الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 إذا انتقلنا للحديث عن القرنصة كأحد أبرز فنون الزخرفة في العمارة الاسلامية على الاطلاق، فإننا نجد أن المقرنص يعد المظهر الوحيد للتجسيم في الزخرفة في السياق المسجدي. وهو من حيث نشأته لايزال لغزا لم يحسم فيه برأي قاطع حتى اليوم. ومن حيث الاداء ربما يمكن اعتباره من اصعب الفنون لانه يجمع بين عنصري الزخرفة والانشاء، كما سبق لنا القول. يقال، في لغتنا الجميلة، القرناس (بضم القاف وكسرها) جمع قرانيس شبه الأنف يتقدم من الجبل، وما يلف عليه الصوف من المغزل. والقرنوس (بضم القاف) جنس نباتات برية وزراعية من فصيلة القرنوسيات ثمارها نووية مستطيلة ومأكولة. ويقال قرنص الطائر (بفتح القاف وسكون الراء) ملكه واقتناه، ومنه قولهم: باز مقرنص أي مقتنى للاصطياد، وقرنص الديك فزع، وقرنص البازي لازم مجثماً، والقرانيص خرز في مقدم الخف أو أعلاه واحدها قرنوص. أما في السياق الذي يعنينا هنا فإن المقرنص عنصر انشائي زخرفي، يعمل عادة من أحجار تنحت وتجمع في اشكال ذات نتوءات بارزة تؤلف حليات معمارية تتكون من صواعد وهوابط تشبه خلايا النحل تتدلى في طبقات مصفوفة بعضها فوق بعض في أماكن مختلفة من المباني الاسلامية، مثل أركان القباب وشرفات المآذن وحرمدانات الواجهات والنوافذ والعقود والأعمدة والزوايا والمداخل وغير ذلك من الاجزاء التي كانت تصلح لقبول هذا العنصر المعماري والفني. تاريخ من الإبهار من المؤكد ان جزءاً من سحر المقرنص يضرب جذوره في الغموض شبه التام المتعلق بأصل هذا اللون من الابداع الانشائي والزخرفي، فحينما يحاول المرء الوصول الى اقدم نماذج المقرنصات يجد نفسه في حيرة حقيقية. ـ أولا: على سبيل المثال، فإن أندرو بيترسون في «قاموس العمارة الاسلامية» يعرب عن اعتقاده بأن اقدم نماذج المقرنصات التي تم اكتشافها حتى الآن هي تلك الموجودة في بعض مباني المنازل في نيسابور بشرقي فارس، والمعتقد انها تعود الى اواخر القرن التاسع الميلادي او اوائل القرن العاشر الميلادي، وهي تتألف من بقايا حنيات جصية بزخرفات منحوتة ومزوقة. ويشير ايضا الى وجود بقايا مقرنصات جصية مزوقة في حمام إحدى الدور تعود الى المرحلة العباسية أو الفاطمية في الفسطاط بمصر، ويتابع على الفور مردفاً إن الانتشار الكبير للمقرنصات في وقت مبكر يعود للقرنين التاسع والعاشر الميلاديين ويوحي بأنها تنتمي اصلا الى موضع ما في وسط العالم الاسلامي، ربما كان بغداد. وهكذا فإن بيترسون في فقرة لا يتجاوز امتدادها اثنى عشر سطراً يضعنا أمام ثلاث امكانيات تمتد من نيسابور الى الفسطاط مروراً ببغداد كموطن اصلي للمقرنصات انتشرت منه الى دار الاسلام بأسرها من دون ان يعمد حتى الى مجرد الترجيح او التخمين دع جانبا الحسم. ـ ثانيا: يعمد د. عاصم محمد رزق في «معجم مصطلحات العمارة والفنون الاسلامية» الى اتباع الاسلوب الذي تبناه بيترسون، ولكن مع نتائج مختلفة، وترك القضية مفتوحة، ربما لانه لا سبيل الى حسمها في خضم ما تم التوصل اليه حتى الآن من مكتشفات اثرية، فهو يشير الى ان اصل المقرنص كعنصر معماري انشائي وزخرفي يرجع الى العمارة السلجوقية في فارس، حيث عثر في نيسابور على نموذج يرجع تاريخه الى القرن الثاني الهجري الثامن الميلادي، ثم عثر منه على نماذج اخرى في كتف باب مدفن شمس المعالي جنبادي قابوس في جرجان الذي يرجع