السبت 11 رمضان 1423 هـ الموافق 16 نوفمبر 2002 دعنا ننطلق مسرعين على طريق استكمال الالمام بالعمليات العشر التي اخترناها كأمثلة دالة على طبيعة الجهد الذي يبذل في اطار الزخرفة المعمارية الاسلامية مع المبادرة الى ملاحظة ان بعض هذه العمليات تتداخل فيما بينها الى حد قد يدفع البعض الى الخلط بينها. غير انه يهمني ان يلاحظ القاريء اننا في واقع الامر نحرص على ان نورد امثلة على كل فن من هذه الفنون تعكس القيمة الكبيرة والاداء المتميز، وفي الوقت نفسه ربما لم تحظ بما تستحق من اضاءة لمعالم الابداع فيها. وقد سبق ان تعرضنا لفنون الترصيع، التكفيت، والتنزيل او التلبيس، فدعنا الآن نستكمل العمليات السبع الباقية، ونستهلها بفهم ما يعنيه التعشيق على وجه الدقة. سحر من خشب في لغتنا الجميلة، يقال عشق (بفتحتين) الرجل عشقا تعلق قلبه بالحب، والعشق فرط المحبة، والعشق (بكسر العين وسكون الشين) الاغرام بالنساء، اما التعشيق او التجميع او التقفيص هو جمع الاجزاء والمفردات في تركيب واحد، تهيئة لعمليات ازواج التعاشق وتثبيته بالغراء وغيره من المواد اللاصقة، ومنه قول اهل المهنة عشق (بتشديد الشين) الشيء بغيره ادخل طرف احد الشيئين في طرف الآخر. بهذا المعنى يمكننا القول ان التعشيق هو تركيب اجزاء الخشب وتثبيتها واحدا في الآخر بواسطة تشكيل مواضع التثبيت لتتزاوج باحكام، وهو كل ازدواج يدخل فيه جزء من الخشب في آخر بثلاثة انواع رئيسية من التعشيق، هي كالتالي: ـ تعشيق ذيل الزاوية: المراد به توصيل الجزءين المسطحين لتكوين ركن او زاوية. ـ تعشيق طرف بطرف: المراد به ما يصفه اهل المهنة بأنه تعشيق قورة على قورة، وهو في جوهر التوصيل بتلامس الطرفين من دون تداخل. ـ تعشيق نصف على نصف: يقصد به توصيل الجزءين مع بعضهما بتعارض كالصليب. ويلفت د. عاصم محمد رزق نظرنا في «معجم مصطلحات العمارة والفنون الاسلامية» الى ان ظهور فن التعشيق كأسلوب لزخرفة المسطحات الخشبية الاسلامية قد بدأ في اواخر العصر الفاطمي في مصر اي خلال القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) حيث ظهرت على التحف الخشبية التي صنعت في هذه الفترة اشكال نجمية وسداسية ذات زخارف نباتية جمع الفنان بعضها الى بعض ليكون الشكل الهندسي المطلوب، ومن البارزة في هذا الشأن التي يعرفها كل من اعتادت قدماه الانطلاق به في العالم السحري للقاهرة القديمة ماتراه العين على محراب السيدة نفيسة المتنقل الذي تزين واجهته حشوات تغطي اسطحها تفريعات نباتية دقيقة تكون كل ست حشوات منها شكلا نجميا، ويعد هذا المحراب اقدم قطعة خشبية يظهر فيها هذا العنصر الزخرفي الهندسي الذي كان جديدا في ذلك الوقت، والذي نعرف جميعا ان استخدامه قد شاع بعد ذلك في العصر المملوكي. في ذلك العصر، اقبل مبدعو الزخرفة على الاكثار من الاشكال الهندسية حتى برعوا في تكوين زخارفها براعة لم يطاولهم فيها نظراؤهم في اي موضع من دار الاسلام، وتتكون هذه الاشكال من حشوات صغيرة تزينها فروع نباتية دقيقة مورقة، تتوسطها اطباق نجمية ذات زخارف نباتية وهندسية دقيقة انتشر استخدامها بشكل خاص في المنابر الخشبية التي صنعت بين القرنين السابع والتاسع الهجريين (الثالث عشر والخامس عشر الميلاديين). ولسنا نشك في ان عشاق القاهرة القديمة بسحرها وفتنتها