الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 أستولى مراد الأول العثماني على مدينة أدرنة الواقعة على البر الأوروبي للبسفور في عام 1361م (763 ه) وأصبحت هذه المدينة عاصمة للدولة العثمانية إلى أن فتحت القسطنطينية على يدي محمد الفاتح وأصبحت عاصمة للدولة في عام 1453م. وقد حظيت أدرنه بأهم المنشآت المعمارية التي اقامها السلطان مراد الثاني بدءا من عام 1425م، لتصبح واحدة من مراكز ثلاثة أعطت البرهان الساطع على مدى التطور السريع في العمارة العثمانية من بدايته وحتى فتح القسطنطينية، وبينما بقيت الحال في أزنيق وبورصة مقتصرة على الإبتكارات المعمارية الأولى ظلت أدرنه مقرا لأزهي وألمع فترات الفن العثماني ويكفي أن يكون بهذه المدينة مسجد السليمية الذي يعد آخر لوحة في سلسلة لوحات عمارة المسجد التركي والذي يجيئ في المرتبة الأولى بين أرقى روائع العمارة العثمانية في أوروبا. ويعتبر الجامع العتيق (اسكي جامع) أول عمائر العثمانيين في أدرنه وقد بدأ تشييده بأمر من الأمير سليمان جلبي في عام 1403 م وأكمل عمارته السلطان محمد جلبي عام 1414 م أما مهندسه فهو حاجي علاء الدين وأصله من مدينة قونية العاصمة القديمة لسلاجقة الأناضول. والمسجد عبارة عن بناء مربع المساحة مغطى بتسع قباب متساويات تعتمد على أربع دعامات قوية مربعة المسقط. وقد تغيرت هيئة هذا المسجد بعض الشئ نتيجة زخارف الباروك التي أضيفت إليه في وقت متأخر. ونجد في قباب المجاز الرئيسي الثلاث أن تلك التي تعلو المحراب تحملها مثلثات كروية وتلك التي تلي المدخل تحملها حنايا ركنية ذات مقرنصات أما القبة الثالثة،وهي الواقعة في الوسط فمفتوحة من أعلاها وتحملها هي الأخرى حنايا ركنية بسيطة. أما القباب الجانبية فتعتمد على دلايات عادية. ومما يؤخذ على تصميم هذا المسجد إنخفاض مستوى الإضاءة الطبيعية فيه بسبب ضخامة حجم الدعامات وانخفاض ارتفاع القباب. والمبنى مشيد بكتل ضخمة من الحجر المنحوت بينما الصفة مبنية بالطوب مع وجود حشوات من الحجر، ولهذا المسجد مئذنتان واحدة بشرفة آذان واحدة والثانية لها شرفتان. وجاء السلطان مراد الثاني في عام 1434 م ليؤسس في أدرنه جامع المرادية الذي جاء مشابها لمساجد بورصة القديمة وتخطيطها الشبية بحرف (ش) المقلوب. ويضم مبنى المرادية قبتين واحدة تلو الأخرى وأيوانا بقبة في كل جانب وصفه مدخل لها دعائم كبيرة تتوسطها قبة مرتفعة في الوسط وقبوان متقاطعان في كل جانب. وتبدو القبة الرئيسية للمسجد أكثر إرتفاعا من الأخريات ولها شراعة في أعلاها وهي تستند في منطقة الإنتقال إلى مثلثات كروية. أما الزخارف التي تم الكشف عنها بالوجه الداخلي لعقد القبة وكذا الأجزاء العليا من الجدران فتضع هذا المسجد ضمن مجموعة المساجد التي يمثلها ويدخل ضمنها المسجد الأخضر في بورصة. فالمحراب في المرادية مكسو ببلاطات خزفية متعددة الألوان حافلة بزخارف مرسومة تحت الطلاء ولا جدال في أنها تلحق بكسوة الجامع الأخضر جمالا وتألقا.ويمتاز المسجد بإستخدام البلاطات السداسية الأضلاع ذات الألوان البيضاء والزراقاء المألوفة في خزف مدينة أزنيق الفاخر ونرى في زخارفها أشكالا نجمية تكونها بلاطات سداسية الأضلاع بها زخارف زرقاء داكنه وزرقاء فاتحه فوق أرضية بيضاء. أما الفراغات بين الأشكال السداسية فقد شغلت ببلاطات مثلثه فيروزية اللون. وإجمالا يعتبر جامع المرادية بأدرنه من أكثر المساجد التي تلفت إنتباه المعماريين والمزخرفين بين مساجد النصف الأول من القرن التاسع الهجري ( 15م). ومن أجمل مساجد أدرنه ذلك المسجد الذي شيده مراد الثاني فيما بين عامي 41 - 851 هـ ( 37- 1447 م) والذي يعرف باسم «أوج شرفلي» (ذو الشرفات الثلاث) فقد خرج هذا المسجد بالكامل عن مسار التطوير المعماري العثماني وظهر فجأة كحدث فني غير متوقع وهو لهذا يحظى بأهمية فائقة من دارسي العمارة العثمانية، ويعد بحد ذاته سابقة تحققت من خلالها الافكار الاساسية لتخطيط المسجد، وهي الافكار التي عمل على هديها بعد ذلك بحوالي مئة عام المهندس المعماري الأشهر خوجه سنان. وقد غطى بيت الصلاة بقبة رئيسية يبلغ قطرها 2410م ترتكز على دعامات سداسية الأضلاع تحمل عقودا مدببة تمتد من المدخل إلى جدار القبلة المقابل.