الى عام 397 هجرية (1006 ميلادية). ويظهر اقدم مثل عربي معروف للمقرنصات المقصودة في قبة المحراب بمسجد القيروان التي بنيت عام 221 هجرية (836 ميلادية) ومقرنصها عبارة عن عقد مقوس على هيئة نصف دائرة يرتكز على عمودين تقوم من ورائه نصف قبة محارية. وبهذا فإنه لايزيدنا إلا حيرة لانه يوسع نطاق الترجيحات من نيسابور الى القيروان، ثم ان الاشارة الى ضريح شمس المعالي جنبادي قابوس تشبه الرد على سؤال بسؤال آخر، أو حل لغز بلغز آخر، فهذا الضريح عبارة عن برج اسطواني هائل ذي قمة مخروطية داخله فراغ يمتد بين سطح الأرض والسقف المقبب، وليس له درج يؤدي الى القمة من الداخل ولا وجود لسقالات من الخارج. ويتردد انه منذ عهد قابوس عندما هبط آخر العمال جاذبا معه الحبل الذي تدلى عليه ليصل الى الارض لم يرتق احد الى قمة هذا البناء العجيب. والمقرنصات المشار إليها في هذا البناء لا تعدو أن تكون مقرنصين صغيرين متدليين حاملين لنصف القبة بين عقدي المدخل. ـ ثالثا: يذهب أندريه باكار مذهباً مختلفاً اشد الاختلاف في كتابه «المغرب والحرف التقليدية الاسلامية في العمارة»، حيث يرى ان اقدم المقرنصات على الاطلاق يعود الى القرن الثالث، اي قبل ظهور الاسلام بوقت طويل، حيث كان يزين كاتدرائية اياصوفيا، أما اقدم المقرنصات في التقاليد المعمارية الشرقية فهو يعود الى القرن الخامس الميلادي، حيث وجد في قصر ساسان بفارس. ـ رابعا: تشير دومنيك كليفنو في كتابها «الحلي المعمارية والزخرفة في العمارة الاسلامية» إلى ان أول ظهور للمقرنصات يعود الى القرن الحادي عشر الميلادي في شرقي فارس، حيث اخذت شكل الاشتغال على حنيات الانتقال من التربيع الى التثمين في غمار تشييد القباب، حيث نفذت المقرنصات من الآجر، الحجر، الجص، الخشب، او الجبس المكسو بالقرميد المزجج. هكذا يظل لغز بداية المقرنصات لغزاً، وإن كنا نلاحظ في مواجهة اشارة باكار الى ان المقرنصات تعود الى العمارة البيزنطية وان اقدم اشكالها يظهر في آيا صوفيا، ان د. عاصم محمد رزق يرى ان فكرة المقرنصات لم تكن معروفة قبل الاسلام، وان المعماريين المسلمين استوحوها من الكوة غير المزخرفة التي كانت تشيد في البنايات القديمة، حيث تبناها الفنان المسلم وراح يعدل في شكلها ويعقد من مظهرها حتى قسمها الى كوى صغيرة متعددة تفنن في وضعها داخل كوى كبيرة وفي تنسيقها وتزيينها الى ان بدت في مظهرها آية من أجمل آيات الفن المعماري الاسلامي. هذا الذي سقناه، في اعتقادنا، مهم ومفيد، ولكن من الواضح انه لايكشف لنا شيئاً من اسرار عملية القرنصة ذاتها التي تبدو شيئا محيرا بلا حدود وتصل في بعض النماذج الفائقة الى تحدي كل القوانين المعمارية. التلاعب المذهل بالفراغ سنظل نلف وندور ونحوم حول المقرنصات في نماذجها القديمة والحديثة من دون ان نعرف حقيقة عملية القرنصة مالم ندرك الحقيقة البسيطة، وهي اننا لسنا أمام لون ابداعي واحد هنا، وإنما أمام ألوان عديدة، لها تقسيمات متداخلة كثيرة، ويقترح علينا دكتور عاصم محمد رزق تقسيما رباعيا لأنواع المقرنصات مع التزام التبسيط البالغ، حيث نجد انفسنا قبالة الأنواع التالية من المقرنصات: 1ـ المقرنص المصري او البلدي، ويتكون من طاقات مربعة مضلعة ذات زوايا حادة تشبه العقد المكسور. 2ـ المقرنص الشامي أو الحلبي، ويتكون من طاقات مقعرة او مجوفة ذات عقود مستديرة. 