الجمعة 10 رمضان 1423 هـ الموافق 15 نوفمبر 2002 قال الله تعالى: (والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون). الحشر: 9 سبب النزول أخرج البخاري عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: أتى رجل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله أصابني الجهد. فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئاً فقال: ألا رجل يضيفه هذه الليلة يرحمه الله؟ فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيف رسول الله لا تدخريه شيئاً. فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة. ففعلت ثم غدا الرجل على رسول الله فقال: لقد عجب الله أو ضحك من فلان وفلانة فأنزل الله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة). سبب من أسباب نزول القرآن يكشف لنا عن صفحة ناصعة من حياة تلك الصفوة من البشر الذين تتلمذوا على خير مُعلّم للبشرية، فأشرقت أرواحهم بنور اليقين وهانت عليهم الدنيا وزخارفها. حاربوا نوازع الحرص والشح في نفوسهم، فامتلأت قلوبهم حباً لله ولرسوله وللمؤمنين. زالت أنانيتهم وارتقت مداركهم فأصبح الواحد منهم يفكر بروح الجماعة التي ينتمي إليها. يفكر برفعتها ويبحث في مشاكلها وهذا الرقي الانساني الذي حققه هؤلاء الصحابة كان ثمرة لمنهج قرآني حكيم طالبهم بالبذل والانفاق في سبيل الله ووعدهم أجراً عظيماً يوم القيامة. وتمثل ذلك المنهج في الواقع من خلال سيرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي كان أسرع بالبذل من الريح المرسلة، ينفق بدون حساب ويشجع أصحابه على الانفاق. فبادر الصحابة الى بذل أغلى ما يملكون طمعاً في الثواب ورفعة الدرجات في الجنة. والأمثلة على ذلك كثيرة كما تقدم في سبب نزول الآية. وهذا الانفاق لم يكن حالة فردية بل أصبح سمة بارزة في حياة المجتمع الاسلامي في الصدر الأول. فهذا صحابي جليل ـ أبو طلحة الأنصاري، وكان أكثر أنصاري بالمدينة نخلاً، عندما نزل قوله تعالى (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم). بادر إلى التصدق بأغلى ما يملك فقد روى البخاري ـ رحمه الله ـ وغيره عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: (كان أبوطلحة أكثر أنصاري بالمدينة نخلاً وكان أحب أمواله إليه «بيرحاء» بستان من النخيل وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب فلما أنزلت (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) قام أبوطلحة فقال: يا رسول الله إن الله يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال رسول الله: «بخٍ بخٍ ذاك مال رابح ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت وإني أرى ان تجعلها في الأقربين». بل إن الصحابة الكرام لم يتوقفوا عند هذا الحد من الجود والسخاء في سبيل الله، بل ارتقوا بأنفسهم إلى أبعد من تلك الدرجة، لأن انفاق الانسان مما يحب انفاق مما يملك فهو غني، ولكن عندما ينفق شيئاً هو بأمس الحاجة إليه فتلك درجة لم يصل إليها إلا أهل القرآن الذين تهذبوا بآدابه. ألا وهي درجة (الإيثار) التي ذكرها القرآن الكريم (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) أي رغم الحاجة والفاقة التي يعيشونها يجودون بالخير رغم حاجتهم إليه للآخرين كما يبين لنا هذا الحديث فقد أهدي لرجل من أصحاب رسول الله رأس شاة فقال: إن أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا منّا فبعث إليهم فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأول (الحاكم وصححه). وهذه الدرجة التي ارتقى اليها المسلمون في المجتمع الأول ثمرة من ثمرات القرآن وثمرة في تربية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والذي ركّز في منهجه التربوي على محاربة الأنانية وحب الذات واستبدل ذلك بغرس روح محبة الجماعة وبث معاني التكافل والتكامل بين أفرادها. وهذا ما أشار إليه الحديث الشريف (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) من خلال الشعور النبيل عاش المسلمون حياة يسودها الجود والسخاء ويكللها الإيثار الذي نعتبره خصلة من خصال هذه الأمة المباركة. د. أبوبكر علي الصديق