السبت 11 رمضان 1423 هـ الموافق 16 نوفمبر 2002 الحمد لله الذي جعل في النحل شفاء للناس والصلاة والسلام على من جُعل رحمة للعالمين وبعد: سورة النحل من السور المكية. وقد عدت الثانية والسبعون في ترتيب نزول السور، نزلت بعد سورة الانبياء وقبل سورة الم السجدة، ولقد اخذت هذه السورة «النحل» من مضمون ما تحدثت عنه فاسمها ذو دلالات كبيرة على مضمونها، وهذه الكلمة «النحل» فيها اشارات لطيفة ذات دلالات عظيمة بعظمة حكمه منزلها سبحانه الذي انصف بالقدرة المطلقة فوضح امر النحل في الدلالة على مقام القدرة وكمال الحكمة عند قوله تعالى «وأوحى ربك» اي المحسن اليك بجعل العسل في مفاوز البراري المقفزة المفرطة المراره وغيرها من الاماكن وبغير ذلك من المنافع الدال على الفعل بالاختيار وتمام الاقتدار وعلى هذا نجد ان الخالق في مخلوقاته وهذه القدرة جعلها في النوع الذي يصعب الاقتراب منه لشدة بطشه وهذه في الدفاع عن مملكته ومع ذلك كان فيه سر يطلبه البشر ويحرصون عليه وهذه القدرة التي جعلت في النحل ميزته عدا باقي المخلوقات وذلك اظهاراً لقدرة الحق المطلقة، وتجد ان النحل خصت بالذكر هنا لكثرت منافعها والاعتبار بإلهامها الى تدبير بيوتها وافراز شهدها. ورعيها وسائر امرها من اختلاف الوان ما يخرج منه من اعسالها وجعله شفاء مع اكلها من الثمار النافعة والضارة، لذا كان عسل النحل مهم لانه الرحيق الذي يمتصه النحل من الازهار وزاد في تركيبه تبخير نسبة كبيرة من الماء ويتحور في معدتها بما يشبه الهضم، الى يعسوب، ثم يخزن بعد ذلك في الخلايا السداسية للاقراص الشمعية والعسل يعتبر في مقدمة الاغذية الكاملة التي اعتمد عليها الانسان في تغذيته منذ اقدم العصور واشاد بمزاياه وفوائده ذكره في القرآن العظيم، فإذا نظرنا الى هذه العلاقة بين الاسم والمسمى والرابط الذي بينهما الذي جعل هذه السورة من مصاف السور ذات دلالات القدرة في اسمائها فإنما يدل على ما في هذه الآيات من اسرار انطوت على هذه المعاني فكانت دلالتها واشاراتها عجيبة، اذا اودع في خلقه الحشرة الضعيفة هذه الصفة العظيمة وجعل فيها هذه المنفعة كما اودع في الانعام الياتها واودع في ثمرات النخيل والاعناب شراباً وكان ما في النحل وسطا بين ما في بطون الانعام وما في قلب الثمار، فإن النحل يمتص ما في الثمرات والانوار من المواد السكرية العسلية ثم يخرجه عسلاً كما يخرج اللبن من خلاصه المرعى. وفيه عبرة اخرى وهي ان اودع الله في ذبابة النحل ادراكا لصنع محكم مضبوط منتج شرابا نافعا لا يحتاج الى جلب الحالب ولما للنحل من اهمية فبعد ذكره في كتاب الله تعالى جاءت السنة النبوية كذلك تشير الى النحل، وان النحلة يضرب بها المثل في الطيب من الاكل وغيره، كما جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسي محمد بيده ان مثل المؤمن للمؤمن كمثل النحلة اكلت طيبا، ووضعت طيباً ووقعت فلم تكسر ولم تفسد وهذه التشبيه على الصفات الطيبة ومن المعروف ان المؤمن باجماع العلماء اكرم الخلق عند الله عز وجل وتشبيه المؤمن بالنحلة رفع لمكانة هذه الحشرة النافعة وتقدير من النبي صلى الله عليه وسلم لجليل ما تقوم به من اعمال وما تصنعه من ادوية ومواد هي في غاية النفع لهذا الانسان، ولقد كرم الله سبحانه وتعالى النحل ورفع قدره على كثير من مثله وهل تكريم الله للنحل بتخليد ذكره بأن جعل له سورة في القرآن العظيم سميت باسمه وسورة النحل درجة من التكريم للنحل ما بعده تكريم. وعلى ما تقدم من ذكر لسورة النحل يتوضح لنا اهمية مقاصد اسماء السور القرآنية التي جعلها الله تعالى عنوانا لاسماء سور القرآن المتفرقة والتي يصل عدد سورها المئة والاربعة عشر سورة، نقول ان كلمة النحل التي سميت به السور يحتاج منا لوقفة تأمل في عظمة مخلوقات الله والتي اظهر بعضها واخفى البعض منها ما ذاك إلا لنرى قدرته في سر الاكتشافات التي يمكن ان تظهر فيما بعد. والنحل ظهرت الدراسات الطبية الحديثة تبين مدى اهمية هذه الحشرة التي يخرج منها وهذا الشفاء مما جعل عقول الاطباء تقف حائرة مذهولة من عظمة هذا الصنيع وكيف لهذه الحشرة كل هذه الاهمية فالعسل الذي يخرج منها مادة شفاء من الامراض والاوجاع ولاهمية ارتباطها بالانسان لانه هو المستفيد الاول منها اراد الله ان يجعلها مضرب المثل في قرآنه وذلك مدعاة لاهل الكفر والضلال ان يتفكروا في خلق الله لعلهم يهتدون بهذا القرآن العظيم الذي يضرب لهم الامثال المختلفة ليؤمنوا به ويصدقوا محمد صلى الله عليه وسلم، بما جاء به ونحن امة الاسلام وجب علينا بعد ان عرفنا هذا القرآن ان نجهد النفس ونفني العمر في فهمه لانه ملاذ القلوب وزادها، زادنا الله واياك معرفة وتقوى والحمد لله رب العالمين. د. سيف الجابري