الجمعة 10 رمضان 1423 هـ الموافق 15 نوفمبر 2002 الآن، وقد ألقينا نظرة على الرؤية الجمالية الإسلامية، ثم انتقلنا إلى أداء ست مهام محددة هي إلقاء الضوء على اللقاء الأول للمسلمين بالزخرفة في السياق المسجدي وتفرع طرق الإبداع منذ ذلك اللقاء، والربط بين الجماليات والزخرفة، وتبين أبعاد أهمية الزخرفة، ووظائفها، والأهداف المتوخاة منها، وخصائصها والمبادئ المندرجة في صميم إبداعها، وأخيراً جمالياتها، أحسب ان القارئ قد يبادر إلى طرح مجموعة من الاعتراضات أو التحفظات، لست أشك في وجاهتها وجدارتها بالتوقف عندها ومناقشتها. فرُب قائل إننا نقف الآن عند ثلث هذا الجزء الثالث من موسوعتنا الذي خصصناه لزخرفة العمارة المسجدية، وعلى الرغم من الرصيد الذي أحرزناه من المعرفة بجوانب عديدة تتعلق بالزخرفة في هذا السياق الذي ندرسه على أرضية من الرؤية الجمالية الإسلامية، إلا أننا نظلّ أقرب إلى أن نكون جالسين تحت ظله مع معماري عتيد يعشق من الزخرفة ويحدثنا مطولاً عنه، ونحن بالتالي لم ننطلق في رحلة تحت الشمس الحارقة إلى أرضية الممارسة الزخرفية نفسها، لم نتأمل أكوام الحجر الفص النحيت ولم تخدش أيدينا قطع الرخام الخُردة ولم يندس الجص الطري تحت أظافرنا، ولم يترك خرط الخشب بصمته على جلد أيدينا وأقدامنا، ولم تتلف ألوان الزواق أثوابنا، ولم نعرف بعد أسرار التعشيق ولا أرضينا فضولنا بفهم مشكلات التوشيع ولا نفث الدخان والشرر في غمار التصفيح. فما الحكاية إذن؟ ولست أملك رداً على هذا كله وغيره كثير إلا القول: لا تتعجل رزقك، فغير نصيبك لن يصيبك، وما دمت قد بادرت وشمرت فإليك البعض مما أردت. وكلمة «البعض» التي أوردتها حالاً إنما تقصّدتها تقصداً، وذهبت إليها عامداً، فيقيني أنك تدرك أننا حيال عمليات الزخرفة وما يستخدم فيها من مواد وما يوظف فيها من طرق وأساليب نجد أنفسنا أمام غابة حقيقية قد يمضي المرء عمره كله من غير أن يحصيها عدداً أو يتبيّن جانباً مما فيها من دقائق وفنون وبدائع وتقنيات وأسرار متوارثة عبر الأجيال. فإن أردت مثالاً على ما أقصده هنا، فحسبك ما وجدت اللجنة الفنية القائمة على مسجد الكويت نفسها حياله حين تحفّظت على مشروع الزخرفة الذي تقدم به مصمم المبنى المعماري العراقي محمد مكية وأرادت أن تنفذ برنامجاً زخرفياً خاصاً بها، فوجدت نفسها مضطرة للتعامل مع دفق هائل من المبدعين والمصممين والحرفيين والمنفذين والعمال والشغيلة، منهم من استقدمته من الهند، ومن تعاقدت معه في مصر، ومن ذهبت إليه في المغرب العربي. ما نريد قوله هو أننا سنقسم عملنا في هذه المرحلة إلى مطلبين، الأول يتضمن إلقاء نظرة على صميم عشر عمليات مندرجة في عمليات الزخرفة الإسلامية، ولا إنجاز لها إلا بها، وبغيرها يغدو الحديث عن زخرفة العمارة الإسلامية إهداراً للوقت. أما المطلب الثاني فهو التعرف عن قرب ولو بشكل موجز وبقدر ما يسمح به المقام على مواد الزخرفة الأكثر شيوعاً في الزخرفة الإسلامية في سياقها المسجدي. في إطار المطلب الأول سنبحر عبر أمواج وراء أمواج ـ وبالمناسبة فالأمواج شكل من أشكال الزخرفة الإسلامية، وهي دائما في صيغة الجمع ـ من العمليات الفنية الزخرفية، وأبرزها عشر عمليات سنكتفي بها، ما دمنا سنلتقي بالمزيد منها في دراسات الحالات لاحقاً، وهذه العمليات هي على التوالي: