السبت 11 رمضان 1423 هـ الموافق 16 نوفمبر 2002 سورة «الأنعام» بعد أن ساقت ألوانا من الأدلة على وحدانية الله ـ تعالى ـ، وعلى سعة علمه، وعلى عموم قدرته، وعلى نفاذ مشيئته، أتبعت ذلك بالتدليل على بطلان الشرك والكفر وإثبات وحدانية الله ـ تعالى ـ عن طريق القصة، فقصت علينا جانبا مما قاله ابراهيم ـ عليه السلام ـ لأبيه وقومه، بأسلوب منطقى بليغ، يقنع العقول، ويرضى المشاعر . قال ـ تعالى ـ : «وإذ قال ابراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إنى أراك وقومك فى ضلال مبين. وكذلك نرى ابراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين. فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى، فلما أفل قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربى، فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لأكوننى من القوم الضالين، فلما رأى الشمس بازغة، قال هذا ربى هذا أكبر، فلما أفلت قال ياقوم إنى برئ مما تشركون. إنى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين » (الآيات 74 ـ 79)والمعنى وأذكر ـ أيها الرسول الكريم ـ وذكر قومك ليعتبروا ويتعظوا وقت أن قال ابراهيم لأبيه آزر منكرا عليه عبادة الأصنام، ياأبت : كيف قبلت أن تتخذ هذه الأصنام التى لاتنفع ولاتضر آلهة من دون الله الذى خلقك فسواك فعدلك، إنى أراك وأرى قومك الذين يعبدون هذه الأصنام فى ضلال واضح . والإستفهام فى قوله ـ سبحانه ـ : «أتتخذ أصناما آلهة» للإنكار والتوبيخ. والتعبير بقوله ـ تعالى ـ : «أتتخذ» الذى هو افتعال من الأخذ، فيه إشارة بأن عبادته هو وقومه لتلك الأصنام شئ مصطنع، وفى ذلك مافيه من التعريض . بسخافة عقولهم، وسوء تفكيرهم. ووصف الضلال بأنه «مبين » يدل على شدة فساد عقولهم، حيث لم يتفطنوا لضلالهم مع أنه كالمشاهد المرئى الذى لايلتبس على عاقل . ثم بين ـ سبحانه ـ بعض مظاهر نعمه على خليله ابراهيم فقال ـ تعالى ـ : «وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين» . أى : وكما أرينا ابراهيم ـ عليه السلام ـ الحق فى خلاف ماعليه أبوه وقومه من الشرك، نريه ـ أيضا ـ مظاهر ربوبيتنا ومالكيتنا للسماوات والأرض، ونطلعه على حقائقهما، ليزداد إيمانا على إيمانه، وليكون من العالمين علما كاملا لايقبل الشك بأنه على الحق، وأن مخالفيه على الباطل . الرؤية هنا المقصود بها : الإنكشاف والمعرفة، فتشمل المبصرات والمعقولات التى يستدل بها على لحق . ثم بين ـ سبحانه ـ ثمار تلك الإراءة التى أكرم بها نبيه ابراهيم ـ عليه السلام ـ فقال : «فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى ..» والمعنى : فلما ستر الليل بظلامه ابراهيم ـ عليه السلام ـ رأى كوكبا قال هذا ربى ، وقد قال ذلك على سبيل الفرض وإرخاء العنان، مجاراة مع عبادة الأصنام والكواكب، ليكر عليها بالإبطال، ويثبت لعابديها أن الرب ـ عز جل لايجوز عليه التغيير والانتقال . فلما غاب النجم وأفل وغرب وصار لاتراه الأعين، قال إبراهيم ـ عليه السلام ـ مخاطبا قومه، لا أحب عبادة الإرباب المتنقلين من حال إلى حال، ومن مكان إلى مكان، لأن الأفول غياب وإبتعاد، وشأن الإله الحق أن يكون دائم المراقبة لتدبير أمر عباده . ثم بين ـ سبحانه ـ حالة ثانية من الحالات التى برهن بها إبراهيم على وحدانية الله ـ تعالى ـ فقال : «فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربى، فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الظالمين» ولفظ «بزغ» مأخوذ من البزوغ وهو الطلوع والظهور، يقال «بزغ الناب بزوغا» إذا ظهر، أى فلما رأى ابراهيم القمر مبتدئا فى الطلوع منتشرا ضوؤه من وراء الأفق قال هذا ربى، فلما غاب القمر كما غاب النجم من قبله، قال ابراهيم ـ عليه السلام ـ مسمعا من حوله من قومه : لئن لم يهدنى ربى إلى جناب الحق، والى الطريق القويم الذى يرتضيه، لأكونن من القوم الضالين عن الصراط المستقيم، لأن هذا القمر الذى يعتوره الأفول ـ أيضا ـ لايصلح أن يكون إلها . ثم بين ـ سبحانه ـ حالة ثالثة وأخيرة من الحالات التى استدل بها ابراهيم ـ عليه السلام ـ على بطلان الشرك فقال : «فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر، فلما أفلت قال ياقوم إنى برئ مما تشركون » .أى : فلما رأى إبراهيم الشمس مبتدئة فى الطلوع وقد عم نورها الآفاق، قال مشيرا إليها هذا ربى، هذا أكبر الكواكب حجما، وأعظمها قوة، فلما أفلت وغابت عن الأبصار، قال إبراهيم ـ عليه لسلام ـ لقومه : ياقوم إنى برئ من عبادة الكائنات والأجرام المتغيرة التى يغشاها الأفول، وبيئ من إشراككم مع الله آلهة أخرى . والمتأمل فى هذه الحالات الثلاث، يرى أن إبراهيم ـ عليه السلام ـ قد سلك مع قومه أحكم الطرق فى الإستدلال على وحدانية الله ـ تعالى ـ ، فقد ترقى معهم وهو يأخذ بيدهم إلى النتيجة التى يريدها بأسلوب يقنع العقول السليمة، ويرضى العواطف النقية، وتنشرح له الفطرة الإنسانية القويمة، فقد بين لهم ـ أولا ـ أنه لايحب الآفلين ، ثم بين لهم ثانيا ـ بطريق التعريض بغفلتهم أنه ليس من القوم الضالين، ثم بين لهم ـ ثالثا ـ أنه بيئ من شركهم، بعد أن أقام عليهم الحجة، وبعد أن ظهر الحق وبلغ من الظهور غاية المقصود . ثم ختم ابراهيم ـ عليه السلام ـ هذا الترقى فى الاستدلال على وحدانية الله ـ تعالى ـ بقوله : «إنى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ». أى : قال لهم : «إنى صرفت وجهى وقلبى فى المحبة والعبادة لله ـ تعالى وحده، الذى أوجد وأنشأ السماوات والأرض على غير مثال سابق، وإنى لأخلص الطاعة للدين الحق، وما أنا من الذين يشركون مع الله آلهة أخرى فى العبادة. وبذلك يكون إبراهيم ـ عليه السلام ـ قد أقام أنصع الأدلة وأعظمها على أن العبادة والطاعة لاتكون إلا لله رب العالمين.