السبت 11 رمضان 1423 هـ الموافق 16 نوفمبر 2002 عاشت مدينة خان يونس احداث عظاماً خلال العصور الماضية فيما تشهد حاليا الاعتداءات الصهيونية على الشعب والارض والممتلكات في مناطق السلطة الفلسطينية بالضفة الغربية وقطاع غزة. هذه الاحداث خلفت تاريخا مليئا بالفعاليات والممارسات على مخلتف الصعد فمنها الاقتصادي والسياسي والتاريخي والنضالي والثقافي....الخ، من هذا المنطلق لابد لنا من التعريف بهوية تلك المدينة من خلال التعرض لابرز اماكنها الشهيرة التي لعبت دورا بارزا في التحولات التي شهدتها الاراضي الفلسطينية طوال السنوات الغابرة. ومن تلك الاماكن قلعة خان يونس الشهيرة الذي تحدث عنها باسهاب ابنها الدكتور محمد علي عمر الفرا في كتابه المعروف «خان يونس.. ماضيها وحاضرها». ويقول الدكتور محمد علي عمر الفرا «في عهد السلطان برقوق أنشئت قلعة خان يونس حين كلف الامير يونس الداوادار ببناء خان (سوق) على هيئة قلعة حصينة. والداوادار وظيفة هامة في ذلك الوقت تعادل كما يقول«صبح الاعشى» وظيفة السكرتير الخاص للسلطان. الذي يخرج من قلعة الجبل فوق المقطم ويربط مصر بالشام إذ طالما مر عليه قبل ان يتولى السلطنة. ويبدو انه ادرك اماكن الخطر عليه وتبين المواقع الهامة على طوله. وقد آثار انتباهه بعض المواقع التي تتعرض للإغارة من قبل البدو والاعراب وبخاصة الموقع الذي اقيمت عليه خان يونس. وقدر بأن المهمة ليست سهلة ولذا كلف يونس الداوادار بها. وكان يونس في الاصل مملوكا شرفيا للسلطان برقوق حيث كما يقول ابن إياس قرره في الداوادارية الكبرى، وذلك في صبيحة يوم الاثنين24 رمضان784ه. وكان مقربا جدا من السلطان برقوق يحضر معه جميع المناسبات ويشرف على كثير من المهام الخطيرة، وكان عضوا في التجريدة(الحملة العسكرية) المخصصة إلى حلب. اعتبر يونس تكليف السلطان له ببناء الخان الذي عرف فيما بعد باسمه شرفا كبيرا خصه به برقوق على سائر الامراء المقربين اليه. فقد كان هذا الخان بعد ان تم بناؤه في عام 789هو1387م كما ذكرنا سابقا، وبشهادة المؤرخين امثال المقريزي(766-845ه1365-1441/م) اكبر وافضل خان من الخانات المقامة على الطريق من مصر حتى حلب. ونمط بناء الخانات يكاد يكون واحدا مع وجود اختلافات بسيطة من خان آخر حسب ظروف واحوال ومتطلبات المكان الذي هو فيه. ففي معظم الخانات المقامة في المدن يشتمل الخان على غرف للنوم ينام فيها المسافرون والتجار واسطبل للدواب، وساحة او حوش يستخدم كسوق يعرض فيها التجار بضائعهم. وهذا النمط من الخانات يتمثل في«خان الزيت» في مدينة غزة والذي كان يقع في شارع عمر المختار مقابل المسجد العمري الكبير تقريبا. وقد هدم هذا الخان في الستينيات من هذا القرن، واشترى ارضه شخصا من آل «ابو رحمة» وانشأ عليها بناية تحتوي على دكاكين ومحلات ومكاتب تجارية. اما الخان الذي انشأه«يونس الداوادار» بامر مولاه السلطان برقوق فكان نمطا آخر يختلف عن كثير من الخانات المقامة في المدن. انه اشبه بمدينة صغيرة او قلعة