الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 المتابع لتطورات العلاقة بين الإسلام وخصومه ـ في الآونة الأخيرة لاسيما خلال العام المنصرم خاصة بعد أحداث سبتمبر ـ يرى أن الإسلام يتعرض لحملة شرسة من الهجوم على مبادئه وتعاليمه ووصفها بأبشع الاوصاف لتخويف المواطن العادي في الغرب والشرق من هذا الدين الذي يتخذ مواقف غامضة ومعادية لحقوق الانسان وللديمقراطية ـ حسب زعم اعدائه ـ، وقد ساعد على تزايد الحملات المعادية بشكل ملحوظ استغلال خصوم الإسلام وسائل البث والإعلام الحديثة فى عصر تدفق المعلومات والسماوات المفتوحة كمنافذ للانقضاض على قيم الإسلام ومبادئه بغية تشويه حقائقه او القضاء عليه إن أمكن ودأبوا على اثارة الشبهات ضد الإسلام وفي السطور القادمة رد على شبهة ومعاداة الإسلام لحقوق الانسان والديمقراطية... يرى الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الاوقاف المصري أن الدين الإسلامي اول من نادى بحقوق الإنسان وشدد على ضرورة حمايتها قبل 14 قرنا، كما أن كل دارس للشريعة الاسلامية يعلم ان لها مقاصد تتمثل فى حماية حياة الانسان ودينه وعقله وماله واسرته، وأن التاريخ الاسلامي سجل للخليفة الثاني عمر بن الخطاب مواجهته الحاسمة لانتهاك حقوق الانسان وقوله فى ذلك: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا؟!). وأضاف ان حقوق الانسان فى الإسلام تبنى على مبدأين اساسيين هما: مبدأ المساواة بين كل بني الانسان، ومبدأ الحرية لكل البشر كما يؤسس الإسلام مبدا المساواة على قاعدتين راسختين هما: وحدة الأصل البشري وشمول الكرامة الانسانية لكل البشر... وتأتي وحدة الاصل البشري من اقرار الإسلام بان الله قد خلق الناس جميعا من نفس واحدة فالجميع اخوة فى اسرة انسانية كبيرة لا مجال فيها لامتيازات طبقية وأن الاختلافات بين البشر لا تمس جوهر الانسان الذى هو واحد لدى كل البشر، ومن هنا فهذه الاختلافات ينبغي ـ كما يشير القرآن ـ ان تكون دافعا للتعارف والتآلف والتعاون بين الناس وليس منطلقا للنزاع والشقاق وفقا لنص الآية الكريمة: «يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاقكم». ويوضح د. زقزوق ان القاعدة الثانية للمساواة هي شمول الكرامة الانسانية لكل البشر حيث نص القرآن على ذلك فى قوله تعالى: «ولقد كرمنا بني آدم» والانسان بهذا التكريم جعله الله خليفته فى الارض واسجد له ملائكته وجعله سيدا فى هذا الكون وسخر له ما فى السموات والارض مما يؤكد أن الانسان بذلك جعل الله له مكانته المفضلة بين الخلق جميعا، وقد منح الله هذه الكرامة لكل الناس بلا استثناء لتكون سياجا من الحصانة والحماية لكل فرد من افراد بني الانسان لا فرق بين غني وفقير ولا حاكم ومحكوم فالجميع امام الله والقانون والحقوق العامة سواء. ويرى زقزوق أن المبدا الثاني الذي ترتكز عليه حقوق الانسان هو مبدأ الحرية فقد جعل الله الانسان كائنا مكلفا ومسئولا عن عمارة الارض وبناء الحضارة الاسلامية وليست هناك مسئولية دون حرية حتى فى قضية الايمان والكفر التى جعلها الله مرتبطة بمشيئة الانسان فقال تعالى: «فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر» وهكذا تشمل الحرية كل الحريات الانسانية دينية كانت ام سياسية ام فكرية ام مدنية.. ولكل بني البشر!! ويوضح ان نظام الحكم وفقا لما جاءت به تعاليم الإسلام لابد ان يقوم على اساس من العدل والشورى وقد امر الله الناس فى القرآن بالعدل والزمهم بتطبيقه حيث يقول تعالى: «ان الله يأمر بالعدل والاحسان»، وقوله تعالى: «واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل» والآيات فى ذلك كثيرة. ويشير الى ان الشورى مبدأ اساسى ملزم وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يستشير اصحابة وياخذ برأي الأغلبية وان كان مخالفا لرأيه، وكان أوضح مثال على ذلك هو خروج المسلمين لغزوة احد فقد كان الرسول يرى عدم الخروج ولكن الاكثرية كانت ترى الخروج فنزل على رأيهم وخرج