الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 قال الله جل ثناؤه: «مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد»، ابراهيم/ 18. هذا مثل ضربه الله تعالى للذين كفروا شبه به حالهم واعمالهم التي يعملونها في دنياهم برماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وذهبت به في جهات شتى، فلم يبق منه شيء، كذلك اعمال هؤلاء الكفار تذهب بددا يوم القيامة، ولا ينتفعون بشيء منها، لأن كفرهم بربهم يفسد كل عمل صالح لهم، ويخبث كل طيب كان منهم. قال الرماني في تعليقه على هذا المثل: «فهذا بيان قد اخرج مالا تقع عليه الحاسة الى ما تقع عليه، فد اجتمع المشبه والمشبه به في الهلاك، وعدم الانتفاع، والعجز عن الاستدراك لما فات، وفي ذلك الحسرة العظيمة، والموعظة البليغة». وما لا تقع عليه الحاسة هو أعمال الكافرين التي تذهب بددا، دون ان ينتفع بشيء منها، وقد تمثل هذا المعنى في صورة الرماد الذي تعصف به الريح في يوم عاصف، وتذهب به كل مذهب. وفي قوله تعالى: «مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد»، جمع بين الذين كفروا، واعمالهم ـ كما ذكرنا ـ حيث شملهم هذا الوصف: «كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف». فالذين كفروا هم واعمالهم يوم القيامة لا يلتفت اليهم إلا كما يلتفت الى رماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. ولو جاء نظم الآية هكذا: مثل اعمال الذين كفروا بربهم كرماد، لذهب ذلك المعنى الذي دل عليه النظم القرآني للآية، والذي جمع بين الكافرين واعمالهم، كما تجتمع النار ومخلفاتها من الرماد! وقال تعالى: «أعمالهم كرماد»، ولم يقل: «أعمالهم كتراب»، لأن الرماد يوحي بمعنى الاحتراق والضياع، والخفة، وقلة الشأن، وعدم الانتفاع، بخلاف التراب الذي قد يكون فيه بعض النفع، وليس فيه معنى الاحتراق، فكان في تشبيه اعمالهم برماد اشارة الى ان هذه الاعمال يوم القيامة ما هي إلا مخلفات لتلك الاعمال التي يعدها الكافرون في الدنيا من الأعمال الصالحة، وإنها وإن كانت صالحة في ذاتها، إلا ان كفرهم بالله قد اكلها كما تأكل النار الحطب ولم يبق منها إلا هذا الرماد الذي ذهبت به العاصفة في جهات هبوبها، وانتهى الى لاشيء. والباء في قوله تعالى: «اشتدت به الريح» تفيد ان الريح قد اقتلعت الرماد، وذهبت به بعيدا، بخلاف قولنا: اشتدت عليه الريح، وقد تشتد عليه الريح، وهو ثابت، لا يتبدد. ثم في ايقاع «عاصف» صفة ليوم، في قوله تعالى: «في يوم عاصف»، صار اليوم نفسه عاصفا. والعصف ـ في الأصل ـ وصف للريح، ولكن انتقاله الى اليوم يشير الى شموله واستغراق اليوم كله. ولو قيل: اشتدت به ريح عاصفة، لأمكن ان تكون هذه الريح تعصف ساعة، ثم تهدأ، وفي ذلك اشارة إلى استمرار العصف الشديد بهذا الرماد، والذهاب به في كل افق، وليس بعد ذلك ضياع. فانظر كيف حمل هذا التشبيه من روعة التصوير، ودقة المطابقة بين المشبه والمشبه به، حتى لكأن روحا واحدة تلبس جسدين، وفي ذلك من اعجاز التعبير القرآني ما فيه! محمد اسماعيل عتوك