حصينة لها اسوار عالية، وابراج يشرف منها الجنود على المنطقة بكاملها يطلقون السهام او النيران من فتحات فيها على الاعداء والمهاجمين، ويتابعون سير البريد والقوافل في اثناء قدومها وخروجها، ولذلك فان تسمية هذه القلعة بالخان يثير الالتباس إلى حد كبير. واني ارى بانه كان من الافضل ان يطلق على هذا الخان«قلعة يونس» بدلا من«خان يونس». ويبدو ان القبائل البدوية كانت ولا تزال على حق حينما تطلق على جميع سكان خان يونس«القلاعية» أي نسبة إلى القلعة. كما ان بعض العائلات التي رحلت عن خان يونس واستوطنت اماكن اخرى في فلسطين كانت تعرف باسم«قلعاوي». وقد حدثني رجل الاعمال المرحوم«حسين قلعاوي» ، بأن عائلته التي كانت مقيمة في مدينة حيفا نزحت من موطنها في خان يونس، وان التسمية منسوبة في الاصل إلى قلعة خان يونس. ويؤيد ذلك ما نقله «مروان ابو خلف عن»هاملتون «R.W.Hamilton الذي زار خان يونس عام1943م، وعلق على مخطط الخان قائلا «يختلف مخطط الخان عن غيره من الخانات المعروفة من ناحيتين: اولهما ان البنايات يفصلها زقاق محوري على هيئة سوق. وثانيهما ان الغرف تبدو مجمعة في وحدات تحتوي كل وحدة على غرفتين وباحة صغيرة. ومع ذلك فانه لا يمكن التأكد من ان هذا المخطط يمثل التصميم الاصلي للخان، وبخاصه انه لا يوجد ما يوازيه او يناظره في عصر المماليك. انه من الصعب حقا القول ما اذا كانت البناية المركزية اصلية او انها اضيفت لاحقا، إذ ان بعض الخانات العثمانية تحتوي على بنايات في الباحة المركزية الداخلية». وعلى اية حال فقد استطاع«ديمتري برامكي» وهو من كبار رجال الآثار العرب في فلسطين ابان الانتداب البريطاني ان يرسم اول مخطط لهذه القلعة في الثلاثينيات من هذا القرن. وهذا المخطط محفوظ الآن في قسم «ارشيف فلسطين» في متحف آثار روكفلر بالقدس. وقد اعتمد الباحث «مروان ابو خلف» على هذا المخطط في وصفه للقلعة في بحثه القيم «خان يونس»، وخانات فلسطين كان شكل القلعة ربعا طول كل ضلع من اضلاعه85.5 مترا، وتتخذ زواياه اربع نقاط رئيسية من البناء تشير كل زاوية إلى جهة من الجهات الاربع. وتدعم هذه الزوايا ابراج دائرية، ولا تزال بقايا البرج الجنوبي الغربي باقية إلى الآن. وتتألف القلعة من طابقين، الطابق الاول يحتوي على اصطبلات للحيوانات، ومخازن للسلع والبضائع، وسوق يعرض فيه التجار سلعهم، اما الطابق العلوي فكان مخصصا للضيوف ويشتمل على غرف وقاعة كبيرة(ديوان) يلتقي فيه الناس، ومسجد للصلاة. والخان حاليا شبه مهدم فيما عدا القسم الامامي منه والذي يحتوي على الواجهة مع البوابة او المدخل الرئيسي والجامع ومئذنته. وتقع هذه الواجهة في الجانب الغربي ولا تزال الجدران وبعض الابراج باقية. ومنها برج يقع في الزاوية الجنوبية الغربية من القلعة، ولم يقم احد من المسافرين برسم كامل للواجهة فيما عدا «برجزBriggsz الذي قام بعمل رسم كروكي للبوابة. وفي نهاية القرن التاسع عشر اخذت صورتان للواجهة كانت الاولى للجانب الجنوبي من الواجهة وقد