الجمعة 10 رمضان 1423 هـ الموافق 15 نوفمبر 2002 سورة النساء من السور المدنية وعدد آياتها مئة وخمس وسبعون في عد أهل المدينة ومكة والبصرة ومئة وست وسبعون في عد أهل الكوفة ومئة وسبع وسبعون في عد أهل الشام. وقد عدّت الثالثة والتسعين من السور. نزلت بعد سورة الممتحنة وقبل سورة «إذا زلزلت الأرض». وهي سورة النساء الكبرى وسورة الطلاق سورة النساء الصغرى. وهي مدنية كما ذكر بدليل الحديث الذي أورده البخاري عن عائشة انها قالت: ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند عند رسول الله صلى الله عليه و سلم. من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى بعائشة في المدينة في شهر شوال من السنة الأولى من الهجرة. وهذا الحديث دلّ على تسمية هذه السورة بسورة النساء. ووجه تسميتها بإضافة الى النساء أنها افتتحت بأحكام صلة الرحم، ثم بأحكام تخص النساء وان فيها أحكاماً كثيرة من أحكام النساء والأزواج والبنات وختمت بأحكام تخص النساء. وعنوان السورة النساء دال على مقصدها حيث ان النساء اصبحن بعد خلقهن مستقر الأرحام والتكاثر بين البشر لهذا كان لاسم سورة النساء اشارة قوية بين اسمها وافتتاحيتها التي وجهت الناس الى مقصد حياتهم الحقيقي في الإيمان والخوف من الذي أنشأهم من العدم ورباهم وشملهم بكرمه وكرر التذكير بأنه خلقهم من نفس واحدة وهذا هو مقصود اضافة اسم السورة بأنه ليس هناك فرق بين الرجال والنساء في اصل الحق والتكليف لأنه خلقكم من نفس واحدة وجعلكم جنساً تقوم مصالحه على التعاون والتآزر وحفظ بعضكم حقوق بعض. فلا تفرطوا فيها، فإنكم إن فعلتم ذلك افسدتم الأسر والعشائر، فعليكم ان تحافظوا على هاتين الرابطتين. رابطة الايمان ورابطة الرحم بينكم. ومن جهة اخرى فإن من مقاصد هذا الاسم (النساء) هو توجيه لا شعوري الى الرجال الذين ينظرون بنظره ازدراء الى النساء وكأن عنوان السورة يقول لهم ايها الرجال ان النساء هن اصل منبتكم ومستقر أرحامكم وانس مجالسكم وسكن نفوسكم فلماذا هذا التعالي على النساء وهضم حقوقهن واستخدامهن ايماء عندكم وهن كما تعلمون انهن أمهات وبنات وخالات وعمات فلا يخلو رجل من هذه الأصناف. وهذا التوجيه الرباني العظيم ليلفت النظر الى اهمية حفظ هذه الحقوق وتطبيق الواجبات حتى تبقى البشرية في انسانيتها الحقيقية. لهذا كان افتتاح السورة بنداء «أيها الناس» وهو الخطاب الذي يعم بني آدم، لأن الناس اسم جمع. وتغلب المذكر على المؤنث هنا ليس دليلاً عى ان المراد هم الرجال. ولو لم تدخل الاناث في ذلك لما شاركن في الاحكام وهذه الخلق على هذا النمط البديع في أحسن هيئة مما يذكر بالنعمة العظيمة وهي من دواعي الاتقاء التي دعا اليها القرآن ومن موجبات الانقياد لجميع اوامره. وهذا القول مبني عند قوله تعالى (من نفس واحدة) أي ان الجميع آدم وحواء هم نفس واحدة في الأصل فجاء آدم ثم جاءت حواء من نفس النفس التي خلق منها آدم ثم كانت الذرية من نفس النفس التي خلق منها آدم وحواء. وممكن يرد سؤال ما هي النفس وما هي الروح؟ القول في ذلك كما اشار اليه العلماء هو:انه مما لا شك ان في الانبياء ناحية مادية وناحية مبهمة محجوبة بها العقل والحفظ والتذكر، وهذه الامور اثارها محسوبة بلا شك، وليست من صفات الجسد، فما منشؤها؟ قال الاقدمون عنها: انها النفس والروح، وهل هي جسم نوراني علوي منفصل عن الجسم متصل به في حال الحياة؟ وهي حالة تعرض للجسم ما دام حياً وليست جسماً! هذا من ناحية ربط دلالة الاسم على المسمى ومدى التمازج بين اسم السورة ومضمونها حول وحدة النفس البشرية وما النساء الا منها ويتضح ذلك جليلاً في قوله تعالى (وخلق منها زوجها) ففي هذا مسوق لتقرير وحدة المبدأ، وتفصيل ما أجمل أولاً. والمراد من الزوج (حواء) فقد خلقت من ضلع من أضلاع آدم. كما ورد في الحديث (إن المرأة خلفت من ضلع أعوج وان اعوج ما في الضلع اعلاه) ولعل الفائدة في خلقها من ضلع، اظهار انه سبحانه وتعالى قادر على ان يخلق حياً من حي ـ لا على سبيل التوالد ـ. كما انه قادر ان يخلق حياً من جماد كخلق آدم. وعلى ما تقدم يتضح لكل عاقل بأن وضع هذه الاسماء يحمل اسراراً عظيمة ومنها هذه السورة التي حملت اسم النساء لتقول للرجال الذين يوءدون البنات اللواتي هن نساء لا تفعلوا ذلك ولا تحقروا خلق الله فما أنتم شيء أيها الرجال بدون النساء ولا تقوم لكم قائمة واشكروا الله على هذا الجمع اللطيف في حسن التقارب والمودة في اللقاء بين الرجل والمرأة والتي هي على شكله بل أجمل. فاعقل أيها الرجل وتصور لو ان الله لم يخلق لك حواء وجعل فيك هذه الشهوة كيف تقضيها وتخيل انك تقضيها مع أي حيوان آخر هل ستجد نفسك في راحة؟ كلا وألف كلا ومن وجهة اخرى يوضح الله للبشر ان صلة الأرحام يجب ان تعمر وان يحافظ عليها ولو نظرنا الى المجتمعات غير المسلمة هل تجد عندهم هذا التراحم والمودة والمحبة بين ارحامهم؟ لا تجدها وعلى ذلك تتضح لنا اهمية دعوة القرآن للتراحم والتواصل والمحبة وخاصة ان تبني هذه المحبة وقضاء الشهوة على قيم الدين ومنهاج الشريعة لتخلق لنا ذرية طيبة بعضها من بعض ولتنعم النساء بأنس الرجال وينعم الرجال بالسكن النفسي والمادي المعنوي بالقرب من النساء. وفي سورة النساء الكثير من الأحكام التي يجب على كل امرئ التعرف عليها وأخذها بعين الجد لأن فيها صلاح الدنيا والآخرة وفي سورة النساء الكثير من الاشارات واللطائف والدلالات ولكن فيما ذكر الكفاية ولمن اراد الزيادة، فعليه بكتب التفسير والحمد لله رب العالمين. د. سيف الجابري