الجمعة 10 رمضان 1423 هـ الموافق 15 نوفمبر 2002 تذكير الناس بالتزام المجالس التى يغشاها الأخيار الذين حسنت أقوالهم وصلحت أعمالهم أمر واجب ، لأن هذا التذكير من شأنه أن يعين الانسان على الاستقامة والمداومة على طاعة الله ـ تعالى ـ أما غشيان مجالس الأشرار، ومشاركتهم فى لهوهم ولعبهم وفى استهزائهم بأحكام الدين، وفى انتهاكهم لأعراض الأبرياء، وفى اطلاق السنتهم بالنطق بالسوء فى حق الشرفاء، فهذا أمر لايرتاح اليه إلا من استحوذ عليه الشيطان فأنساه طاعة الله. ولقد اهتمت سورة الأنعام «بتربية المؤمنين على صحبة الأخيار، وعلى هجر الأشرار الذين يستهزئون بأهل الحق، ويستخفون بكلام الله ـ تعالى ـ وبآداب دينه... ومن الآيات التى كررت هذا التذكير فى سورة «الأنعام» قوله ـ تعالى ـ : (واذَا رآيتَ الذينَ يخُوضُونَ فى آياتِنا فأعَرض عنهُم حتى يخوضوا فى حَديثِ غيرهِ، وإما يُنسيُنك الشّيطانُ فلاَ تَقعدْ بَعد الذكرَى مع القَومِ الظاَلمينَ، وما علَى الذينَ يتقّونَ من حِسابهم من شيءِ ولكن ذِكريَ لعلهم يتقُون) [الايتان: 68، 69] ولفظ «الخوض» يطلق على سبيل الحقيقة على الشروع فى الماء والدخول فيه، ثم استعير للأخذ فى الحديث الذى لا فائدة فيه، ومنه قولهم: تخاوضوا فى الحديث، أى: أخذوا فيه على غير هدى، وأكثر ما ورد فى القرآن الكريم بالنسبة لهذا اللفظ ، ورد فيما يزم الشروع فيه، كما فى قوله ـ تعالى ـ : «ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب، قل أباالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون» [سورة التوبة: الآية 65] والمعنى واذا رأيت ـ أيها الرسول الكريم أو أيها المؤمن العاقل ـ أولئك الجاهلين الذين يخوضون فى آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، فيكذبون هذه الآيات، ويستهزئون بها، فعليك أن تعرض عنهم، وأن تنصرف عن مجالسهم، وأن ترهم من نفسك الاحتقار لتصرفاتهم، ولاتعد إلى مجالسهم حتى يخوضوا فى حديث أخر سوى هذا الحديث السييء، لأن آياتنا المنسوبة إلينا من حقها أن تعظم وأن تحترم، لا أن تكون محل تهكم واستهزاء. قال بعض المفسرين: كان المشركون يجلسون إلى النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحبون أن يسمعوا منه، فإذا سمعوا منه استهزءوا، فنزلت هذه الآية، فكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا ما أحس منهم بعدم احترامهم لما يتلوه عليهم من قرآن انصرف عنهم.. وانما عبر ـ سبحانه ـ عن انتقالهم إلى حديث آخر بالخوض، لأنهم كانوا لايتحدثون إلا فى الأمور التى لاجدوى من الحديث فيها، ولامنفعة فى الاستماع اليها فى الغالب. تم أرشد الخالق ـ عز وجل ـ كل عاقل فى شخص النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى مايجب عليه عند النسيان فقال: «وإما ينسينك الشيطان، فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين». أى: عليك ـ أيها الرسول الكريم ـ أن تهجر مجالس المشركين الذين يخوضون فى آياتنا بالطعن والتكذيب، وأن تبتعد عن مخالطتهم وعن الاستماع اليهم، حتى ينتقلوا إلى حديث آخر، فإن أنساك الشيطان شيئا من ذلك على سبيل الفرض والتقدير، فاستغفر الله ـ تعالى ـ ولاتقعد بعد هذا التذكر والاستغفار مع هؤلاء القوم الظالمين. وقد أضيف النسيان إلى الشيطان، لأنه هو السبب فى هذا النسيان عن طريق الوسوسة وما يشبهها من خطراته ونزغاته التى لاينجو منها إلا عباد الله المخلصين. ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة: وجوب الإعراض عن مجالسة المستهزئين بآيات الله ـ تعالى ـ أو بأقوال رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو بآداب الإسلام وتشريعاته، وذلك لأن الجلوس مع هؤلاء المستهزئين فيه تأييد لهم فى باطلهم، ومن أيد الخائضين فى آيات الله كان من الضالين.. قال صاحب المنار ـ رحمه الله ـ : «وسبب هذا النهى ان الإقبال على الخائضين والقعود معهم، أقل ما فيه أنه إقرار لهم على خوضهم، وإغراء لهم فى التمادى فيه، وأكبره أنه رضاء به، ومشاركة فيه، والمشاركة فى الكفر والاستهزاء كفر ظاهر، لايقترفه إلا منافق مراء، أو كافر مجاهر... قال ـ تعالى ـ (وقَد نزل عليكُم فى الكتَابِ أنَ اذَا سَمِعتُم آياتِ اللهِ يُكفَر بها ويُستهزَأ بها، فلاَ تقعدُوا منُهم حتّى يخوضُوا فى حديثِ غيرهِ، إنكُم إذاً مثلهُم، إنّ الله جَامِعُ المنافقين والكافِرينَ فى جهنم جميعاً» [النساء: 140] كذلك أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة: أن الناسى غير مكلف، وأنه اذا تذكر عاد إليه التكليف، فيعفى عما ارتكبه حال نسيانه لاحال تذكره، ففى الحديث الشريف: «رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ثم بين ـ سبحانه ـ بعد ذلك، أنه لاحرج ولاتبعة على المؤمنين ماداموا قد اعرضوا عن مجلس الخائضين فقال ـ تعالى ـ : « وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون». أى: وما عل الذين يتقون الله تعالى ـ ويجتنبوا ما نهى عنه. ،يفعلون ما امرهم به، ما عليهم من حساب الخائضين على مارتكبوا من جرائم وآثام شيء من المؤاخذة، ماداموا قد أعرضوا عنهم، ولكن عليهم أن يذكروهم وأن ينصحوهم وأن يمنعوهم ـ إذا امكنهم ذلك ـ من ارتكاب هذه القبائح، لعل أولئك الخائضين فى آيات الله، يستمعون إلى هذه النصائح من المتقين، فيعودون إلى طريق الحق والصواب.. وعلى هذا التفسير يكون الضمير فى قوله ـ سبحانه ـ «لعلهم يتقون» يعود على الخائضين، أى : لعلهم بسبب هذا التذكير والنصح، يتقون الله فى أقوالهم وأفعالهم. وقيل: يجوز ان يكون الضمير فى قوله ـ سبحانه ـ «لعلهم يتقون» للذين اتقوا، فيكون المعنى: على المتقين أن يداوموا النصح للخائضين، لأن هذا النصح يجعل المتقين يزدادون إيمانا على إيمانهم وثباتا على اخلاصهم وتقواهم. نسأل الله ـ تعالى ـ ان يجعلنا جميعا من عباده المتقين