الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 الحمد لله الذي من على عباده ان هداهم للايمان والصلاة والسلام على رسول الانام وبعد. سورة المؤمنون من السور المكية وعدد اياتها ثماني عشرة ومائة اية، وهي السورة السادسة والسبعون في عداد نزول سور القرآن الكريم نزلت بعد سورة الطور وقبل سورة تبارك. وسميت السورة (بالمؤمنون) لدلالة اسمها على مضمونها الذي يحدده موضوعها الذي تتناوله فهي تبدأ ببيان صفات المؤمنين من خلال عرض الدلائل الايمانية بمثل حقيقة الايمان، وهي حقيقة واحدة توافق عليها الرسل جميعا من لدن نوح عليه السلام الى محمد صلى الله عليه وسلم. فدلت السورة بعنوانها ومضمونها على أنها سورة الايمان. بكل قضاياه وصفاته ودلائله، وهو موضوع السورة ومحورها الاصيل في تحقيق الوحدانية وابطال الشرك ونقض قواعده، والتنويه بالايمان وشرائعه. والسورة على وجه العموم تدور حول الايمان والمؤمنين من أولها الى آخرها فهي اذ تصف المؤمنين، تذكر اسس الايمان في الانسان والكون. ثم تتعرض لرسالات بعض الانبياء وكلها تدعو للايمان، ثم تعود الى المؤمنين وخصالهم والى الكافرين واعمالهم مع تعرض لبعض صفات الله وتراها تختتم الكلام بتوجيهات للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم بذكر مشهد من مشاهد يوم القيامة للعبرة والعظة. وفي افتتاحية السورة جاء قوله تعالى (قد أفلح المؤمنون) وفي هذا اشارة عظيمة بالبشرى لأهل الايمان وبأنهم قد فلحوا وفازوا بالسعادة والرضا من رب العباد، وعلى ذلك يكون مقصود اسم السورة هو التنويه بالايمان وان الذي يتبع صفات المؤمنين يفوز بالدنيا والآخرة ونقول ان هذه الصفة (الايمان) هي مخصوصة لاهل الطاعة لأنه من المعلوم عند أهل العلم والمعرفة ان النداء على ضربين وهو نداء العموم ونداء الخصوص فنداء العموم (يا ايها الناس) ونداء الخصوص (يا ايها الذين امنوا) فجاءت هذه السورة بعنوان اهل الخصوص ولا يوجد في غيرها وان ذكر سورة بهذه الصورة له دعوة حقيقية من الله يقول فيها يا أهل خاصتي واتباع خير من بعث هذه السورة لكم وسميت باسمكم لأنها تحمل البشرى لكم وللصفات الواجب اتباعها لتحقيق الايمان الذي تكون عاقبته الرضا والأنس من الله العلي العظيم. فكأن السورة في دلالاتها توحي للعباد الذين امنوا بأنهم اهل خصوصية وهذه الخصوصية تحصلوا عليها نتيجة تمسكهم بالصفات التي قاموا بها وحققوها قولا وعملا فكان افتتاحها بالبشارة للمؤمنين بالفلاح العظيم على ما تحلوا به من اصول الفضائل الروحية والعملية التي بها تزكية النفس من عوالق الشرك الذي به ينحرف الانسان عن اصل خلقته المفطورة على الايمان واستقامة السلوك الذي به يتعرف على مواضع الرضا لرب العالمين. ثم تجد ان اشارات السورة في آياتها تحدثت عن خلق الانسان واصله ونسله الدال على تفرد الله تعالى بالالهية لتفرده بخلق الانسان ونشأته ليبتدئ الناظر بالاعتبار في تكوين ذاته ثم بعدمه بعد الحياة، ودلالة ذلك الخلق على اثبات البعث بعد الممات وان الله لم يخلق الخلق سدى ولعبا ولكن خلقهم لعبادته وتوحيده. من جهة اخرى لو نظرنا الى اسم السورة (المؤمنون) وبداية السورة عند قوله تعالى (قد افلح المؤمنون) لوجدنا ان هذه السورة كان لها افتتاح بديع لانه من جوامع الكلم فان الفلاح غاية كل ساع الى عمله. فالاخبار بفلاح المؤمنين دون ذكر متعلق بفعل الفلاح يقتضي في المقام الخطابي تعميم ما به الفلاح المطلوب، فكأنه قيل: قد أفلح المؤمنون في كل ما رغبوا فيه، ولما كانت همة المؤمنين منصرفة الى تمكن الايمان والعمل الصالح من نفوسهم كان ذلك اعلاما بأنهم نجحوا فيما تعلقت به هممهم من خير الآخرة وللحق من خير الدنيا، ويتضمن بشارة الرضا من الله تعالى ووعدا بأن الله مكمل لهم ما يتطلبونه من خير، واكد هذا الخبر.. بحرف (قد) الذي اذا دخل على الفعل الماضي افاد التحقيق اي التوكيد، وينتج عن ذلك الفلاح والذي هو الظفر بالمطلوب من عمل العامل، ونيط الفلاح بوصف الايمان للاشارة الى انه السبب الاعظم في الفلاح فان الايمان وصف جامع للكمال لتفرع جميع الكمالات عليه. وعلى ما تقدم من تعريفات وتوضيحات لمعاني دلالات مقاصد اسماء السور من خلال مسيرة سورة «المؤمنون» وما جاء فيها من ايضاحات لحال اهل الايمان، يرد سؤال على العقل والقلب والفكر اين الامة اليوم من مراد هذه السورة ومن تحقيق معاني الايمان نقول ان هذه الامة تمر في اسوأ حالاتها مع دول الكفر والضلال والصهيونية العالمية والسبب في ذلك ان الامة لم تستطع في الوقت الراهن تحقيق مبادئ الفلاح والنجاح حيث ان الفلاح ارتبط بالصلاح من خلال الصلاة والزكاة وتجنب اللغو والاعراض عن مواطن الشبهة والتمسك بالحلال في العلاقات الجنسية والبعد عن الحرام فمن وصل به الامر الى الحرام فقد كان من المعتدين، والحال اليوم معلوم من كثرة المعتدين على محارم الله لهذا نجد الامة مهزومة اولا في نفسها التي لم تستطع السيطرة فيها على شهواتها ثم مهزومة من دول الكفر والضلال لانها لم تحقق وعد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فتحولت من امة داعية الى توحيد الله الى امة مدعوة الى معصية الله من خلال الانحلال الاخلاقي الذي ضرب على تفكير هذه الامة بأسماء مختلفة تحت رايات متعددة ولن ينجي الأمة اليوم ويكون لها المستقبل الواعد الا الرجوع الى أمر الله من خلال تحقيق الفهم لمقاصد القرآن الكريم من خلال اسمائه واوامره ونواهيه حتى تكون أمة تمشي على نهج رسولها الأمين صلى الله عليه وسلم ولله عاقبة الأمور والحمد لله رب العالمين. د. سيف الجابري