اخذها«موزيل» Musil. اما الثانية فقد التقطها«هيرمان ثيرتش»Thierch باتجاه الجهة الجنوبية الغربية، والتي تبين البرج والجدار الشمالي للواجهة، وتظهر كذلك عن القبة والمئذنة والمسجد. وتتكون البوابة الرئيسية من قسمين: خارجي وداخلي. ويحتوي القسم الخارجي على قوس مدبب يحيط به قالب(مصبوب). ومن الملاحظ ان حجارة عقد البوابة مقطعة تقطيعا جيدا وتختلف في الترتيب فمرة بشكل فردي وأخرى بشكل زوجي. وتحتوي البوابة الرئيسية على باب مجوف عرضه ستون سنتمترا. وهناك ثلاثة نوافذ فوق المدخل تحتوي كل منها على عتبة رخامية تعلوها رواسب كلسية على هوابط افقية. وعلى جانبيه مجموعتان من النصوص العربية المنقوشة، وشعارات(رنوك) محفورة في الحجر، ويحتوي القسم الداخلي على قوس مجزأة مع مجموعة من النقوش المزخرفة حول المقدمة تعلوها ايضا مجموعة من النصوص المحفورة على الرخام. ويحيط بهذه النقوش اسد بمخلب مرفوع ووجه بارز. وفوق البوابة فتحة تستخدم لرمي القذائف دفاعا عن المدخل الرئيسي. ويبدو واضحا ان البوابة الرئيسية يعود تاريخها إلى حقبتين تاريخيتين، فالاولى ترجع إلى زمن السلطان«بيبرس» بينما الثانية إلى عهد يونس الداوادار. ويستدل على ذلك من النقوش الاثرية على مدخل القلعة منها قوس البوابة الرئيسية الذي يختلف عن القوس المدببة للواجهة، وكذلك الشعار(الرنك) المصنوع من الحجر على الستارة الحجرية، والاسود التي تظهر على قوس البوابة والتي تبين انه ربما كانت هناك فترتان تم قطع الحجارة فيهما، ذلك ان نقش الشعار من النوع الغائر،اما الاسود فمن نمط النحت البارز. ومن المعلوم ان الظاهر بيبرس اتخذ الاسد شعارا له كما سبق القول. لا شك ان هذه الحقائق تجعلنا نعيد النظر في تاريخ خان يونس نفسها. ومن النقوش والشارات(الرنك) الموجودة على واجهة القلعة نستنتج بأن يونس الداوادار بنى خانه او قلعته في مكان لم يكن خاليا من البناء تماما. فربما كان هذا البناء القديم عبارة عن«سبيل» من الاسلبة التي اقيمت في عهد السكان الظاهر بيبرس. ولا تؤكد هذه الفرضية النقوش والشارات فقط(الرنوك) ومنها الاسد شارة بيبرس، وانما ايضا المصادر التاريخية التي تقول بأنه في عهد هذا السلطان حرص المماليك على تقوية خطوط المواصلات وبخاصة الطريق التي تصل القاهرة بدمشق وذلك ببناء المحطات والمساكن والاسلبة. كانت او محطة عند بئر«طرنطاي» او السطر ثم انتقلت إلى السلقة. ولا نستبعد ان السلقة كانت تطلق على المنطقة التي تقع فيها خان يونس نفسها. وإذا صح هذا القول فان ما ذكره ابن الفرات بأن«يونس الداوادار» بنى الخان بالسلقة يصبح مقبولا ومنطقيا. وبناء على هذه الفرضية فمن الجائز ان يكون«يونس الداوادار» قد اعاد بناء واجهة السبيل واضاف بعض الاضافات التي تحتوي على نقوش وشارات وكتابات تسجل تاريخ بناء القلعة، وفي الوقت نفسه ابقى على النقوش والرنوك الموجودة على سبيل السلطان بيبرس. وكما يقول«مروان ابو خلف» فان بالامكان تمييز ثلاثة انواع من البناء في الواجهة، النوع الاول