الترصيع، التكفيت، التلبيس، التعشيق، التطعيم، التجصيص، القرنصة، التزويق، التصفيح وأخيراً التوشيع. وفي إطار المطلب الثاني نحن على موعد مع المواد التي لها البطولة حقاً في عالم الزخرفة الإسلامية، حيث سنتعرض لعشر مواد أيضاً لا غيرها، هي على التوالي: الرخام، الجص، الخشب، المعادن، الآجر، الفسيفساء، القاشاني، الخزف، الماء وأخيراً النور. لكننا نجد أن من الطبيعي والمنطقي والعقلي قبل أن نسعى وراء هذين المطلبين أن نسأل أنفسنا مجموعة من الأسئلة المهمة التي نرى أن من الحتمي أن نبادر إلى الوصول إلى حد أدنى من الوضوح بشأنها. فمن هم على وجه الدقة هؤلاء المبدعون الذين تركوا لنا كل هذه الروائع على امتداد دار الإسلام؟ لماذا لا نعرفهم؟ لماذا لم يترك لنا أحد منهم اسمه على ما أبدعه إلا القليل النادر؟ ولماذا يعد المعماري التركي استثناء نادراً من قاعدة غياب أي معرفة حقيقية بالمعماريين المسلمين في كل العصور؟ هل لذلك علاقة بوضعية الفنان في مجتمعه؟ أم أن لها الصلة كل الصلة بفهم المبدع المسلم للكون وللوجود من حوله وعلاقة هذا الفهم بمفهوم الأنا ووسائل تحقيقه المثلى لدى الفنان؟ الجنود المجهولون سبق لنا التأكيد على أن العمارة الإسلامية، في جوهرها الصحيح، عمارة استهدفت خدمة الجماعة الإسلامية وتحقيق مصلحتها، فالعديد من منشآتها أقيمت لخدمة المسلمين كافة، بل استهدف بعضها ـ كما في حالة الأسبلة ـ خدمة الناس كائناً من كانوا، بغض النظر عن الدين أو العرق أو اللون، وكان بُناتها يقصدون بها في الأصل أن تكون كفارة أو تقرباً لله تعالى، ولسنا نشك في أن جانباً من هذه الروح سيطر على البنائين في المجتمع الإسلامي، فانعكس ذلك في صورة ذوبان شخصيتهم في الجماعة. وربما كان من الأدلة على ذلك أننا نادراً ما نجد أن المهندس أو الصانع الذي يقف وراء بناء ما يضع توقيعه عليه. وحتى إذا فعل ذلك فإننا نظل في حيرة فيما يتعلق بطبيعة الدور الذي قام به في البناء على وجه الدقة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه يظل في صميم وجدان الجماعة الإسلامية أن الدنيا ليست بدار مقر، وانما هي في حقيقة أمرها دار ممر، ومن هنا فإن ما يبنيه فيها من عمارة، حتى وإن علا وتطاول في البناء، مصيره إلى زوال لا محالة، وهو إيمان عززته في أحيان كثيرة هشاشة مواد البناء وتواضع مستوى البنائين. ومع ذلك فقد حظيت العمارة الدينية على الدوام بأفضل المواد وأمهر الصنّاعين. غير أنه ترتب على ذلك المفهوم وعلى عناصر أخرى عديدة لسنا هنا بين يدي مناقشتها، انخفاض المستوى الاجتماعي للمشتغلين بحرفة البناء. ويرسم لنا دكتور ثروت عكاشة في كتابه «القيم الجمالية في العمارة الإسلامية» مقارنة حافلة بالمفارقات بين وضع المشتغلين بحرفة البناء في أوروبا وبصفة خاصة في منتصف القرن الثالث عشر وبين وضع نظرائهم في العالم الإسلامي، الذين جهدوا لتجاوز أوضاعهم وليقدموا لنا الروائع التي لا تزال تملأ آفاق العالم اليوم، على الرغم من مضي قرون عديدة على انشائها. فمن ناحية نجد أن المهندس المعماري أو رئيس البنائين كان في منتصف ذلك القرن في أوروبا يعد عضواً له قيمته في نقابة لا ينقصها النفوذ، بل انه أصبح يطلق على نفسه لقب «دكتور» وهو اللقب الخاص بالعلماء، واتخذ لنفسه زياً أكاديمياً متميزاً، وخلع على نفسه صفات شرفية تنقش على