3ـ المقرنص ذو الدوالي، الذي تنزل منه دلايات هابطة وسط الطاقات مباشرة. 4ـ المقرنص المخرم، وهو الذي تكون بعض أجزاء واجهته مثقبة كما هي الحال في مقرنص باب الغوري بخان الخليلي. هنا نعود من جديد لنواجه السؤال الذي يحيرنا: كيف تجرى عملية القرنصة؟ علينا ان ندرك اولاً ان اجزاء كل مقرنص تتكون من الحطة او الطاقة والقاووق والذيل والاخاديد والكهوف، في التقاليد الابداعية المصرية، اما في التقاليد الابداعية المغربية فمن الواضح ان المكونات تظل في غالبيتها الكاسحة كما هي بينما تتغير الاسماء، حيث يتحدث المبدعون المغاربة عن الجزئيات التالية في ابسط انواع المقرنصات: السروالية، الدنبوق، الكتفية، التستية، وأخيراً السروالية الصغيرة او الشعيرة. أيا كان الأمر، فإن جوهر ابداع المقرنص هو التدرج من السطوح المربعة الى السطوح الدائرية كما في حالة القباب، او للقيام مقام الكوابيل كما في حالة دورات المآذن، ومن الواضح انه دور انشائي يتم انجاز الدور الزخرفي في غمار القيام به، بحيث ـ كما سبق لنا القول ـ يتداخل ما هو انشائي مع ما هو زخرفي على نحو لا سبيل معه الى الفصل او ابعاد العناصر. وتنحصر كيفية عمل المقرنص في الذيل الذي تشكل الطاقة اساس فكرته، وذلك لاخراج صفوف افقية من الطاقات يوضع بعضها فوق بعض، بحيث يكون المحور الرأسي لأي طاقة منها منصفاً للبعدين المحوريين الرأسيين للطاقتين المجاورتين لها في الصف الكائن اسفلها، وأن تكون جميع الطاقات متساوية الاتساع. وعادة ما يكون صف الطاقات العلوي مرتدا عن وجه الجدار الرأسي بخلاف الصفوف الاخرى التي تكون اجزاؤها العليا بارزة، ويكون الجزء المحصور بين جانب طاقتين متجاورتين نوعاً من دلاية او رجلاً للطاقة التي تعلوها، أما اذا تركت الرجل معلقة في الفضاء فإنها تتخذ شكلا مقرنصاً. وكثيراً ما يجيء صف الدلايات الملتصقة بوجه الجدار تحت اسفل صف للطاقات، وفي هذه الحالة تختفي كل الطاقات التي كان يتوقع وجودها بين الدلايات. وقد اعتاد المبدعون ان يحيطوا كل طاقة من طاقات هذه المقرنصات بخوصة، واحيانا تنحت خصوتان او اكثر حول طاقات معينة. وغالباً ما كانت تمتد هذه الخوصات في مستويات موازية لمستويات الدلايات على جوانب الطاقات. وكانت الحرية تترك للمبدع في ان يلوي المستويات أو يجعل الطاقات ذاتها غير متماثلة ليسهل بذلك تركيب العناصر الاخرى للمقرنص، ولاسيما في بناء القباب بصفة خاصة. وقد سبق لنا ان ضربنا أمثلة محددة للمقرنصات التي رأينا فيها آية من آيات الابداع المعماري والزخرفة ويحضرنا على الفور في هذا الصدد المثال الشهير الخاص بباطن قبة قاعة السقيقتين في قصر الحمراء بغرناطة، والذي قيل عنه بحق انه بلغ في الروعة والابداع مستوى يتحدى معه كل قوانين العمارة. في مصر سنجد المقرنصات تمتد في حلقات متتابعة من البساطة الى التركيب والايغال في الابداع، فبعد ان رأينا المقرنص يبدأ في باب الدولة الفاطمية بطاقة واحدة تحولت الى طاقتين ثم طاقتين اخريين، مع تطور القبة وزيادة ارتفاعها واتساعها سنجدها تملأ آفاق القاهرة كلها تقريبا، فتبرز في مئذنة مسجد الجيوشي متخذة حلة زخرفية فحسب، ثم في القبة الصغيرة لجامع الحاكم ووجهية الأحمر ثم قبة الامام الشافعي ونجد ولعاً خاصا بها في العهد المملوكي حيث تبرز في تيجان الاعمدة وتحويل القباب وغير ذلك كثير. في المغرب لا نملك إلا التوقف طويلا أمام نماذج للقرنصة يرجع تاريخها