مقطع بشكل غير منتظم تقطيعا وعلى شكل بناء حائط اشبه بالستارة. والنوع الثاني منظم الشكل(مثلا بناء الزاوية الجنوبية الغربية من الحصن). والنوع الثالث مقطع بشكل جيد على هيئة مربعات جميلة ومرتبة فوق قوس البوابة. وهناك جدار ذو فتحات مبني على قمة جدران الواجهة قريبا من القبة لا يزال باقيا إلى الآن وربما كان يستخدم لأغراض دفاعية. اما المسجد فيعتبر جزءا اساسيا من القلعة، ويقع على يسار البوابة الرئيسية، ويتكون من طابقين، الطابق الاول عبارة عن غرفة مستطيلة الشكل طولها عشرة امتار وعرضها ثمانية امتار، وسقفه مكون من حجارة صغيرة غير منتظمة مثبتة جيدا بالملاط. وللمسجد بوابتان وعلى كل بوابة عتبة رخامية، كما يوجد نص منقوش ومحفور في المبنى بين المدخلين. اما الطابق العلوي فيكاد يكون كله مهدما. وكان سقفه مقوسا كالقبة محمولا على بناء اسطواني. اما الجدران الشرقية والشمالية فمهدمة تماما، كما تهدم نصف القبة تقريبا(الناحية الشرقية من القبة)، ويبلغ ارتفاع القبة نحو سبعة امتار ونصف، وتمتد بحيث تصبح مساحتها ما يعادل مربع طول قطره نحو 5.20 أمتار. ويقال انه كان في الطرف الشرقي مبنى انيق من الرخام الابيض الخالص وزخرفة على الطراز المغربي. ويمكن الوصول إلى اعلى المنبر بواسطة درجات رخامية. اما الجانب الغربي من الجامع فكان يحتوي على نوافذ عديدة، في كل نافذة منها عتبة رخامية. وظل الجدار الجنوبي للمسجد سليما ببوابته المبنية من الحجر تعلوه نافذة رباعية الشكل حتى الثلاثينيات ثم تهدم. وربما تكون قد استعملت كبوابة للطابق الثاني لأنه لا يوجد أي مدخل آخر للطابق الثاني من المسجد، لا من الطابق الاسفل، ولا من أي جهة اخرى للجدار رغم ان سلم الجدار كان يمتد من بوابة المئذنة فوق سقف البوابة إلى مدخل المسجد. وتقع مئذنة المسجد على يمين البوابة الرئيسية بدرج يؤدي إليها. وهي على نفس مستوى الجدار ذي الفتحات، والواقع على سطح القلعة، والذي يحتوي على فتحات لاطلاق القذائف. ويتميز الخان بكثرة النقوش على جدرانه ومبانيه. ويمكننا تقسيم هذه النقوش إلى خمسة مجاميع من الحجر المنقوش. ويقع احد هذه المجاميع على يمين البوابة الرئيسية فوق المدخل المؤدي إلى المئذنة، ويكاد يكون مدمرا تماما، كما فقد جزء من البوابة مع بعض الاحجار، كما ان اثنين من هذه المجاميع لا يزالان فوق الواجهة، وهي تكمل بعضها البعض، وفيها اسم السلطان الذي انشئ الخان في عهده. وتعلو كل مجموعة من هذه المجاميع ثلاثة شعارات. وشكل المجموعة الوسطى بيضاوي وتقسم إلى ثلاثة حقول. وقد كتب على الحقل العلوي كلمة«برقوق»، وعلى الحقل الاوسط «عزة لمولانا السلطان الملك الظاهر». وعلى الحقل الاسفل«عز نصره». ويحيط بالشعار شعاران دائريان متناسبان، وتقسم إلى ثلاثة حقول، في الحقل الاعلى محبرة(داوة)، وكأس على كل من الحقل الوسط والاسفل. والنص الرابع منقوش على قمة البوابة على شكل لوحة من الرخام رباعية الشكل تحتوي على خمسة سطور، بين السطر الخامس تاريخ الخان. وخلاصة