قبره. ولا نجد في الإسلام ما يشبه ذلك تماماً، وإن كان الصناع والمهندسون في دولة السلاجقة بالأناضول قد أثبتوا أسماءهم وتوقيعاتهم على كثير من المباني، مما قد يدل على أن المشتغلين بحرفة البناء قد احتلوا في ذلك الوقت مكانة متميزة. ومن ناحية أخرى على الرغم من المستوى المتواضع الذي كان يعيش فيه المهندس أو الصانع أو البناء في المجتمع المسلم، إلا أنه من الجدير بالتقدير والإعجاب ألا تشيع سرقات تصميم المباني، بل إن الحالات التي يقتبس فيها مهندس تصميماً من غيره أو يستعير بعض عناصره إنما هي حالات قليلة غير شائعة، ومن الجلي أن مرد ذلك ما كان يتميز به الصانع البسيط من مهارة وبراعة في أداء واجبه وأمانة في الاضطلاع بعمله، من دون أن يكون له مرشد أو هاد غير أحد أبناء المهنة ممن يفوقونه خبرة، لا يتركه إلا وقد رفعه من مرتبة الصبي إلى مرتبة المعلم وسط مراسم خاصة معروفة في إطار نظام الطوائف في المجتمع الإسلامي. الأنا الهاربة! في إطار هذه الصورة العامة، لا بُدّ لنا من التطرق إلى جانب مهم، وهو المتعلق بما يصفه دكتور خالد مكداشي بنفي النفس، أو الأنا، عند الفنان المسلم وتحقيقه ذاته. فما هو المقصود بذلك على وجه الدقة؟ يبادر دكتور مكداشي إلى إيضاح أنه إذا كانت ذات الفنان شرطاً من شروط وجود العمل الفني، فإن معاني ذات الفنان ليست واحدة عند مختلف الشعوب، حيث تختلف من مجتمع لآخر ومن حضارة لأخرى، وهي ليست بالتالي مطلقة، وإنما هي تتحدد وفق حقائق ومعتقدات وخصائص كل مجتمع من المجتمعات. ولكي نتفهم معاني وكيفية تحقيق ذات الإنسان في المجتمع الإسلامي، فلا بُد من فهم واضح لنظرة الإسلام للوجود، نظرة الإنسان لنفسه وللمجتمع من حوله، للطبيعة، للوجود، للكون وعلمه بالله تعالى. إذا شئنا العودة للغزالي في «إحياء علوم الدين» لتحقيق اطلالة على المقصود بمعاني الذات في الإسلام، لوجدناه يوضح لنا بشأن معاني الذات: «نفس الإنسان، أي ذاته وحقيقته العالمة بالله تعالى وسائر المعلومات. والمقصود هنا النفس بصفاتها الحميدة». وبموازاة النفس الحميدة، هناك النفس المذمومة، وتكمن بدورها في ذات الإنسان، وهي بحسب التعبير الشهير الجامعة لقوة الغضب والشهوة. وفي الحديث النبوي الشريف «أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك». وطريق السعادة هو في تحقيق النفس الحميدة وكبح جماح النفس المذمومة، حيث يؤدي ذلك إلى كمال الإنسان المسلم. ويقول الغزالي في هذا الصدد: «أما حب نفسه وبقائه وكماله، ودوام وجوده وبغضه لهلاكه وعدمه ونقصانه وقواطع كماله، فهذه جِبلة كل حي ولا يتصور أن ينفك عنها وهذا يقتضي غاية محبة الله تعالى، فإن من عرف نفسه وعرف ربه عرف قطعاً أنه لا وجود له بذاته، وإنما وجود ذاته ودوام وجوده وكمال وجوده من الله وإلى الله وبالله». وجوهر هذا المعنى أن حب النفس في الإسلام من حب الله. وبالمثل فإن تحقيق هذه النفس، أو الذات، أو الأنا، إنما يتم في التقاليد الفكرية الإسلامية لا من خلال الفرد وسلوكه وعمله وما يأتيه أو يدعه، وإنما من خلال الجماعة الإسلامية التي أوكل الله إليها تعالى أمره في العالم واستخلفها في الأرض. هكذا فإن ذات الإنسان، ومن ثم ذات الفنان، في الإسلام لا تتحقق إلا بإنكارها لأناها وبسعيها للحاق بصفات الجماعة وكل الموجودات، حيث تتحقق هناك. هيا بنا