الاثنين 13 رمضان 1423 هـ الموافق 18 نوفمبر 2002 1- سورة «الانعام» من السور المكيه التى ذكرت أنباء عدد من الانبياء بصفة عامة، وفصلت الحديث عن المحاورات التى دارت بين ابراهيم- عليه السلام- مع أبيه وقومه، كما ذكرت بعد ذلك مظاهر فضله- سبحانه- على هذا النبى الكريم، قال - تعالى [وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه، نرفع درجات من نشاء ان ربك حكيم عليم[الاية: 83]. قال الامام الفخر الرازى- رضى الله- عند تفسيره لهذه الاية: «أعلم أنه- تعالى- لما حكى عن ابراهيم- عليه السلام- أنه أظهر حجة الله فى التوحيد ، ،نصرها، وذب عنها، عد بعد ذلك وجوه نعمه واحسانه عليه. فأولها: قوله« وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه» والمقصود أنا نحن آتيناه تلك الحجة وهديناه اليها وأوقفنا عقله على حقيقتها. وثانيها: أنه- تعالى- خصه بالرفعه والاتصال الى الدرجات العاليه وهى قوله- سبحانه- «نرفع درجات من نشاء». وثالثها: أنه جعله عزيزا فى الدنيا، وذلك لانه - تعالى- جعل أشرف الناس وهم الانبياء والرسل من نسله وذريته وأبقى هذه الكرامة فى نسله الى يوم القيامة، لأن من أعظم أنواع السرور، علم المرء بأنه يكون من عقبة الانبياء». 2- والاشارة فى قوله - تعالى- ان وتلك حجتنا» الى جميع ما تكلم به ابراهيم فى مجادله قومه فى شأن وحدانية الله وبطلان الشرك. وأضاف - سبحانه- الحجة مع ذكر اللفظ الدال على العظمة، تنويها بشأنها، وتفخيما لامرها والمعنى: وتلك الحجة التى لا يمكن نقضها أو مغالبتها فى اثبات الحق وفى تزييف الباطل، أعطيناها لابراهيم، ليكون مستعليا بها على قومه، وقاطعا لالسنتهم عن المجادلة والمخاصمة، ومثبتا لهم وجوب اخلاص العبادة لله وحده. وقوله: «نرفع درجات من نشاء» أى:نرفع من شئنا من عبادنا درجات عاليه من العلم والحكمة والدرجات فى الأصل تطلق على مراقى السلم. والمراد بها هنا: المراتب المعنوية فى الخير على سبيل التمثيل، فقد شبهت حالة المفضل على غيره،بحال المرتقى فى سلم اذا ارتفع من درجة الى درجة. وقد دل قوله- سبحانه-: «من نشاء» على أن هذا التكريم لا يكون لكل أحد، لأنه لو كان هذا التكريم حاصلا لجميع الناس لم يحصل الرفع ولا التفضيل. وقوله- تعالى«ان ربك حكيم عليم» ختام مؤكد لمضمون ما قبله. أى: ان ربك الذى خلقك فسواك فعد لك، «حكيم» فى كل ما يفعل من رفع هذا وخفض ذاك «عليم» كل العلم بحال خلقه وسياسة عباده. 3- ثم أضاف - سبحانه- الى هذا التكريم والتشريف لنبيه ابراهيم - عليه السلام-تكريما وتشريفا آخر، فقال تعالى: [ووهبنا له اسحاق ويعقوب كلا هدينا، ونوحا هدينا من قبل، ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون، وكذلك نجزى المحسنين، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين . وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين» [الايات:84-86]. والمعنى: ووهبنا لابراهيم- عليه السلام-- فضلا منا وكرما وعوضا عن قومه لما اعتزلهم. وهبنا له «اسحاق» وهو ابنه من زوجته سارة»، ويعقوب وهو ابن اسحاق لتقرعينه ببقاء عقبه، اذ فى رؤية أبناء الابناء سرور للنفس وراحة للفؤاد. وقوله- تعالى-: «كلا هدينا» أى: كلا من اسحاق ويعقوب هديناه الهداية الكبرى بلحوقهما بدرجة أبيهما فى النبوة وقوله - سبحانه: «ونوحا هدينا من قبل» أى وهدينا نوحا من قبل ابراهيم الى مثل ما هدينا اليه ابراهيم وذريته من النبوة والحكمة. وهذا لون آخر من تشريف ابراهيم - عليه السلام- حيث انه من نسل نوح الذى وصفه الله بالهداية، ولاشك أن شرف الاباء يسرى الى الابناء. قال الامام ابن كثير: وكل منهما له خصوصية عظيمة، أما نوح فإن الله لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به وهم الذين صحبوه فى السفينة، جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذريته، وأما الخليل ابراهيم فلم يبعث الله بعده نبيا الا من ذريته..» 4- والضمير فى قوله - تعالى «ومن ذريته » يرى جمهور المفسرين أنه يعود على ابراهيم لان الكلام فى شأن النعم التى منحها الله اياه، وقد ذكر- سبحانه- بعد ذلك أربعة عشر نبيا وهم. داود: وهو ابن يسى من سبط يهوذا بن يعقوب، وكانت ولادته فى بيت لحم بفلسطين سنه 1085 تقريبا. سليمان: وهو ابن داود- عليهما السلام- وقد جمع الله- تعالى- لهما بين النبوة والملك. أيوب: وينتهى نسبه الى اسحاق بن ابراهيم- عليهما السلام. يوسف: وهو ابن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم، فهو الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم، لأنهم جميعا أنبياء. موسى: وهو ابن عمران، وينتهى نسبه الى يعقوب، وكانت ولادته فى القرن الرابع عشر قبل الميلاد تقريبا. هارون: وهو أخو موسى لامه، وقيل لأبيه وأمه، وكان نعم العون لأخيه موسى- عليهما السلام. زكريا: وكان قريب العهد بعيسى، حيث تولى كفاله أمه «مريم» قال- تعالى- وكفلها زكريا». يحيى: وهو ابن زكريا، وقد آتاه الله الحكم صبيا. عيسى: وهو ابن مريم. الياس: وينتهى نسبه الى هاروق، وقد أرسله الله الى بنى اسرائيل حين عبدوا الاصنام. اسماعيل: وهو الابن الاكبر لابراهيم، واليه ينتهى نسبه الرسول- صلى الله عليه وسلم. اليسع: وكانت وفاته سنه 840 ق.م تقريبا. يونس: وهو ابن متى أرسله الله- تعالى على أعل فينوى بالعراق فى حوالى القرن الثامن قبل الميلاد وفى هذه الايات ذكر الله ثمانية عشر نبيا، والانبياء الذين يجب الايمان بهم على التفصيل خمسة وعشرون نبيا، والسبعة الباقون نظمهم الشاعر فى قوله: حتم على كل ذى التكليف معرفة فى تلك حجتنا منهم ثمانية. ادريس، هود، شعيب، صالح، وكذا بأنبياء على التفصيل قد علموا من بعد عشر ويبقى سبعة وهم ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا عليهم جميعا الصلاة والسلام