القول ان هذه القلعة التي تبلغ مساحتها نحو ستة عشر دونما، تتألف من: 1- السور الخارجي ويحيط بالقلعة من جهاتها الاربع. وللسور بوابة واحدة غربية تتجه صوب البحر الذي يبعد عنها نحو ثلاثة او اربعة كيلومترات، وهي بوابة ضخمة منقوش على اعلاها من الخارج تاريخ بناء القلعة نحو ما ذكرنا آنفا. وإذا عبرت بوابة القلعة تجد نفسك امام ساحة بسيطة او فسحة ثم يبدأ السور الداخلي للقلعة وبه بوابة. وكانت تستخدم هذه المساحة في الاستعراضات، والمراسيم اليومية التي تتبع في تبديل الحرس، كما كانت تستغل في تدريب جنود القلعة وحاميتها. 2- وبعد السور الداخلي للقلعة تتوزع مساكن الجنود وأسرهم حيث تقع على يسار الداخل من البوابة. 3- اسطبلات خصصت لخيول حامية القلعة والمسافرين وتقع على يمين الداخل من البوابة الرئيسية الغربية. وقد ظلت هذه الاسطبلات باقية حتى منتصف الاربعينيات حينما ازيلت وأقيمت في اماكنها مساكن لبعض سكان القلعة الحاليين من آل الآغا. 4- فندق خصص لنزول المسافرين والتجار ورجال القوافل ورسل السلطان وعساكره، وقد تهدم ولم يبق منه أي اثر بعد ان شيدت مكانه بعض المساكن. 5- وفي مدخل القلعة وعند سورها الخارجي اقيم مسجد للصلاة سبق لنا وصفه بالتفصيل. 6- وفي الطابق العلوي للقلعة بجوار المسجد كان يوجد سكن رئيس الحامية العسكرية. وقد تهدم هذا المسكن والمسجد من القذائف في الحرب العالمية الاولى كما ذكرنا. 7- وكان لسور القلعة اربعة ابراج مستديرة الشكل ما زالت بقايا احدها قامة حتى اليوم ويقع في الجزء الجنوبي الغربي من القلعة. وفي الابراج وبعض جهات السور فتحات تتسع من الخارج وتضيق من الداخل وهي مخصصة للنظر والاستطلاع ورصد الحركة خارج القلعة وكذلك لرمي السهام على الاعداء الذين يريدون مهاجمة القلعة. 8- وكانت في داخل القلعة بئر للماء يطلق عليها البئر الجوانية أي الداخلية وتستخدم وقت الشدائد والحروب والحصار. 1- وخارج سور القلعة كانت توجد بئر اطلق عليها البئر البرانية-أي الخارجية-يستخدمها السكان زمن السلم. وقيل انها هي نفسها البئر القديمة التي كانت تستعمل حتى وقت قريب إلى ان قررت البلدية توسيع مكاتبها، وبنت فوق البئر بناية في عام1979م خصصتها للمكاتب الجديدة. وقد نقش الامير يونس على مدخل القلعة وقرب البوابة الرئيسية الغربية شعاره الذي يتألف من كأسين ومحبرة. لم يعمر«يونس الداوادار» طويلا بعد ان فرغ من بناء هذه القلعة او الخان الذي خلد اسمه على مر العصور والازمان إذ قتل بعد ذلك بعام واحد أي في سنة790ه، 1388م. وتفصيل ذلك ان يونس غادر الخان بعد ان اطمأن على احواله وعين مسئولا عنه ووضع فيه حامية مناسبة واسرع إلى القاهرة ليكون قرب مولاه السلطان برقوق، ويقف معه في الشدائد والمحن والملمات، وبخاصة ان الفتن بدأت تتجمع في الافق. ففي ربيع الاول من عام790هـ وردت من الشام انباء مزعجة مفادها ان «يلبغا الناصري» نائب حلب اظهر العصيان للسلطان، وقتل النائب الذي قبله«سودون المظفري». ولما تحقق السلطان