل المهام المطلوبة في حياة هذه التجمعات في التعامل مع المعادن. لكن الامر يختلف اشد الاختلاف اذا كنا نتحدث عن المدن الكبرى والعواصم، حيث اقتضى الامر اداء مهام اكثر تعقيدا لابد من تخصص داخلي في قطاعات منها للقائمين بها. نحن هنا لا نتحدث فقط عن الابواب وتصفيحها بالحديد او النحاس او بسبيكة غير قابلة للصدأ من النحاس والنيكل، وانما نتحدث ايضاً عن الوشائع او التشبيكات وعن المفاصل وعن الطراقات وعن مجمل الفنون المتفرعة عن صنعة النحاس، ومنها الأهلة التي غالبا ما تعلو المآذن وبعض القباب والجمور وهي سبايل دعامة السقف وتوجد على شكل كرات قد تصل إلى خمس كرات في بعض الاحيان، وهناك ايضاً الثريات التي بلغت ذرى رفيعة من الرقي والابداع وخاصة ما اعد منها ليحتل مكانه في سقف المساجد. واضافة إلى النماذج التي سبق لنا ايرادها من الابواب المصفحة والمزخرفة والمكفتة، تقفز إلى ذاكرة المرء على الفور في هذا الصدد ابواب مسجد قبة الصخرة التي يعود بعضها إلى العصر العباسي، وتلمع في الذاكرة صورة الطراقة المعدنية البديعة التي ترتاح على الباب المواجه للحائط الجنوبي. وفي المسجد المغربي الكبير الذي سبق ان اشرنا اليه نتوقف طويلا عند الثريات البديعة المدلاة من السقف، وكل منها عبارة عن شبه اسطوانة تنتهي بمخروط وتعلق بواسطة كرات متتابعة، وهي معدة على النمط المغربي التقليدي ونصف قطرها سبعون سنتيمترا. وفي جامع القرويين تلمح سارية القبة متجهة إلى عنان السماء في تيه وفخار، حاملة اربع كرات متدرجة في الحجم من النحاس الاصفر الذي يضاهي الذهب في تألق بريقه، ويعلو السارية الشعار الوطني، وهو نجمة داخل هلال. وفي الجامع نفسه نتوقف عند الباب المصفح بسبيكة من النحاس الاصفر والنيكل بحيث لا يعرف الصدأ سبيلاً اليه، وربما كان اول باب في المغرب استخدمت هذه السبيكة في تصفيحه، حيث كانت الابواب قبل ذلك تكسى بصفائح من الحديد. ويتميز هذا الباب بجمال نجومه سداسية الفروع وبالاشكال المسدسة المنتظمة التي تمتد في صفوف افقية متتالية وموصولة بقضبان صغيرة مثبتة بالمسامير. الآن ونحن نوشك ان نصل إلى انتصاف حديثنا عن الزخرفة المعمارية الاسلامية، لا يراودني شك في ان الطريق وعر والزاد قليل وان الامر بحاجة إلى كثير من المجاهدة. وإني لأدعو الله أن تكون مجاهدتنا معاً على هذا الدرب الصعب مدخلنا إلى مجاهدة بالمعنى الذي اراده اهل الحقيقة. أليس يعلمنا ابن عربي أن: «المجاهدة حمل النفس على المشاق البدنية ومخالفة الهوى على كل حال»؟ ألا يؤكد لنا التهانوي أن المجاهدة: «فطام النفس عن الشهوات ونزع القلب عن الاماني والشبهات»؟