الى اكثر من ستة قرون في جامع الكتبية، حيث تتخذ المقرنصات صورة هوابط من القطع الخشبية المثلثة المجمعة وفق تخطيط دقيق، وغرست في الجص وغطيت به وطليت مرات عديدة، وتبرز المقرنصات في العديد من المواضع على هيئة أهداف بديعة وهي نوعية من الزخرفة تتكرر في مساجد الموحدين العريقة. في المغرب ايضا، لا تفوتنا الاشارة الى السقف المربع الرائع لمسجد مولاي اليزيد والذي يعد، إلى جوار النموذج السابق، من أقدم أمثلة المقرنصات في المغرب، حيث طلي السقف باللون الابيض مع زخارف ملونة يسودها اللون الأخضر الذي تتناثر عليه تأثيرات زرقاء فيروزية ووردية وزين بخواتم سليمانية وسعف وزخارف توريقية، بحيث يبدو متموجا بمويجات عديدة، فيخيل للرائي انه بازاء سطح بركة مقلوب ومعلق يتماوج ماؤها بتأثير النسيم العليل. في الشام، لا حصر لنماذج المقرنصات البديعة، خذ عندك مثلا مقرنصات القبة الصغيرة في ضريح نور الدين في دمشق الذي يعود الى عام 1172 ميلادية. حيث الرهافة البالغة في الانتقال من دون ان تلحظ العين ذلك على وجه التقريب من مستوى المربع الى المستوى الوسيط للمثمن وصولا في نهاية المطاف الى المستوى الدائري للقبة الصغيرة، وهذا النموذج يتوقف عنده الكتاب بصفة خاصة باعتباره التجسيد الاكثر روعة لمفهوم الجوهر في الفكر الاسلامي الذي سبق ان القينا الضوء عليه. مادمنا في دمشق، فدعنا نشير ولو مجرد اشارة سريعة الى مدخل المدرسة الجقماقية هناك، حيث نلمح مقرنصات تجمع بين القوة والبساطة، والجمال، ونرى الانتقال الى التركيز على الوظيفة الجمالية للمقرنصات في العصر المملوكي على حساب الوظيفة الانشائية حيث تم الاعتماد على الخناصر بنوعيها في اداء هذه الوظيفة الاخيرة. ولايفوتنا، بالطبع، أن نشير الى مقرنصات المسجد الجامع في اصفهان الذي يعود الى القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، والتي لا تشكل إلا مثالا واحداً من بين أمثلة عديدة على ابداع المقرنصات في إيران. التزويق يقال، في لغتنا الجميلة، الزاووق الزئبق في لغة أهل المدينة، وهو يقع في التزاويق لأنه يجعل مع الذهب على الحديد ثم يدخل في النار فيذهب منه ويبقى الذهب، ثم قيل لكل منقش مزوق، وإن لم يكن فيه الزئبق. وزوق الكلام والكتاب حسنه وقومه. أما في السياق الذي يعنينا هنا فإن الزواق هو الرسم بالألوان على الخشب والزجاج والجدران وغيرها، وهو ما يعد من أهم ألوان الابداع في الزخرفة المعمارية الاسلامية، ومن الجلي ان اللفظ نفسه شائع في التقاليد الفنية المغربية، لكنه يغيب تماما في التقاليد المصرية، ويستخدم بدلا منه اصطلاح النقش ليفيد المعنى ذاته، ومنه استمد النقاش أي القائم بهذا اللون من الابداع. وحتى لا نطيل في هذا المجال، بعد ان استنفد الحديث عن القرنصة الكثير من المجال المتاح لنا، فإننا نكتفي بأن نقتطف من المستشرق المعاصر الكسندر بابا دوبولو قوله الشهير: «هذا العالم المستقل مليء بالألوان، ويمكن القول إن جميع فناني التصوير الاسلامي هم لوانون ممتازون». وفي التقاليد الابداعية الاسلامية القديمة، لم يستخدم قديماً سوى الطلاء المعدني المسحوق، وكان هذا الطلاء يخلط مع الغراء ويسخن المخلوط على موقد يسمى المجمر، غير ان بعض اعمال التزويق تلون بدهان يدخل في تركيبه مح البيض، وبخاصة الزخارف التي ترسم فوق أرضية باللون الأصفر. وفي التقاليد القديمة ايضا، كان