واسرارها الغامضة يعرفون مدى فتنة مشربياتها التي تعد من التجليات الساحرة لفن التعشيق، وقد تجولت في صدر العمر طويلا في احياء تضم العديد من المشربيات البديعة، فقد ساورنى هاجس يدور حول ان المدينة التي لم يتردد شاعر كبير في وصفها بأنها «مدينة بلا قلب» لن تواصل حنوها على هذه الروائع المعمارية، بل ستبطش بها وانى لاجد في خريف العمر ان ذلك الهاجس كان اقرب الى النبوءة الوحشية التي شقت طريقها الى عالم التحقق. واذا كنا قد رأينا ان دلهى قد فقدت في غضون عقود قليلة اكثر من نصف اثارها المعمارية الاسلامية، فان الكثيرين يتخوفون من ان مدنا كالقاهرة تجمع بين محدودية الاعتمادات المالية المخصصة لاغراض الصيانة وبين انكسار دائرة الترابط بين العمائر الاثرية وبين من يقيمون بين ظهرانيها سواء بحكم عدم الوعي بقيمتها او عدم وجود مصلحة مادية في الابقاء عليها تعد من المدن المرشحة لتكرار هذا السيناريو الكابوسي. المشربية، كما نعلم جميعا، هي كل ساتر من الخشب المخروط المشبك، وهي مشتقة بالطبع من الفعل «شرب» أي المكان الذي يشرب المرء فيه حيث تبرز من الواجهة خرجات صغيرة تغطيها سواتر من الخشب المخروط المشبك وتحفظ في هذه الخرجة القلل الفخارية التقليدية التي تبرد الماء. وتصنع المشربية عادة من الخشب الطبيعي المخروط، يحتوى على فتحات متضامة، وهو ما يمثل اكثر انواع المشربيات شيوعا، حيث تتبادل فيه الاشكال المكعبة، (التي يسميها اهل المهنة الفرخ) والاشكال المخروطة (التي يسميها اهل المهنة العرنسة). ولابداع المشربيات لابد من استعمال قضبان خشبية يمكن خرطها للحصول على سلسلة من المكعبات والبكرات، وتواصل هذه القضبان معا بواسطة بكرات اخرى مماثلة في الحجم تثبت عموديا على المكعبات التي تفرغ فيها نقر لتعشيق البكرات باستخدام لسانين، للحصول على شبكة خشبية بها فتحات متضامة ومنتظمة. واذا كانت المشربيات في القاهرة اشهر من ان نواصل التعريف بها فانني اود ان اصحب القاريء لالقاء نظرة على بعض الامثلة الدالة على الابداع في اطار فن التعشيق. المثال الاول البارز هو ما نجده من تقاليد ابداعية متوارثة لهذا الفن لاتزال متوارثة حتى اليوم في المغرب، حيث يعرف النحات والخراط الذي يصنع المشربيات بـ «المراكي» ومن المعتقد، حسبما يشير اندريه باكار في كتابه «المغرب والحرف التقليدية الاسلامية في العمارة» ان هذا الفن قد وفد الى المغرب من مشرق العالم العربي عبر ما تكفله رحلات الحج من انتقال للفنون والمهارات وألوان الابداع وربما تكون نوعية المشربيات في الشرق افضل وارق، لكن الاسلوب المغربي قد ترسخ منذ قرون طويلة، وقد عرف الفنانون كيف يدمجون بنجاح نظام المشربيات في المنابر والحشوات بالغة الروعة التي تحيط بأمنية المدارس. ولعل من ابرز الامثلة في هذا الصدد ما نجده في المدرسة البوعنانية في فاس التي سبقت لنا الاشارة اليها والتي تعود الى القرن الرابع عشر الميلادي، حيث نجد امثلة عديدة لحواجز مخرمة من خشب الارز المنحوت والمخروط، منها ماهو فوق شبكة ذات تخاريم متضامة، حيث يتراكب زخرف اكثر اتساعا من الخشب الناتيء المصمت على شكل نجوم مثمنة. ومنذ القرن الرابع عشر ايضا، يوجد اسفل عقد من الجص المنقوش في المدرسة عينها اطار باب على هيئة مشربية يغطيه زخرف تشابيك ناتئة، ويشكل حاجزا