برقوق من ذلك استشار كبار امراء المماليك فأشاروا عليه بتعيين«إينال اليوسفي» الذي كان اميرا كبيرا بالشام، ويبعث إلى العاصي«يلبغا» تجريده(حملة عسكرية). فوافق السلطان، ووضع على رأس التجريدة كبار الامراء وجميعهم من مقدمي الالوف وهم الاتابكي«ايمتش البجاسي» و«يونس الداوادار الكبير» باني الخان، و«احمد بن بليغا الخاصكي» امير المجلس، و«جركس الخليلي» امير خور كبير، و«ايدكار العمري» حاجب الحجاب. ونعود ثانية إلى القلعة او الخان المسمى بخان يونس فنكرر القول بأنها كانت النواة الحقيقة للمدينة الحديثة ولولاها ربما لما ظهرت إلى الوجود مدينة اسمها خان يونس. ولكن مما يؤسف له حقا ان اهل هذه المدينة لم يقدروا قلعتهم ولم يولوها ما تستحق من اهتمام. لقد قصروا في حقها، لأنهم لم يحاولوا الحفاظ عليها على اعتبار انها معلم تاريخي بارز: وبدلا من الاهتمام بالقلعة فانهم قاموا بهدم معظم مرافقها ومنشآتها واقاموا الدور والمساكن في اماكنها. حتى السور نفسه لم يسلم من الهدم والتدمير. وللأسف حدث هذا تحت سمع وبصر الحكومات المتعاقبة والتي كان عليها ان تعمل بكل جهدها لصيانة هذا الاثر الاسلامي الهام. لقد كان من واجب حكومة الانتداب والادارة المصرية(وفي عهدهما حدث اكبر تخريب في القلعة) ترميم ما تهدم وعمل الصيانة الدورية، ومنع السكان من الاعتداء على الآثار وهدم المرافق داخل القلعة. وكان من المفروض ان تجبرا السكان على اخلاء القلعة وتحويلها إلى منطقة سياحية كما هو متبع في القلاع التاريخية والمواقع الاثرية. في سنة1946م اقرت بلدية خان يونس«مشروعا تفصيليا صدق عليه رسميا، واصبح جزءا من قانون تنظيم المدن، وملزما لكل مسئول يتولى شئون البلدية في أي وقت من الاوقات، وذلك حفاظا على الآثار، وتاريخ مدينة خان يونس الاسلامي العريق، ولإعادة قلعة برقوق العظيمة رمزا وشعارا للمدينة. وللأسف تسارعت الاحداث، واستؤنفت القلاقل والاضطرابات في فلسطين، وانتهت بالنكبة في عام1948م. وكان من نتيجتها نزوح اعداد كبيرة من المدن والقرى الفلسطينية التي استولى عليها الاسرائيليون، الى المناطق التي لا تزال تحت السيطرة العربية. وفي عام 48ـ 1949بدأت افواج اللاجئين النازحين عن مدنهم وقراهم تفد إلى خان يونس مما ادى إلى فرض واقع جديد واولويات ملحة وعاجلة امام المجلس البلدي ترتب عليها تأجيل تنفيذ مشروع القلعة. الا ان البلدة ظلت ملتزمة بتطبيق منع البناء داخل اسوار القلعة. وبطبيعة الحال فان الاحداث التي تعطي المكان وما عليه من سكان اهميته، وتضفي عليه ما يستحقه من قيمة. وعلى الرغم من قلة الاحداث التي شهدتها مدينة خان يونس الا ان لبعضها اهمية كبيرة. لعل من اوائل الاحداث التي لها علاقة بخان يونس الفتنة الكبرى التي حدثت في عهد سلطان مصر المملوكي الاشرف «سيف الدين قايتباي» الذي تولى السلطنة في الفترة873-901هـ 1468-1496م، وقد حدثت هذه الفتنة بين طائفتين من المماليك، كل طائفة منهما تحت قيادة قائدين متعاديين، هما«قانصوه خمسمائة»