المبدعون يستهلون عملهم بتلوين السطح المطلوب تزويقه أولا باللون الأحمر، أما المبدعون المحدثون فيميلون الى تفضيل اللون الباذنجاني او الكستنائي، وكثيرا ما تغطى هذه المساحات بما يسمى ب«ورقة السندس» وهي لا تعدو ان تكون ورق قصدير مغطى بالراتنج والزعفران ويحتاج هذا الخليط الى تركه مدة اسبوعين تقريبا الى ان يغدو جاهزا للاستخدام. ويشمل التزويق الوانا شتى من الفنون، حيث تعكس الزخارف غالبا اسماء نباتات او ازهار من قبيل التشجير والعرق بمعنى الجذور والقرنفل والسوسن او الحبق حيث تأخذ بعض التزويقات اشكالا هندسية دقيقة، وبعد الانتهاء من التزويق تغطى الزخارف بطبقة بسيطة من البرنيق، الذي يتكون اساسا من زيت الكتان، ويكفي ذلك لحمايتها واضفاء مسحة من القدم على نضارتها الفجة. ومما يلطف توهج الألوان الحديثة وبريقها ولمعان الارضيات الزاهية ذلك الخلط المتجانس لعناصرها التي تذوب امام النظر وكأنها ضرب من الاشعاع اما مسحة الزنجار الجميلة فإن الزمن وحده هو الذي يضفيها على الزخارف. ويستخدم المزوق في عمله فرش الرسم التي يصنعها بنفسه من شعر ذيل الحمار غالباً، بالاضافة الى نماذج مثقبة للرسوم يتوارثها المزوقون جيلا عن جيل، ثم يمر فوق هذه النماذج بخرقة بها مسحوق ملون. ويؤكد الزواقة المعاصرون انه لا يمكن تنفيذ الزواق على الحشوات الرأسية، وهم يرون ان من الضروري ابداع الزواق على المستوى الأفقي، ولذلك فإنهم عندما يواجهون تزويق مسطح رأسي يفضلون تغطيته بحشوة من الخشب المعاكس تتم زخرفتها في الورشة قبل تركيبها، وهو حل يتم اعتماده لمجرد التسهيل لانه في المساجد والقصور العريقة نفذ الزواق على الاسطح الرأسية في مكانها. ولا حصر للأمثلة البديعة لهذا الفن، ففي مسجد القصر الملكي بمراكش، على سبيل المثال نجد باباً كبيراً وقديما جداً، تم تجديده عام 1979، يتكون من مشربيات مزوقة بكاملها، ويتباين زخرفه المكون من عناصر تسطير على اساس مربعات مقسمة ذات ألوان زاهية، مع عقد الباب وعقد الطبلة المزين بنجوم ثمانية. اما في فاس فلابد من التوقف امام المدرسة البوعنانية التي تعود الى القرن الرابع عشر الميلادي، حيث نرى بوابة رئيسية رائعة الجمال مزينة بكتابات وزخارف كوفية بسيطة مع مشربيات، ومما يخفف من صرامة الزخرف لون الخشب النضر ورشاقة العقد المزين بالجص الذي يعلو البوابة. وفي مصر نلتقي بالتزويق تحت اسمي النقس والرقش في بنايات العصر المملوكي، حيث نلمح وزرات رخامية عديدة مزوقة بالذهب، ونجد في وثائق ذلك العصر اشارات الى العديد من الاعمال المزوقة ولكن تحت صفات مثل منمق ومنقوش. التصفيح والتوشيع يقال، في لغتنا الجميلة، صفح (بفتح الصاد والفاء) السائل عن حاجته ثناه عنها، وصفح الإبل على الحوض امرها عليه (بتشديد الراء وفتحها، واحداً واحداً، وصفح الشيء جعله عريضاً، وصفح عن الذنب عفا عنه، والصفح من كل شيء (بتشديد الصاد وفتحها وسكون الفاء) جانبه، وصفائح الباب ألواحه. والصفيح والصفيحة ـ جمعها صفائح ـ حجارة رقيقة تستعمل في تبليط الأرضيات بشكل خاص. والصفاحة (بتشديد الصاد وكسرها) ـ جمعها صفاح ـ كل عريض من حجارة وألواح ونحوهما، ومنه قولهم صفح الشيء (بتشديد الفاء وفتحها) كساه بالصفيح ورقائق الفولاذ ونحوهما، وصفح الباب غطاه بقشرة حديدية او نحاسية رقيقة، او كساه بصفائح الذهب المموهة بالمينا او المرصعة بالاحجار الكريمة. وقد