الجمعة 10 رمضان 1423 هـ الموافق 15 نوفمبر 2002 يروى عن أنس بن مالك عن النبى (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: «لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فقال بها عليها، فاستقرت....» جامع الترمذى: باب فى حكمة خلق الجبال فى الأرض لتقر بعد ميدها. وجاء الحديث فى مسند أحمد بن حنبل بالنص التالى: «عندما خلق الله الأرض جعلت تميد، فأرساها بالجبال» وهذا الحديث الشريف يتفق روحا ومعنى مع قول الحق (تبارك وتعالى) «والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم». (النازعات: 32،33). وقد تكرر هذا المعنى فى تسعة مواضع أخرى من كتاب الله العزيز (الرعد: 3، الحجر: 19، النحل: 15، الأنبياء: 31، النمل: 61، لقمان: 10، فصلت: 10، ق: 7، المرسلات: 27)، مما يدل على أهميته فى تهيئة الأرض للعمران. ولفظة الأرض ترد فى القرآن الكريم، وفى أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بمدلولات ثلاثة حسب مفهوم السياق، فهى ترد أحيانا للدلالة على الكوكب الأرضى ككل، وأحيانا ترد بمدلول كتل اليابسة التى نحيا عليها (الغلاف الصخرى للأرض، وأحيانا أخرى يقصد بها التربة التى تغطى صخور اليابسة. وقد اختلف العلماء فى فهم دور الجبال فى إرساء الأرض اختلافا كبيرا، وذلك لأن مجموع كتل الجبال على سطح الأرض ـ على الرغم من ضخامتها لا تساوى شيئا بالنسبة لكتلة الأرض ككل والمقدرة بحوالى ستة آلاف مليون مليون مليون طن. كذلك فإن طول الجبال ـ على تعاظمها ـ لا يساوى شيئا بالنسبة إلى طول نصف قطر الأرض، وذلك لأن الفرق بين أعلى قمة جبلية على سطح الأرض [وهى قمة إفرست (فى سلسلة جبال الهيمالايا) والتى يبلغ ارتفاعها (8848 مترا) فوق مستوى سطح البحر]، وبين أعمق بقعة فى أغوار المحيطات [وهى غور ماريانا بالقرب من جزر الفلبين، والتى تبلغ فى العمق 10867 مترا تحت مستوى سطح البحر] لا يكاد يصل إلى عشرين كيلو مترا (19.715 كيلو متر) بينما يبلغ نصف القطر الاستوائى للأرض 6378.160 كيلو مترا، وهنا تتضح ضآلة تضاريس الأرض بالنسبة إلى نصف قطرها ونسبتها لا تكاد تتعدى 3،0% (19.715/ 6378.160). وهنا يبرز التساؤل المنطقى: كيف يمكن للجبال أن تثبت الأرض وكتلتها وأبعادها بهذه الضآلة إذا ما قورنت بكتلة وأبعاد الأرض؟ والجواب لم يكن ممكنا قبل أواسط الستينات من القرن العشرين حين اتضح لنا أن الغلاف الصخرى للأرض ممزق بشبكة هائلة من الصدوع التى تمتد لعشرات الآلاف من الكيلو مترات وهى محيطة بالأرض إحاطة كاملة بعمق يتراوح بين 65 كم، 150كم، فتؤدى إلى تمزيق هذا الغلاف إلى عدد من الألواح الصخرية المعزولة عن بعضها البعض بمستويات تلك الصدوع وتطفو ألواح الغلاف الصخرى للأرض فوق طبقة لدنة، شبه منصهرة عالية الكثافة واللزوجة تعرف باسم نطاق الضعف الأرضى. وفى هذا النطاق تنشط التيارات الجدارية على هيئة دوامات عاتية من تيارات الحمل التى تدفع بألواح الغلاف الصخرى للأرض متباعدة عن بعضها البعض، أو مصطدمة ببعضها البعض بسرعات لا تسمح بعبرانها على الإطلاق. وهذه الحركات لألواح الغلاف الصخرى للأرض لا يهدئ من عنفها