شبكيا بين المراح والقاعة المخصصة للدرس والصلاة. وفي متحف البطحاء بفاس، توجد مجموعة من المشربيات البديعة، تتميز بزخارفها النموذجية والمتنوعة حيث يلاحظ تباين تكويناتها بشكل يكاد يكون لا نهائيا تقريبا، وكل حشوة من هذه الحشوات التي صبغها الزمن بمسحة القدم تعد عينة من تراكب تشابيك التسطير من الخشب المصمت على حشوة مخرمة ومثالا على تكييف نماذج التسطير التقليدية لشكل زخرفي محدد. وهناك امثلة عديدة على الذرا الرفيعة التي بلغها فن التعشيق في المغرب، منها ما نجده في القصر الملكي بمكناس، وماهو موجود في مدرسة ابن يوسف بمراكش التي تعود الى القرن السادس عشر الميلادي، وتتوقف العين طويلا امام النماذج الموجودة في قصر الشمس بمراكش ايضا، وفي المقر الملكي بتطوان، وفي مسجد القصر الملكي بمراكش كذلك. في هذا النموذج الاخير، نجد ان باب المسجد على شكل مشربية، وعند النظر اليه من الداخل يبدو وكأنه ينحت من الضوء اشكالا ويخضعه لهيئة زخرفية هندسية بديعة، كما يحجب الضوء الساطع المتدفق خارج المسجد، فلا يدخل منه الا بصيصا خفيفا يدفع الى الاعتكاف والتأمل. اما اذا اردت لمحة من فن التعشيق البديع في شرق العالم الاسلامي، فما عليك الا ان تتأمل المشربيات التي تعلو باب ضريح شاه ركن العلم في ملكان والذي يعود الى القرن الثالث عشر، ويلاحظ في هذه الحالة ان النماذج التي تم ابداعها من خلال التعشيق تردد اصداء ترتيبات معينة لتوظيف الآجر. التطعيم يقال في لغتنا طعم (الفتح فالكسر) الرجل اكل شيئا او ذاقه، مصداقا لقول الحق عز من قائل: «ومن لم يطعمه فإنه مني» والطعم ما يميز بالتذوق من الحلو والمر ونحوه. والطعام جمعه اطعمه كل ما يؤكل وما يساغ، بما في ذلك الماء، مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم في زمزم: «انها طعام طعم». وطعم الغصن وصل به غصنا آخر من شجرة مختلفة بغية اشتقاق نوع آخر منه. وطعم الخشب بالصدف ونحوه ركبه فيه للزخرفة والزينة. ومن الجلى ان المعنى الاخير هو المعنى المراد في السياق الماثل بين ايدينا، حيث التطعيم اسلوب زخرفي قوامه تحضير قطع صغيرة مسطحة، مصقولة من العظم او العاج او الصدف بأشكال فنية معينة، ثم حفر الاجزاء المراد تطعيمها بسطوح الابواب والشبابيك والصناديق والمنابر وغيرها، وتثبيت هذه القطع الصغيرة في الاجزاء المحفورة على السطوح الخشبية لتشكيل الزخرفة المطلوبة عليها. التطعيم بهذا المعنى، اقدم عهدا بكثير مما قد يتصوره البعض، فقد عرفت زخرفة القطع الخشبية المختلفة بأشكال نباتية وهندسية مطعمة من الاعمال الفنية التي انتشرت في بلدان الشرق القديم، ثم نقلها اليونان والرومان لتصل الى المبدع المسلم الذي انطلق بها خلال العصر المملوكي الى ارقى الذرا التي بلغها في العصور التي سبقت ظهور الاسلام. وهناك مادتان هما الاكثر اهمية في التطعيم، هما العاج والابنوس وقد استخدمت المادة الاولى في التطعيم سواء منفردة او مع بعض المواد الاخرى، وعلى الرغم من ان المسلمين قد بدأوا في استعمال هذه المادة اعتبارا من العصر الاموي الا ان توظيفها سيغدو غاية في الدقة والابداع خلال القرنين الثامن والتاسع الهجريين (الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين) ولاسيما في تطعيم المنابر والابواب والشبابيك وغير ذلك من