وتزداد هذه المساحة في الجانبين بإضافة رقعة مستطيلة غطيت في كل جانب بقبتين أصغر حجما (قطر القبوة 1050م) أما المثلثات الأربعة الناشئة بين القبة الرئيسية والقباب الأربعة الجانبية فقد غطيت هي الأخرى بقباب أصغر تحملها كوابيل ذات مقرنصات. وهذا التخطيط الفريد لبيت الصلاة يظهر لأول مرة في مسجد أوج شرفلي، ويتجلى فيه التصور الأمثل لإستخدام المساحات المربعة في تخطيط المساجد كذلك تظهر هنا لأول مرة السنادات الطائرة لدعم القبة الرئيسية. أما صحن المسجد (الحرم) فهو مستطيل المساحة تحدق به أربعة بوائك تذكرنا بتخطيط المساجد الجامعة العتيقة،وبوسط الصحن شاذروان للماء.ويكون الصحن ورواق الصلاة معا وحدة معمارية واحدة تبدو كمسجد صيفي مستقل. وقد غطيت البوائك باثنتين وعشرين قبة تدور حول الصحن، وقد تعددت أشكالها فمنها المستدير ومنها البيضاوي الشكل. وتمتاز عقود هذه البوائك المطلة على الصحن بتماثلها وجمالها الفني الذي اكسب الحرم مظهرا زخرفيا قوي التأثير. وتوجد في جوانب المسجد ظلات ثلاث رائعة مشابهة لمثيلاتها في العمارة السلجوقية. ومن الملاحظ أن إرتفاع المدخل وإتساعه قد تجاوز المأولوف في العمارة التركية.ويعتبر «أوج شرفلي» أول مسجد عثماني يزود بأربع مآذن، وهي تختلف عن بعضها البعض وتقف كل واحدة عند ركن من أركان البناء الأربعة. فواحدة ذات قنوات حلزونية وواحدة ذات قنوات عمودية وثالثة تزينها أشكال معينات أما الرابعة فمزودة بثلاث شرفات للآذان وبداخلها سلم مستقل لكل شرفة. ومن هذه المئذنة أخذ المسجد اسمه «ذو الشرفات الثلاث»، ويبلغ قطرا بدنها المستدير ستة أمتار وارتفاعها يتجاوز 67 مترا، وتعتبر أعلى مئذنة شيدت في ذلك التاريخ ولم يتجاوز هذا الإرتفاع إلا بعد حوالي 127 عاما عندما شيدت مئذنة مسجد السليمية في أدرنه (ارتفاعها 71 مترا). وقد سجل اسم السلطان مراد عند نافذة من نوافذ الصحن بلون لازوردي على أرضية بيضاء. ورغم أن مسجد أوج شرفلي يعتبر في حد ذاته قفزة معمارية كبيرة في تاريخ العمارة العثمانية إلا أنه يفتقد الكثير من التناسق في عمومه بسبب العقود المنخفضة التي تحمل القبة الرئيسية وبما توحيه من إحساس بضيق المكان ذلك أن سمك الدعائم يصل إلى حوالي 55 أمتار أي نصف سعة العقد الأفطس الذي يحمل القبة الرئيسية مما هبط بالإرتفاع إلى النصف هذا بالإضافة إلى أن قلة الإضاءة في الداخل يعطي إحساسا بالكآبة والغموض لا مثيل لهما في المساجد الإسلامية التي عرفت دوما بالإضاءة الغامرة لوحداتها المختلفة. وتبدو في أوج شرفلي تأثيرات واضحة لمساجد بورصة القديمة ونلمح ذلك في وجود صفي النوافذ الخارجية إلى جانب متانة بناء المسجد وضخامته فكله من الحجر المنحوت ومزدان بقدر محدود من الاحجار المتعددة الألوان. أما المهندس الذي مهد السبيل لتطوير المسجد العثماني الجامع ووضع اللبنات الأولى في مجال الممارسة والإبتكار فرجل مجهول الاسم من مدينة قونية. وقد شيدت بمدينة أدرنه عدة منشآت أخرى منها دار الحديث ( 1475 م ) ومسجد غازي ميخال (1422م ) ومسجد شاه ملك باشا ( 1429م ) ومسجد مزيد بك (1442م). القاهرة ـ د. أحمد السيد محمد