إلا تكون السلاسل الجبلية على مراحل متتالية حتى تصل إلى مرحلتها النهائية باستهلاك قاع المحيط الفاصل بين قارتين متباعدتين استهلاكا كاملا وذلك بدفع إحدى القارتين له تحت القارة الأخرى حتى تصطدم القارتان ضاغطة الصخور المتجمعة بينهماعلى هيئة سلاسل جبلية عظيمة تمتد بأوتادها لتثبت صخور إحدى القارتين بصخور الأخرى كما يثبت الوتد أركان الخيمة بالأرض، وكما قد حدث بتحرك الهند فى اتجاه القارة الآسيوية، حتى اصدمتا ونتج عن ذلك تكون جبال الهيمالايا كأحدث سلسلة جبلية على سطح الأرض، وأعلاها ارتفاعا. هذا بالنسبة لتثبيت كتل القارات على سطح الأرض، أما بالنسبة للأرض ككوكب، فمن المعروف أنه نتيجة لدوران أرضنا حول محورها فقد تحول شكلها من كرة تامة الإستدارة إلى شبه كرة، منبعجة قليلا عند خط الاستواء، ومفلطحة قليلا عند القطبين، وهذا النتوء الاستوائى للأرض جعل محور دورانها يغير اتجاهه فى حركة بطيئة معقدة تعرف باسم «الحركة البدارية» وتعبر عن حركة محور دوران الأرض فى الفضاء، وهذا المحور يترنح ويتمايل فى حركات مختلفة مع حركة كل من القمر والشمس، والمتغيرات المستمرة فى مقدار واتجاه قوتى كل منهما البدارية، ووضع الأرض بالنسبة لكل منهما، ويقلل من عنف هذه الحركات وجود الجبال ذات الجذور الغائرة فى الغلاف الصخرى للأرض (والتى تمتد فى عمق الأرض بعشرة إلى خمسة عشر ضعف إرتفاعها فوق سطح الأرض) فتقلل من شدة ترنح محور دوران الأرض، وتجعلها أكثر استقرارا وانتظاما فى دورانها حول محورها، وأقل ارتجاجا وترنحا تماما كما تفعل قطع الرصاص حول أطر عجلات السيارات لتقلل من ارتجاجها أثناء دورانها تحت السيارة. وهنا تتضح صورة من صور الإعجاز العلمى فى حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذى قال فيه: «عندما خلق الله الأرض جعلت تميد، فأرساها بالجبال» والحديث الشريف يتفق نصا ومعنى مع عشر ايات قرانية كريمة سبقت الإشارة إليها، فسبحان الذى أنزل القرآن من قبل أربعة عشر قرنا بهذه الحقيقة العلمية المبهرة، وألهمها خاتم أنبيائه ورسله (صلى الله عليه وسلم) فصاغها هذة الصياغة المعجزة (وقد أدق مجامع الكلم)، ولم يتوصل الإنسان إلى شئ من هذا الفهم لوظيفة الجبال إلا فى العقود المتأخرة من القرن العشرين. ولا يمكن لعاقل أن يتصور أن هذه الحقيقة العلمية، وللعديد غيرها من الحقائق التى جاءت على لسان هذا النبى الأمى (عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم) والذى بعث فى أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين كان لها مصدر غير الله الخالق...!! فلم يكن لأحد من الخلق أى إدراك لتلك الحقيقة قبل العقود الخمسة الماضية، ودورها فى كتاب الله، وفى سنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) بهذه الصياغة الدقيقة المحكمة مما يشهد لهذا النبى الخاتم والرسول الخاتم بالنبوة والرسالة، ويشهد للوحى الذى تلقاه بأنه كلام الله الخالق، وأنه (صلى الله عليه وسلم) كان كما وصفه ربه (سبحانه وتعالى). «وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى). (النجم: 3، 4) بقلم: د. زغلول النجار