العناصر. المادة الثانية البارزة من حيث استخدامها في التطعيم هي الابنوس، وهي كما نعرف نوع ثمين من الخشب الاسود الصلب، لم يشع استخدامه في صدر الاسلام، والنموذج البارز لاستخدامه هو الدرابزين الذي يحيط بالصخرة المشرفة في القدس الشريف، ونجد امثلة لاحقة لهذا الاستخدام في بعض مصاريع الابواب والشبابيك في العهد الفاطمي. ومن الامثلة البديعة للتطعيم بالابنوس في الزخرفة المعمارية الاسلامية اليوم ما نجده في المغرب، وعلى وجه التحديد في القصر الملكي بالدار البيضاء، حيث يطعم خشب الارز المغربي المعروف بصلابته وعدم تعرضه للتعفن بالابنوس المستورد غالبا من مدغشقر ويتوقف نظرنا طويلا عند زخرفة مطعمة بالابنوس هي عبارة عن خطوط كوفية معقودة يملأ التوريق الفراغات المحصورة بينها. العزف على الجص الجص (بفتح الجيم وكسرها) ما يبنى به، وهو لفظ معرب، والجصاص الذي يتخذه، ويقال جصص داره تجصيصا والجص لايعدو ان يكون خاما من كبريتات الكالسيوم المهدرنة، وضربا من الحجارة يطحن ويحرق ليستخدم في البناء ويدخل في تكوينه ايضا الصمغ والكلس ومساحيق الرخام وقشر البيض، ويصب لزجا في قوالب وتغطى به الجدران والاسقف بعد اكتمال جفافه. من الناحية التاريخية، عرفت العمارة الاسلامية هذه المادة وتوظيفها في البناء والزخرفة منذ العصر الاموى، على نحو ما يبرز في قصر الحير الغربي. الذي يعود الى القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) واستمر هذا الاستخدام في العصر العباسي على نحو ما نلمس في سامراء بالعراق وجامع ابن طولون في مصر، وامتدادا الى الشمال الافريقي على نحو ما نلمس في جامع القرويين بفاس في المغرب، ثم يحلق الى ذروة فريدة في واجهات قصر الحمراء بغرناطة. وخلافا لما يخيل للمرء لاول وهلة من ان الجص مادة هشة لايتاح لها الصمود طويلا فان علينا ان نتذكر ان هذا الاصطلاح يرتبط باصطلاحين مهمين اولهما الجبس الزجاجي، وهو مؤلف من الجبس وهو ضرب من الحجارة يطحن ويحرق للاستخدام في البناء والزخرفة ومن الزجاج، وهكذا فنحن امام نوع ممتاز من الجص سريع الشك لايتفتت عند تجمده الا بصعوبة بالغة وقد استخدم في العديد من المباني المملوكية كمونة لتثبيت الطوب او الحجر الذي شيدت به جدران هذه المباني كما استخدم كوسادة او ارضية للصق الرخام وبلاطات القاشاني المستخدمة في التزيين. اما المادة الثانية فهي البياض وهو ملاط ابيض ناعم استخدم في الابنية الاسلامية المبكرة والوسيطة لتكسية الجدران وتسويقها ووقايتها ونقش الزخارف المختلفة عليها. والتجصيص هو الفن الذي قدم لنا روائع مذهلة تتعدد طبقاتها وألوان زخارفها على نحو يجعلنا لانتردد في القول ان الفنان يعزف انغاما عبر ابداعه لاتزال تتردد في مسامع الدنيا عبر القرون ومن شبه الجزيرة الايبيرية حتى مشارف الصين فدعنا اذن، نفصل القول بعض الشيء في هذا الفن الزخرفي الرائع. ومبدع هذا اللون الفني ليس شخصا واحدا، وانما هو لتعقيده وما يقتضيه من جهود يضم مجموعة من الاختصاصيين الذين يتولى كل منهم جزئية واحدة من هذا الفن، لايغيرها غالبا طوال عمره، وهكذا فنحن في التقاليد الابداعية المغربية التجصيص الذي نراه يسحر العيون ويخلب الالباب في نهاية المطاف، وهي: 1ـ الغرابلي: وهو القائم بغربلة الجص لايتجاوزها الى غيرها من الخطوات. 