نُرصع إذا انتقلنا، في ضوء هذا الفهم، إلى العمليات العشر المندرجة في صميم الزخرفة المعمارية الإسلامية، وبدأنا بالترصيع، لوجدنا أن الترصيع في لغتنا الجميلة يراد به أصلاً التركيب، ومن هنا يقال تاج مرصع بالجواهر وسيف مرصع بالرصائع وهي حُلق يُحلى بها ووحداتها رصيعة، وقد عممت لتعني كل حلية مستديرة يحلى بها التاج ونحوه. والترصيع في البديع توازن الألفاظ مع اتفاق الفواصل، كما في قوله عزّ من قائل: «إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم». وترصيع الكلام اقتران الشيء بما يتفق معه في قدر مشترك مثل قوله تعالى: «إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى». أما فيما يعنينا من أمر الزخرفة المعمارية الإسلامية فإن الترصيع بأبسط المعاني إضافة مادة ثمينة إلى مادة أخرى أقل قيمة منها بغرض الزينة والتجميل. ولا يتردد بعض الباحثين في تحديد المواد المستخدمة في الترصيع بهذا المعنى في الذهب والفضة والأحجار الكريمة والفسيفساء والجواهر، على وجه الحصر، غير أنه على الصعيد العملي يشيع استخدام العظم والعاج والصدف في التطعيم. ويلفت د. عاصم محمد رزق نظرنا في «معجم مصطلحات العمارة والفنون الإسلامية» إلى نقطة مهمة، وهي الفاصل الدقيق، من الناحية الفنية بين الترصيع والتكفيت، فالترصيع بالمعنى الذي رأيناه حالاً يختلف عن التكفيت الذي هو، في جوهره، استخدام الأحجار الكريمة وأسلاك الذهب والفضة لملء شقوق الزخرفة بأحدهما أو بهما معاً أو ببعض الجواهر والأحجار الكريمة. وكل من له أدنى معرفة بأسرار عالم الزخرفة الإسلامية يدرك ما في الترصيع من جهد وعناء، فهو في حقيقة أمره يعتمد على تجميع مربعات صغيرة، من العظم والعاج والصدف غالباً على نحو ما أشرنا، بعناية فائقة بعضها إلى البعض الآخر في أشكال هندسية مختلفة، ثم تلصق هذه الأشكال على أرضية خشبية مسطحة غير محفورة، كما في التكفيت أو التنزيل. ومن المحقق أن هذا الفن الزخرفي الإسلامي الراقي كان شائعاً في دار الإسلام شرقاً وغرباً على السواء على امتداد قرون طويلة، وقد بلغ في عهد المماليك في مصر والشام ذروة رفيعة عزّ نظيرها في العالم كله. غير أن المرء ليس بحاجة إلى أن يكون خبيراً في الترصيع لكي يدرك أن أشهر نماذج الترصيع في العالم وأكثر فتنة للخبراء واستقطاباً للسياح هي تلك التي تتألق على ضفاف نهر يامونا بالهند ممثلة في مجموعة تاج محل الجنائزية، التي سبق لها أن وصفت بأنها أكثر المعالم المعمارية التي أبدعها الإنسان كمالاً على وجه الأرض. ولسوف نرى جوانب من هذا على الصعيد الزخرفي لدى تناولنا للمجموعة كدراسة حالة في ختام هذا الجزء من الموسوعة ضمن دراسات حالات أخرى، فدعنا هنا نقتصر على القول بأوسع المعاني إن مجموعة تاج محل استخدم فيها، في المقام الأول، أسلوبان فنيان للزخرفة أولهما هو النحت النافر على نحو ما نشاهد على التلبيس البديع للجدران الداخلية والخارجية. أما الأسلوب الثاني للزخرفة فهو الذي يعنينا لأنه الترصيع لا غيره، حيث استخدمت أحجار كريمة وشبه كريمة متعددة الألوان في تطعيم الرخام الأبيض. وبالنسبة للرقش الذي يؤكد إطار الإيوان على كل وجهيه استخدام الرخام الأسود. أما بالنسبة لباقي الزخرفة التي تتألق فيها المؤثرات النباتية السائدة فقد استخدم حشد من الأحجار شبه الكريمة ذات الأصول