وكانت الهزيمة للمسلمين ومع ذلك شدد القرآن على ضرورة الشورى وقال تعالى مخاطبا النبي في سورة آل عمران: «فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر» ولا يلتفت فى هذا الصدد الى رأى قلة من الفقهاء الذين يزعمون ان الشورى غير ملزمة فهذا الزعم مخالف للنصوص الدينية الصريحة. ويؤكد زقزوق أن الإسلام ترك للمسلمين حرية اختيار الشكل الذي تكون عليه الشورى طبقا للمصلحة العامة فاذا كانت المصلحة تقتضي ان تكون الشورى بالشكل المعروف الآن فى الدول الحديثة فالإسلام لا يعترض على ذلك وكل ما فى الأمر هو التطبيق السليم مع المرونة طبقا لظروف كل عصر وما يستجد من تطورات محلية او دولية، مما يؤكد مدى حرص الإسلام على حقوق الإنسان وصيانته وحرصه على التطبيق السليم لمبدأ الشورى أو الديمقراطية بالمفهوم الحديث. كما ان الإسلام اتاح الفرصة لتعددية الآراء واباح الاجتهاد حتى فى القضايا الدينية طالما توفرت فى المجتهد شروط الاجتهاد، وجعل المجتهد الذي يجتهد ويخطئ له اجر والذي يجتهد ويصيب له أجران، والدارس لمذاهب الفكر الإسلامي المعروفة يجد بينها خلافا فى وجهات النظر فى العديد من القضايا ولم يقل احد ان ذلك غير مسموح به، ومن هنا نجد ان الإسلام يتيح الفرصة امام الرأى الآخر ليعبر عن وجهة نظره دون حرج مادام الجميع يهدفون الى ما فيه خير المجتمع والحفاظ على امنه واستقراره. بينما يقول مدير الفتوى ومتابعة الفكر بوزارة الأوقاف الشيخ شعبان عبد الفتاح ان تشدق الغرب باتهاماته الممجوجة للإسلام بانه يعادي حقوق الانسان والديمقراطية والتي لا اساس لها من الصحة والواقع يكذبها، وهي مؤامرة مفضوحة وتعكس الحقد الدفين على الإسلام الذي استغلت الصهيونية العالمية الظروف الحالية للنيل من الإسلام كدين وعقيدة ومن المسلمين باعتبارهم اتباع هذا الدين الذي يعادي الديمقراطية ـ حسب زعمهم ـ حيث ان الله قد خلق الانسان ليكرمه لا ليهينه وقد امر الملائكة أن تسجد له وقرر القرآن الكريم ان الانسان مع بني جنسه اذا صلحوا واستقاموا صاروا عند الله افضل من ملائكة السماء وقد قال الله سبحانه وتعالى: «ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا». ويضيف أن المتأمل في تاريخ البشر يجد أن أناسا كثيرون قد تعرضوا للضياع! وربما قضى عليهم الجوع!! بل وربما فقدوا حقوقهم المادية والأدبية وان الذى انزل بالبشر هذه الكوارث هم بعض البشر ممن لديهم فضول سلطة او ثروة واستغلوا سلطانهم وغناهم في ايذاء الاخرين فقد مضت قافلة البشرية من قديم تتعسف الطريق وتكابر الوحي وتعارض الإنصاف وتدفن الأخلاق وتفرض الأهواء حتى جاء رسول الإسلام واستطاع نفر من أتباعه من اولى العزم وحماة الحقوق ان يقلموا الأظافر الحادة، وان يروضوا الطبائع النهمة، وان يضعوا دساتير حسنة ترد المظالم وتحمي الضعاف وتصون الحقوق في أسلوب مفصل أوحت به سلسلة التجارب الطويلة في محاربة الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي والانحراف الاخلاقي.. وعندما ننظر الى المواد التي تضمنتها هذه الدساتير نعرف بدقة ما هي الحقوق التى يحتاج اليها الإنسان والتي لا يزال الكثيرون يشكون فقدها! ويشير الى أن المادة الاولى فى الميثاق العالمي لحقوق الانسان تنص على ان الناس يولدون احرارا يتساوون في الحقوق والواجبات وهي نفسها الكلمة التي نطق بها عمر بن الخطاب الفاروق ارتجالا بلا اعداد ولا تكلف بل انطلاقا من التربية الاسلامية النبوية له ولاصحابه واستجابة للفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها. ولكن هذه الكلمة ظلت دهرا نظرية خيالية في بلاد الغرب حيث كثير من الناس ولدوا ولهم حقوق ليست لغيرهم وأكثر منهم ولدوا مثقلين بواجبات ليست على غيرهم وعاشوا ناكسي رؤوسهم لفرط ما حل بهم من مظالم وقهر واستعباد ومآس لا حصر لها بسبب الطبقية البغيضة في الغرب وغيره من الامم بالرغم من ان الله ـ وهو المقتدر الاعلى ـ لا يظلم احدا فى الملكوت الذى تفرد بحكمه