2ـ العجان: وهو القائم بعجن الجص ومهمته معقدة لان العجينة تتألف من ثلث من الجبس وثلثين من الماء. 3ـ الطراح: ومهمته هي طرح الجص على الجدران. 4ـ الغبار: وهو الذي يطبع الرسم على الجدران. 5ـ النقاش: وهو نحات الزخرف. 6ـ الخلاص: وهو الذي يجرى التشطيبات النهائية للاطمئنان على كمال العمل الذي اشترك الفريق في انجازه اذا كان الجص الزخرفي يستخدم في التقاليد الاوروبية المعمارية في صورة قوالب مسبقة الاعداد تركب وتشذب بعد تركيبها، لكنها لاتنحت مطلقا في مكانها، فان التقاليد المعمارية والزخرفية الاسلامية تركز على ابداع الجص في موضعه النهائي، مما يجعل هذا الفن وليد ازاميل المبدعين وعرقهم الذي ينهمر طويلا. لكي نتصور طبيعة ما يقومون به لابد من ان نعرف انه حتى اذا اريد للجص ان يغطي مساحات كبيرة، فانه يعد في صورة دفعات متتالية وبكميات صغيرة، حيث ينخل الجص نخلا جيدا وبعجن باليد باتقان بالغ وصبر شديد للتخلص حتى من اصغر الشوائب والى ان تصل العجينة الى القوام الممتاز المطلوب، وعندئذ يسلمها العجان يدا بيد الى الطراح الذي يضع الجص على المساحات المراد زخرفتها في صورة طبقات سميكة، ثم يستخدم الادوات التقليدية في صقل سطحها، وهذه الادوات تختلف اسماؤها من مكان الى آخر لكن ابرزها المكشطة، المليسة، والمجصة، على نحو ما يقال لها في المغرب العربي. المبدعون يختلفون هنا يلفت نظرنا ان سمك طبقة الجص يتوقف على طبيعة العمل الابداعي النهائي المطلوب تنفيذه وبصفة عامة يتراوح السمك بين 3 الى 4 سنتيمترات لكنه في المساجد الجامعة والقصور قد يبلغ عمق النحت 18 سنتيمترا. بعد انتهاء عملية الطرح بما تقتضيه من الصقل المتقن يأتي دور الغبار الذي يتعامل مع الجص وهو لايزال رطبا حيث يبدع الزخرفة المطلوب تنفيذها وغالبا ما يستخدم نموذجا او رسما مثقبا او يرسم مباشرة على الجص باستخدام ادواته ومنها المرسام والفرجار وغيرهما، وهو يحترم التخطيطات الناظمة، واذا استخدم قالبا مفرغا من الورق يحمل الزخارف المطلوبة فانه يمسك القالب بيد، وباليد الاخرى يضرب عليه بكيس مملوء بمسحوق اسود. هنا يأتي دور النقاش او النحات، وهو دور بالغ التعقيد، ويكفي ان ندرك انه على الرغم من تراكم تقاليد فنية اسلامية فيما يتعلق بهذا الفن الاسلامي العريق، على امتداد كل هذه القرون، الا ان النقاش لايزال يتواصل في العديد من ارجاء العالم السالامي حول قواعد النحت في الجص، فبعض المبدعين يرى ان النحت في الجص لابد من ان يتم على مستوى عمودي على مستوى الجدار، وبالمقابل يرى غيرهم ضرورة النحت بميل متجهين الى اعلى. وهم يقولون في معرض تبريرهم لهذه الطريقة ان النقاش او النحات يؤثر اتباع هذا النهج لاتاحة المجال لمتابعة زاوية النظر للمشاهد الذي يقف في مركز بيت الصلاة او القاعة او الغرفة. ويرد عليهم المبدعون القائلون بالنحت المتوازى بالتأكيد على ان النحت المائل لايعكس حرصا على الفن، وانما انصياعا لمنطق الاستسهال لان الحفر في هذه الحالة الاخيرة ابسط من الحفر العمودي. غير انه من الناحية العملية كثيرا ما يلتقى المرء بهذين النوعين من طرق الابداع معا، وقد يجدهما في بطن عقد باب واحد، ومع ذلك فانه على عكس ما يوحى به هذا الخلاف، يعد فن التجصيص من اكثر فنون الزخرفة الاسلامية محافظة على التقاليد، ويستغرق تعلم اصوله سنوات طويلة وحتما في عصر السرعة الذي نعيش فيه اليوم فانه لايحق للمتعلم او المتدرب ان يرتقى الصقالة قبل انقضاء عدة سنوات على بدء تعليمه. اذا انتقلنا الى مرحلة ضرب الامثلة الدالة على الاعمال الجصية التي خلدها تاريخ الزخرفة المعمارية الاسلامية فان المرء تدركه حيرة حقيقية، ترى ماذا يأخذ وماذا يدع؟ بل من اين يبدأ؟ الى اي بقاع دار الاسلام يرحل بخياله ويحلق بناظريه؟ ربما كان اول ما يرد على البال والخاطر، في هذا الصدد، هو جامع ابن طولون، فنحن نعرف ان نوافذ هذا الجامع المئة والثماني والعشرين قد حرص مبدعوها على تماشي تكرار الصيغ الزخرفية فيها فكل منها تختلف عن الاخرى في تصميمها وزخارفها وهذه النوافذ كما وصفها المهندس فريد شافعى: «الواح من الحجر او الرخام او الجص، زخارفها فراغات تحيط بها اطارات ذات اشكال هندسية او نباتية او كتابية، وبعد ان كانت تلك الالواح مفرغة تماما تطورت الى وضع قطع من الزجاج الملون تسد الاجزاء المفرغة، يتجلى جمالها اذا شوهدت من داخل الاماكن التي وضعت في جدرانها، واطلق على هذا النوع من الزخارف اسم الشمسيات». الامر لايقف عند هذا الحد، فالحرص على تماشى تكرار الصيغ الزخرفية في هذا الجامع لايقف عند تلك النوافذ، بل يمتد الى العقود الاخرى، التي تتنوع بطونها في الرواق الغربي للجامع، فلا تتكرر اي صيغة زخرفية على الاطلاق ومن ثم يتحقق التنوع المطلوب من الناحية الجمالية، وهكذا تتكامل العمارة والزخرفة في ابراز القصد الفني. فاذا شئت الانتقال الى المغرب، حيث يشهد هذا الفن نهضة مدهشة حقا تضرب جذورها في التقاليد الزخرفية العريقة، لوجدت نماذج عديدة باهرة، منها على سبيل المثال محراب مسجد مولاى اليزيد، حيث تصافح عيناك عقدا مقوسا ذا مركزين محاطا بافريز مستطيل مزخرف بالكتابة، والقوس مفصص تتولد عن فصوصه سلسلة متتابعة من شمسيات صغيرة مزخرفة بالخط الكوفي والتوريق وتحدد فتحة العقد. ويوجد في كل ركن قرص مزخرف بالتوريق يحل محل زخرف الاصداف التقليدي. وترى نسقا لونيا جميلا يتدرج بألوان الباستيل من الأخضر اللوزى الى الوردي الفاتح، على الافريز الذي يحيط بالعقد والركنين، بينما ينشر شريط مزخرف بالكتابة الكوفية قوائم من حروف بيضاء على خلفية ذات ألوان لا تقل رقة عن سابقاتها. اما اذ اردت نموذجا مغربيا احدث عهدا يدل على مدى روعة التجصيص المغربي، فامض الى مسجد ضريح محمد الخامس، وتأمل التيجان المعاصرة المبتكرة هناك، حيث افسح الشريط المحنش التقليدي مكانه لتشابك معقد من الزخارف العربية الكوفية البديعة والتوريق، التي تمتد من عنق العمود الى رأسه وفي وسط قمة كل واجهة من واجهات التاج الاربع كتب لفظ الجلالة. ونلاحظ شمسيات ذات زخرف كوفى ولها عقودها المقرنصة الخاصة بها تتوسط المسافة بين التيجان ورقبة القبة، تبرز فوق الجذوع البسيطة المكسوة بالزليج زخرفا سقفيا بديعا يشد اليه الانظار بقوة آسرة لاتقاوم. اخيرا، فانني لا اعرف كيف يمكن الحديث عن التجصيص من دون الاشارة مجرد الاشارة، الى دور هذا الفن في الكمال الزخرفي الباهر الذي يتسم به قصر الحمراء في غرناطة، حيث يبلغ هذا الفن ذروة رفيعة من ذراه النادرة في فناء قاعة الاسود،حيث يحول مبدعو فن التجصيص العناصر المعمارية فاذا بها تغدو رقائق من جص ينفذ منها النور