المختلفة، ومنها الكهرمان الأصفر المجلوب من بورما، وحجر اللازورد المستقدم من أفغانستان، والنفريت وهو نوع من اليشب استقدم من تركستان، والعقيق الأحمر، واللاميتيت، واليشب، والبريل الأخضر، والعقيق الأبيض، والجزع اليماني، والمرجان من مختلف أرجاء الهند. وعلى الرغم من أن الجهد الأكبر في توظيف الترصيع كأسلوب زخرفي إبداعي قد انصب على القاعة التي تضم الضريح، إلا أننا نرصده كذلك في الأفاريز الموجودة على الجدران الخارجية للمجموعة، ومن المحقق أنه قدم مساهمة يعتد بها في تحقيق شهرتها العالمية المدوية. وإني لأذكر أنني قد عرفت في صدر العمر عدداً من المبدعين في هذا الفن العريق بالقاهرة، فلما قصدتهم في خريف العمر بطلب من اخوة كرام من أبناء الخليج، وجدتهم قد أدركهم مُفَرق الجماعات، وبعضهم لم يترك وراءه من أتقن فنهم وتعمق في أسراره أما البعض الآخر فقد ترك قلة قليلة ممن ورثوا أسرار هذا الفن، وهؤلاء الأخيرون إما أن تجدهم على سفر في أرجاء الأرض تلبية لتكليفات لا تنقطع، وإما أن تجد نفسك مندرجاً في قائمة انتظار طويلة لكي تلقاهم، أين منها قوائم انتظار مشاهير الأطباء، فسبحان من يغير ولا يتغير. إضاءة في الزمن المملوكي إذا انتقلنا إلى الحديث عن التكفيت، فإننا سرعان ما ندرك أنه يقال في لغتنا الجميلة كفت الشيء (بالفتح) ضمه إليه. وفي الحديث الشريف: «اكفتوا صبيانكم فإن للشيطان خطفة». والكفات الموضع الذي يكفت فيه شيء أي يضم ومنه قوله تعالى: «ألم نجعل الأرض كفاتا». ويقال أيضاً كفت الطائر أسرع في طيرانه، وكفت الشيء تقلب بطنا لظهر وظهراً لبطن. والكفت «بفتح الكاف وسكون الفاء» القدر الصغيرة، والكفت من الخيل الشديد الوثب الذي لا يستمكن منه. أما في عالم الزخرفة فإن التكفيت، أو التطبيق، هو تزيين معدن بمعدن آخر أثمن منه، كتزيين النحاس أو البرونز بأسلاك من الذهب أو الفضة أو النحاس الأحمر، يتم تنزيلها في شقوق محفورة في بدن الآنية طبقاً للتصميم الفني المطلوب. ومن المعتقد أن هذا الفن الزخرفي البديع قد نشأ على أيدي المبدعين السلاجقة في شرقي فارس، ولا سيما خراسان، ومنها انتشرت وصولاً إلى العراق حيث تحولت الموصل بشمالي العراق إلى مركز رئيسي من مراكز التكفيت، وبعد سقوط بغداد انتقل الكثير من مبدعي التكفيت إلى كل من مصر والشام فقدموا للعالم روائع لا يزال الكثير منها محفوظاً في متحف اللوفر بباريس وفرير بواشنطن. ووصل الاهتمام بهذا الفن إلى ذروته في العصر المملوكي الذي وصلتنا منه الكثير من الأبواب المصفحة والشمعدانات والتنانير وغير مما استعملت فيه أساليب زخرفية مختلفة كالتكفيت والتخريم والحفر. وقد انتقلت أسرار هذا الإبداع من الموصليين إلى المصريين حيث راجت بينهم رواجاً شديداً إلى حد أن المقريزي لم يتردد في الحديث عنه طويلاً. ووصل هذا الازدهار إلى ذروته في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون في النصف الأول من القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) وشمل إلى جوار الأبواب المعالجة بالتصفيح التي تعنينا في السياق المعماري الكثير من صناديق المصاحف والثريات والشمعدانات والمقلمات والعُلب الاسطوانية، التي امتازت بما تحمله من كتابات نسخية مملوكية، ومن رنوك لسلاطين وأمراء هذا العصر ومن تفريعات نباتية ذات أوراق وزهور، ربما