وقال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا.. { ومع ذلك فان مُلاك السلطة والثروة دأبوا على الظلم وعلى تقييد الجماهير بالدساتير والمواثيق التى وضعت نصوصها لقهرهم وتكريس الظلم الذي عم البشرية الا ان فجرا جديدا لحقوق الانسان واحترام الكينونة البشرية وآدمية السادة والعبيد والغني والفقير، والنبيل والحقير والوزير والغفير جاء مع اشراق فجر الإسلام وميلاد الدين الجديد الذي جاء به محمد بن عبد الله للبشرية ومنذ ذلك الحين لمست البشرية أن حقوق الإنسان ولدت فى ديننا مع النطق بكلمة التوحيد فعندما نؤمن بالله الذى لا يُعبد غيره ولا يُشرع سواه عندئذ تسقط الوثنيات كلها عقائدية كانت او سياسية او اجتماعية ويمتلك الانسان صك حريته على يد الإسلام ورسول الإسلام وتعاليم الإسلام!! ويقول الشيخ شعبان إننا نلحظ ان القرآن كرر قصة فرعون مع موسى بضع عشرة مرة وذلك لان الفرعنة والاستبداد وانتهاك حقوق الانسان مرض نفسي شائع بين الحكام المستبدين في كل مصر وعصر وإذا تاملنا قول الفرعون كما جاء في القرآن: «ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد»، وقوله للسحرة لما آمنوا بعدما شهدوا معجزة موسى: «آمنتم له قبل أن آذن لكم انه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن آينا اشد عذابا وابقى» ان ذلك الفرعون المستبد السخيف يرى أنه لا رأي إلا رأيه!!.. فهو وحده الذي يصنع القرار! ويرى أن من اعتنق رأيا قبل أن يستأذنه مخطئ ومتمرد!! ويرى انه ملك الضمائر والسرائر والناس عبيد إحسانه..!!ولكي تتقي الإنسانية هذه اللوثة شددت الدساتير الحديثة في أمر «الديمقراطية» الشورى وإلزام أولي الأمر بها كما وضعت قيودا حديدية على التصرف فى المال العام ومنع العبث فيه وذلك بعد ثورات عظيمة ودماء لا حصر لها أريقت من اجل الحصول على هذه الحقوق مطلع القرن التاسع عشر..كما وضعت قوانين صارمة لحق كل إنسان في محاكمة عادلة فلا يحبس او يعتقل او يؤذى زورا وطغيانا، و إنما يبقى إنسان مصونا حتى يصدر القضاء النزيه حكما عليه فيؤخذ به وحده وفقا للمبدأ الاسلامي في قوله تعالى: «ألا تزر وازرة وزر أخرى..»،. وقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في العدل وحفظ حقوق الانسان عندما راى وحشيا الذى قتل عمه حمزة ـ احب الناس اليه ـ فما استطاع ان يسئ اليه بكلمة بعدما اسلم، كما رأى عمر بن الخطاب رئيس الدولة الاسلامية آنذاك رجل كان قد قتل أخاه في الجاهلية ثم اسلم فقال له عمر : والله لا احبك.. فسأله الرجل.. أذلك يمنعني حقي يا أمير المؤمنين ؟.. قال لا.. فرد عليه الرجل.. لا حرج إذن إنما يأسى على الحب النساء!! ويدلل فضيلته بكل ماسبق على ان سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتقاليد الخلافة الراشدة كانت نموذجا ايجابيا لاحترام الإنسان والمحافظة على حقوقه.. حيث كان النبي «صلى الله عليه وسلم» يدعو من له مظلمة عنده ان يقتص منه ويأخذ حقه وكان خلفاؤه كذلك، وقد رفض الخليفة الثالث عثمان بن عفان ان يستنفر اهل المدينة ـ خصوصا قبيلته ـ للدفاع عنه حقنا لدماء المسلمين في مواجهة من استباحوا دمه!! ولو كان في الحكم رجل آخر لأهلك نصف الناس للدفاع عن شخصه ـ كما نرى في العصر الحديث ـ!! ففي هذه البيئة الحرة تربى الرجال الذين هدموا القيصرية والكسروية واستمع التاريخ الى رجل منهم يقول في ارض فارس: (جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد الى عبادة الله وحده، ومن ضيق الأديان الى سعة الإسلام)!! فكانوا يدركون أن الوجه الآخر لكلمة التوحيد هو حقوق الإنسان.. الإنسان الذي لا ينحني إلا لربه وحده! ويؤكد أن للإنسان حقوقاً سياسية كفلها له الإسلام تجعله ينتقد أي خطأ من السلطات كلها علياها ودنياها دون ان يلحقه ضرر وله ان يتولى اى منصب تؤهله له كفايته دون عائق واساس ذلك انه ليس لأحد بعد رسول الله عصمة تعلو به على النقد، كما ان المناصب أمانات ينالها الجدير بها ويبعد عنها من لا يستحقها. القاهرة ـ مجاهد المليجي: