الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 يتعلم الصغار منذ نعومة أظفارهم في رياض الأطفال نشيد يقول: التمساح .. التمساح .. يعيش في الأرض يعيش في الماء .. احذروا منه هذا الغدار.. وبالتأكيد لم يأت هذا النشيد من فراغ فالتماسيح واحدة من أشرس الحيوانات مكرا وغدرا وهي بالفعل شرسة مثيرة للرعب. صفات المكر تكرس في هذا الحيوان منذ ولادته فهو يجيد المراوغة والتمويه وخداع ضحاياه ويتقن التنكر والأختفاء رغم ضخامة حجمه من خلال الغور في الطين والماء كما انه يستطيع تغيير خلايا جلده بسرية مطلقة حيث تتحلل بشرته الخارجية باضطراد ولكنها تنمو بسرعة شديدة من جديد وتحتوي حراشفه على صفائح عظمية صغيرة تؤمن له المزيد من الصلابة والحماية. ولعل أكثر ما أشتهرت به التماسيح هي ذرفها للدموع حيث تناقلت الأساطير منذ عهود قديمة في حكايات عديدة عن شفقة ورقة قلوب التماسيح أو ربما عن نفاق هذه الحيوانات وكذبها وبالفعل فقد أكدت الدراسات والشواهد بأن الدموع غالبا ما تنهمر من عيني التمساح في الوقت الذي يكون فيه مشغولا بالتهام فريسته ومن هنا جاء الانطباع السائد عن دموع التماسيح وأثبت علماء الحيوان في نهاية الأمر بأن التمساح ليس رقيق القلب ولا كاذبا فهو لايستطيع البكاء أصلا لعدم وجود غدد دمعية في جسمه وان كل ما يظهر على وجهه من دموع ليست سوى افرازات آلية لعملية نزع الأملاح من الطعام الذي يتناوله فغالبا ما تفشل الكليتان لدى التمساح في معالجة الكمية الكبيرة من الأملاح التي تدخل الى جسمه مع الطعام ولهذا تقوم غدد خاصة لديه بالقرب من العينين بمساعدة الكليتين في هذه المهمة حيث تقوم هذه الغدد بفصل الأملاح ومن ثم حلها بالمياه التي تطرحها خارجا فيما بعد على شكل دموع كاذبة . والتمساح الذي يعد واحدا من أخطر الزواحف وأكثرها مكرا يمضي قسما كبيرا من وقته في مجاري المياه فيما يقضي القسم الآخر على الشواطيء والضفاف وهو بطيء الحركة ثقيل الهمة على اليابسة لكنه ينطلق بسرعة البرق في الماء وضربات ذنبه المفلطح الجانبية تدفعه الى الأمام بسرعة كبيرة ..هذه المواصفات جعلت البعض ينصبه رئيسا لسكان الماء وتم وضعه في مقام الأسد على الأرض والعقاب في الهواء. ومع قساوة قلب التماسيح وشراستها الا انه ومع بداية موسم الربيع يبدأ موسم الحب لديها فيبدأ الذكر في التقرب من الأنثى حتى تضع بيوضها التي تصل الى 100 بيضة والغريب ان أنثى التمساح لا تحضن بيوضها على الأطلاق حيث تتركها تحت رحمة الأشعه الشمسية التي تتولى عملية الحضن. وعندما تبصر التماسيح الصغيرة النور تكون قد باتت قادرة على التمكن من ضحاياها وهي تنمو بسرعة حيث يمكن للقاطور (التمساح الأمريكي) أن ينمو 30 سم خلال السنة الأولى اذا توافر له الغذاء الكافي .. وغالبا ما يصل طول التماسيح الى 6 أمتار. التماسيح بمختلف أنواعها مثيرة للرعب فهي تلتهم ضحاياها الصغيرة دفعة واحدة وتمزق الكبيرة منها قطعا قطعا قبل البدء في التهامها واطلاق صفة المكر عليها لم يأت من فراغ فهي تستطيع التمويه وخداع ضحاياها واذا صادف ووجدت طريدة على درجة كبيرة من الضخامة فانها تحتفظ بها بعض الوقت تحت الماء وما ان تأخذ بالتعفن حتى تبدأ التهامها. ومن الغريب ان مواصفات الغدر والمكر تكرست في مكونات جسم هذا الحيوان حيث أكد العلماء أن التماسيح تستطيع مهاجمة أي فريسة في الظلام الدامس بفضل أعضاء استشعار على وجوهها تمكنها من الاحساس بأقل تموج في المياه وما ان يدخل شيء الى الماء فان هذه المستقبلات التي تشبه القبة على الفك الاسفل للتمساح تنبهه الى أن وجبته المقبلة قد لا تكون بعيدة المنال. وتتصل أعضاء الاستشعار هذه بالجهاز العصبي لكنها لا تعمل الا عندما يكون رأس التمساح نصف مغمور في الماء وفي الوقت نفسه فان منخرا التماسيح وعيناها وأذناها في مقدمة رأسها ويغطي العين غشاء واق كما أن قصبة الرئة أو أنبوب التنفس لديها قابلة للانسداد وهذا ما يحول دون دخول الماء الى الرئتين عندما تصطاد فريستها أوتلتهمها. وبلا شك فانه من الظلم الواضح الصاق تلك الصفات السيئة بهذا الحيوان في الوقت الذي يتجاهل الكثيرون الأفعال العدوانية التي يقوم بها البشر تجاه التماسيح فالتاريخ يشهد بانه قبل أقل من قرن كانت تعيش ملايين التماسيح من نوعي (الأورينكو) و (الكايمان) في المستنقعات والأنهر بفنزويلا ولكن بعد عشرات السنين من القتل على أيدي الصيادين الذين يبيعون جلودها الثمينة أصبح تمساح الكايمان فصيلة مهددة بالأنقراض حيث لم يبق منه سوى حوالي عشرة آلاف تمساح ولا تزال تماسيح الاورينكو الضخمة التي قد يصل طولها الى 8 أمتار ووزنها الى 600 كيلو جرام مهددة بالأنقراض ولعل صيدها سيظل ممنوعا بشكل دائم. اما تماسيح الكايمان فهي لا تقل خطورة عن الأورينكو فيمكن أن يصل الواحد منها الى35 أمتار ووزنها 220 كيلو جرام وصيدها ليس سهلا اذ يسرق العمال البيوض من الأعشاش على ضفاف الأنهر الرمليه وتفقس البيوض التي توضع في الحضانات بعد حوالي 70 يوما وتربى الصغار في أقنان خاصة لمدة سنه ثم تطلق مجددا في البرية أو المزارع المستنقعية الكثيرة. ويقال أن هذه الوسيلة تزيد من نسبة بقاء الكايمان على قيد الحياة مع أن معظم الفراخ المفقسة حديثا تذهب ضحية الخطف من الصقور وافاعي الأناكوندا والثعالب أما عندما تكبر الفراخ يصبح الأنسان عدوها المفترس الوحيد فأفراد القبائل الهندية المحلية يأكلون البيوض عندما تصبح مصادر البروتين ضئيلة والقانون لا يسمح باتهامهم بممارسة القنص الممنوع. وبوسع الصيادين الذين يستأجرهم أصحاب المزارع لقتل التماسيح بصورة قانونية استخدام الحراب خاصة مع تمساح الأورينكو فهو شديد الخطورة ويؤكد العلماء أنه عدواني جدا حتى الصغار منه الا أن الصيادين لا يقتلون سوى الذكور الكبيرة منه لأن جلده أفخم ولحمه أكثر .. ويباع لحم التمساح الذي له مذاق لحوم الأسماك بحوالي دولارين للكيلو جرام وهذا سعر مرتفع في فنزويلا حيث الحد الأدنى للأجور 260 دولار في الشهر .. ويؤكل اللحم مقليا أو مشويا فيما يباع جلد التمساح الواحد بما قد يصل الى 200 دولارا في السوق العالمية ويبلغ ما يباع سنويا من جلوده حوالي 30 ألف تمساح ويردد محبو لحم التماسيح بأن لحم الكايمان خال من الأمراض وقليل الشحوم ويرون أن الخوف العالمي من مرض جنون البقر يمكن أن يروج لحوم التماسيح. ويجري عادة صيد التماسيح في المستنقعات عندما يكون ضوء القمر خافتا حيث يصوب الصيادون الأنوار القويه الى عيونها فيعمونها ويجعلونها أقل عدوانية. اذن التمساح لقب بالغدار والماكر لأنه شرس أثناء صيد فريسته ليتغذى عليها حتى يضمن بقاءه على قيد الحياة أما الأنسان فانه يصيد التماسيح وهو في غنى عن أكل لحمها ويمكن الاستعاضة عنها بحيوانات أخرى أكثر قابلية للمعدة .. فماذا يمكن أن نطلق على الانسان من ألقاب! واذا كانت التماسيح تذرف دموعها أثناء التهام فريستها فمن يا ترى سيبكي عليها عندما تصبح وجبة مفضلة مشوية أو مقلية لبني آدم ؟!