كان أهمها نبات عود الصليب الذي نقله مبدعو التكفيت غالباً من التحف الواردة عبر المحيط الهندي على متن السفن من الشرق الأقصى. تلبيس الرخام أو تنزيله النزل (بضمتين متتابعتين) هو في لغتنا الجميلة ما يهيأ للسكن أو الإقامة، ومنه قول الحق سبحانه وتعالى: «جنات الفردوس نزلا». قال الأخفش: هو من نزول الناس بعضهم على بعض يقال: ما وجدنا عندكم نزلاً. والنزول الهبوط من أعلى إلى أسفل، والتنزل النزول على مهل، والتنزيل الترتيب، والتوجيه الإلهي الذي كان ينزل من الله سبحانه وتعالى إلى رُسله بطريق الوحي. وفي عالم الزخرفة يعني التنزيل تلبيس الرخام الأبيض عادة بقطع رخامية ملونة، حيث يبدأ المرخم فيها برسم الشكل الفني المطلوب على اللوح الرخامي المراد التنزيل فيه، وغالباً ما يكون ذلك بالاستعانة بنماذج يتوارث المرخمون أسرارها جيلاً بعد جيل، ثم يقوم بالاستعانة بالازميل وغيره من أدوات الحفر بعمل شقوق صغيرة تتراوح أبعادها بين ربع سنتيمتر ونصف سنتيمتر لكي يدفن فيها القطع المنزلة ـ طبقاً للتصميم الفني ـ على وسادة من الاسمنت سريع الشك حتى تتماسك هذه القطع على السطح المنزل فيه بأسرع وقت ممكن، ثم تطور الأمر بهذه الطريقة إلى تنزيل الزخارف النباتية والهندسية والكتابية إلى تنزيل الزخارف النباتية والهندسية والكتابية بمعاجين ملونة باللونين الاسود والأحمر الطوبي على السطوح الحجرية أو الجصية، ولاسيما في عدد من أبرز مباني العهد المملوكي التي ترجع إلى النصف الثاني من القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)، كما حدث في مدرسة وخانقاه أبي بكر مزهر بالجمالية ومسجد ومدرسة قجماس الإسحاقي بالدرب الأحمر وغيرهما. غير أن معنى التنزيل والتلبيس ـ حسب بعض الآراء ـ قد اتسع نطاقه، ولم يعد قاصراً على هذا، وإنما انصرف إلى كل حفر في سطح وملئه بمادة أخرى أو بلون آخر، وانتقل المعنى من تلبيس الرخام الأبيض بقطع رخامية ملونة إلى تلبيس الحجر والجص بالمعاجين الملونة باللونين الأسود والأحمر الطوبي، وإلى تلبيس العاج في الخشب، والصدف في قطع الفسيفساء. هكذا حدث نوع من التداخل أو التقاطع أو التشابك بين التنزيل أو التلبيس ـ بهذا المعنى الأخير ـ وبين التطعيم الذي ينصرف أصلاً إلى اضافة مواد ثمينة كالعظم والعاج والابنوس وما إلى ذلك إلى السطح الخشبية التي طعمت بها، وكذلك بين التكفيت الذي رأينا انه في جوهره اضافة أسلاك من الذهب أو الفضة أو النحاس الأحمر إلى الأسطح المعدنية التي كفت بها. ويعرب دكتور عاصم محمد رزق عن اعتقاده بأن طريقة التنزيل أو التلبيس هي ما اختصت بدفن معجون ملون عبارة عن مزيج من زيت خاص ومساحيق معينة كالسبيداج والجفصين وما شابه ذلك، ثم خلط هذه المواد مع الالوان المطلوبة ـ أو بدونها ـ ليتكون في النهاية معجون يثبت به زجاج النوافذ، أو يرسم به على الخشب، أو ينزل في الحجر أو الجص لأغراض زخرفية. وإلى جوار المثالين اللذين ضربناهما من مصر المملوكية على التنزيل أو التلبيس كفن زخرفي مميز، فإننا نعود إلى مثال طبقت شهرته الآفاق هو ذلك الذي نجده في دار الضيافة بمجموعة تاج محل الجنائزية المطلة على ضفاف نهر يامونا بالهند، حيث نجد إلى جوار النحت النافر تنزيلاً أو تلبيساً للرخام الأبيض والأسود على حجر جيري أحمر طوبي في أشكال هندسية بالغة الدقة والرهافة.