السبت 11 رمضان 1423 هـ الموافق 16 نوفمبر 2002 يقول سبحانه في كتابه الكريم : (فطوعت له نفسه ) يعنى : إنه لا يزال فيه بقية من آثار النبوة لأنه قريب من آدم ولا تزال المسألة تتأرجح معه والشر من الأخيار ينحدر والشر في الأشرار يصعد. فقد تأتى لرجل طيب وتثير أعصابه فيقول: إن رأيته لأضربنه رصاصة أو أصفعه صفعتين أو أوبخه والشرير يقول: والله إن قابلته أبصق في وجهه أو أضربه صفعتين أو أضربه رصاصة. إذن... فالشر عند الشرير يتصاعد ويجد العملية لا تكفى للغضب عنده فيصعدها. إنما النفس الخيرة تنفس عن غضبها وبعد ذلك ينزل عنها بكلمة ولذلك نلاحظ في سورة «يوسف»: (إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة). والعجيب أنهم جاءوا بالتعليل الذى ضدهم كى يعرفك أن الهوى والغضب والحسد والحقد تقلب الموازين ( ونحن عصبة) هذه تدل على أنهم أقوياء. وهى التى جعلت آباه يعقوب يعطف على يوسف الصغير. «ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا» نعم لأنه صغير ولذلك سألوا العربى : مالك تحب الولد الصغير؟ قال : لأن أيامه أقصر الأيام معى، البكر مكث معى طويلاً فأنا أعوض للصغير الأيام التى فاتته ببعض الحب وأعطيه بعض الحنان. قولهم :(ونحن عصبة) هذه ضدهم مما يدل على أن الرجل ساعة تختلط عليه موازين القيم، يأتى بالحجة التى ضده ويظن أنها معه ! وبعد ذلك يقولون :( إن أبانا في ضلال مبين ) ! واتفقوا فبدأوا بقولهم : (اقتلوا يوسف) ثم قالوا : (أو اطرحوه أرضاً). ولأنهم أسباط وأولاد يعقوب تنازلوا عن القتل والطرح في الأرض وقال قائل منهم : (لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابث الجب يلتقطه بعض السيارة) «يوسف :10». وهل يرتب أحد النجاة لمن يكرهه ؟ كأن النفس مازال فيها خير فأولاً قالوا : ( اقتلوا يوسف) هذه شدة الغضب ثم قالوا أو :( اطرحوه أرضاً) ثم تأملوا وتفكروا وقالوا لو طرحناه أرضاً فقد يأكله حيوان مفترس حينئذ قال واحد منهم : (لاتقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة ) «يوسف :(!». إذن... فالأخيار تتنازل. وقوله تعالى : (فأصبح من الخاسرين ). ونحن نعرف الخسران في التجارة لأن هناك مكسباً وهناك خسارة و«المكسب» أى جاء رأس المال بزيادة عليه و«الخسارة» أى أن رأس المال قد قل فلماذا قتل أخاه وكان أخوه الوحيد وكان يأنس به في الدنيا؟ إن هذا حدث من حكاية الزواج. فقد أراد أن يأخذ أخته الجميلة ويترك الأخرى ولما قدما القربان ولم يقبل منه تصاعد الخلاف وقتل أخاه، إذن.. ففقد رأس المال بينما كان يريد أن يكسب (فأصبح من الخاسرين). ولما قتله لم يعرف كيف يوارى جثته وعجز عن معرفة كيفية إخفاء الجثة : (فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يوارى سوءة أخيه قال ياويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخى فأصبح من النادمين ) «المائدة :31». والسوءة : هى ماتكرهه النفس. وسميت «العورة» سوءة لأنها تكره. وقوله :( فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ). هل بعثه الله حتى يرى قابيل كيف يوارى سوءة هابيل أم أن الغراب هو الذى سيقول له ؟ كلا الأمر متساو لأن ربنا هو الذى بعث فإن كنت ستنتظر للوسيلة القريبة فيكون الغراب وإن كنت ستنظر لوسيلة الباعث يكون هو الله فالمسألة كلها واصلة لله والإنسان حين تنسب الأسباب يجدها كلها من الله. وها هو قابيل يقول : (ياويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب) كأن عملية الغراب أظهرت لقابيل أنه لم يعرف شيئاً يفعله الطائر الذى أمامه فها هى مسألة يفعلها غراب ولا تفعلها أنت ياقابيل لقد امتلكت قدرة لتقتل بها أخاك لكنك عاجز أن تفعل مثل هذا الغراب. فقابيل لا يقولها - إذن - إلا بعد أن مر بمعنى نفسى شديد قاسٍ على وجدانه. لقد قدر على أخيه وقتله وهو لم يعرف كيف يواريه بينما عرف الغراب كيف يوارى جثة غراب آخر. وهكذا أصبح قابيل من النادمين ( فأصبح من النادمين). إن علينا أن ننتبه إلى الفارق بين «ندم»و«ندمٍ» مثل إنسان قد جرؤ على حدود الله وشرب الخمر بالنقود التى كان عليه أن يشترى بها طعام الأسرة. وعندما عاد إلى منزله ووجد أهله في انتظار الطعام ندم لأنه شرب الخمر فهل كان ندم الرجل على أنه عصى الله أو ندم لأنه لم يشتر الطعام لأهله ؟ لقد ندم على عدم شراء الطعام وذلك ندم مرفوض ليس توبة. وقد يكون هذا الشارب للخمر قد ارتدى أفخر ثيابه وخرج فشرب الخمر ووقع على الأرض وهنا ندم لأن شرب الخمر أوصله إلى هذا الحال، فهل ندم لأنه عصى ربه ؟ أو ندم صار هزأة بين الناس؟ وكذلك كان ندم قابيل لقد ندم على عجزه لأنه لم يعرف ماعرفه الغراب.