استخدم لفظ التصفيح في السياق الزخرفي المعماري الذي يعنينا هنا في ثلاثة مجالات: أـ الصفائح الحديدية الرقيقة التي تكسى بها الأبواب الخشبية الخاصة بالمباني ذات الشأن الرفيع لتقويتها من خلال تثبيت هذه الصفائح بالمسامير. ب ـ صفائح النحاس التي كانت تغشى درف الأبواب والدواليب وعليها كتابات مفرغة باسم المنشيء وتاريخ الانشاء. ج ـ الواح الرخام التي كانت تستخدم في فرش الأرضيات وتكسية الوزرات. ومن ابرز الأمثلة في العصر المملوكي على الأبواب الخشبية المصفحة بالرقائق النحاسية باب خانقاه بيبرس الجا شنكير بالقاهرة الذي يعود الى عام 709 هجرية (1310 ميلادية) والذي تزين مصراعيه المصفحين زخارف مكفته بالفضة عليها اسم السلطان المنشيء لهذه الخانقاه. ومنها ايضا الباب الذي عثر عليه في خانقاه الأشرف برسباي بالخانكة والذي يعود الى عام 840 هجرية (1436 ميلادية) ولايزال محفوظا في متحف الفن الاسلامي بالقاهرة، وعلى مصراعيه المصفحين بالنحاس زخارف مخرمة ذات أوضاع متماثلة ومتقابلة تشتمل على عناصر نباتية واشكال طيور وحيوانات مختلفة. ومنها كذلك باب جامع المؤيد بالقاهرة الذي يعود انشاؤه الى الاعوام من 1415 الى 1420 ميلادية وهو مصفح بطبقة من النحاس تحمل زخارف هندسية ونباتية وحشوات كتابية، ومعروف انه كان اصلا باب جامع السلطان حسن. ومن الأمثلة البديعة لفن التصفيح في المغرب الباب النحاسي لضريح محمد الخامس بفاس، وقد كسي أولا بطبقة من النحاس الأحمر ثبتت عليها اشكال زخرفية مصبوبة من النحاس الأصفر، ويحل محل طراقة الباب التقليدية مقبضان على شكل أعمدة صغيرة مخروطة. أما التوشيع فالمراد به الفن المعروف بالشبائك، وترجع ندرته في العمارة الاسلامية إلى ان جانبا ليس بالقليل من عيون هذه العمارة يتجه للداخل، ومن هنا فإنه لا يوجد عمليا مبرر للوشائع التي تنحصر وظيفتها الأساسية في تحقيق عنصر الحماية. وفي المغرب تظهر الوشائع، أو الشبائك، بصفة خاصة في المدن ذات الطابع الاسباني، كمدينة الجديدة او الصويرة. وسواء أكانت الزخارف التي تشكل الوشائع بسيطة أم معقدة، فمن الملاحظ أنها لا تخضع إلا نادرا لقواعد التخطيطات الناظمة، التي تلتزم بها انواع الزخرفة المعمارية الاسلامية الأخرى، وهو أمر مفهوم إذا ادركنا ان العديد من اشكال التعامل الفني مع الحديد المطروق في المغرب حافلة بالتأثيرات الاسبانية. ومن اشهر أمثلة الوشائع في المغرب ما هو موجود في القصر الملكي بتلوات حيث يبلغ التنفيذ في الحديد الاسود المطروق درجة من الرهافة بحيث يذكرنا على الفور بالمخرمات أو الدنتلا، وتلفت نظرنا وشيعة تكاد تحجب المنظر الخلاب للوادي الأخضر والجبال، وهو المنظر الذي يبدو لوحة فنية رائعة من خلال القوس الذي يتوسط الوشيعة التي تبدو بالفعل كاطار لوحة مزينة على شكل غصينات داخل مربعات تربطها معاً حلقات معدنية مغلقة. ولقد اكثرنا من الحديث عن التجريد، فواندماه اننا امسكنا عن الحديث عن التجريد عند أهل الحقيقة، وما كان احرانا ان نقول فنطيل القول في معانيه! ولم لا؟ أليس يعلمنا الكلاباذي ان: معنى التجريد ان يتجرد بظاهره عن الأعراض وبباطنه عن الأعواض وهو ألا يأخذ من عرض الدنيا شيئاً ولا يطلب على ماترك منها عوضا من عاجل ولا آجل بل يفعل ذلك لوجوب حق الله تعالى لا لعلة غيره ولا لسبب سواه؟ أليس يقول ابن عربي: «التجريد إماطة السوى والكون من القلب والسر»؟