الجمعة 10 رمضان 1423 هـ الموافق 15 نوفمبر 2002 بعد نجاح محمد الفاتح في تحقيق الحلم الذي طالما راود المسلمين منذ العصر الأموي بدخوله المظفر إلى القسطنطينية عاصمة البيزنطيين تم تحويل اسم المدينة رسميا إلى إسلامبول (مدينة الإسلام) أو استانبول كما تعرف الآن. وقد رافق فتح المدينة تحويل كنيستها الشهيرة من «أيا صوفيا» إلى مسجد جامع. أما أول منشآت السلطان محمد الفاتح في استانبول فكان المجمع المعماري الكبير الذي يتوسط المسجد الجامع ، الذي تميز باستخدام أنصاف القباب على نطاق واسع. ففي هذا المسجد توجد قبة مركزية كبيرة قطرها 26 مترا وهي تمتد ناحية القبلة بنصف قبة من حجم السابقة ويوجد على جانبي القبة الرئيسية ونصف القبة ثلاث قباب صغيرة في كل جانب. ويعتبر هذا ولاشك تطورا مختلفاً تماما عن التخطيط المتواضع لدار المرق الخضراء (يشيل عمارت) في تيرة والذي تم فيه استخدام أنصاف القباب. ويعود الفضل في ابتكار جامع محمد الفاتح إلى مهندسه سنان الدين يوسف الذي أشرف لمدة ثماني سنوات على عمليات إنشائه. وهذا المسجد هو محور الإرتكاز لمجمع الفاتح ذلك المجمع المعماري الضخم المزدحم بمئات القباب التي تغطي 16 مدرسة كانت بمثابة جامعة في تلك الفترة ومطعما ومستشفى (دارشفا) وخانا وحمامات وعددا من الأضرحة. ومن أسف أن قبة المسجد قد سقطت بسبب الزلزال الذي ضرب استانبول في عام 1765م وقد أعيد تشييد القبة وكذلك أنصاف القباب الأربعة التي تغطى المسجد الآن فيما بين عامي 1767 و1771 على يد السلطان مصطفى الثالث ، وقد اقتضى الأمر تحريك الجدران الجانبية قليلا نحو الداخل دون مساس أو تعديل في جدار الصحف أو جدار القبلة وذلك من أجل إعادة بناء القبة الرئيسية. ومما له مغزاه أن الصحف والبوائك المحيطة به بقيت على حالتها الأولى القديمة وانها لم تتعرض لتغيرات جوهرية. وترجع أهمية هذا المسجد الذي يزيد قطر قبته بمقدار مترين عن قطر قبة مسجد أوج شرفلي إلى أنه فتح الطريق أمام قيام المساجد ذات القباب الضخمة في استانبول بصفة خاصة. وعلى مدار تسعة قرون ، تبدأ بتاريخ العمارة البيزنطية وإلى لحظة أحلال قبة جديدة لكنيسة أيا صوفيا بعد سقوط قبتها الأصيلة في زلزال عام 562م لم يتيسر لأية كنيسة أن تظفر بقبة يمكن أن يتجاوز قطرها عشرة أمتار ، ولعل ذلك وحده يوضح قدرة الأتراك العثمانيين وسعيهم نحو خلق مساحات رحيبة وضخمة متصلة إلى جانب سلامة الأسس التي اعتمدت عليها تصوراتهم وحساباتهم. ومنذ بناء مسجد أوج شرفلي في أدرنه أصبحت لصحن المسجد أي البوائك نسبة محددة معروفة واستقرت هيئته على وضع تقليدي هو الذي نراه في مسجد الفاتح في استانبول. ويعتبر مجمع محمد الفاتح الأول من حيث الضخامة بالنسبة لما أسسه العثمانيون وصار بذلك نموذجا يحتذى للمجمعات المعمارية التي شيدت فيما بعد. وسار السلطان بايزيد الثاني على خطى أبيه الفاتح فعهد إلى مهندسه «حيز الدين» بتخطيط وإنشاء مجمع يحمل اسم بايزيد في استانبول. وقد تم بناء المسجد خلال خمسة أعوام كاملة (1501 - 1506 م).وقد قام خير الدين بتطوير التصميم الذي شيد وفقه مسجد الفاتح إذ اضاف نصف قبة أخرى في الناحية الشمالية المواجهة للقبلة وقبة صغيرة في كل جانب.وقد بلغ قطر القبة الرئيسية في هذا المسجد 18 مترا وأحيطت بنصفي قبة لكل منهما نصف قطر الكبيرة وبأربعة قباب صغيرة في كل جانب. أما الجناحان اللذان يغطي كل منهما خمس قباب فإنهما يتصلان بحرم المسجد مباشرة. وأمام المسجد فناء مربع تتوسطه فسقية وتدور حول الفناء سلسلة ، وقد شيد لمسجد بايزيد مئذنتان في ركنين من أركانه ولكل منهما شرفة آذان واحدة. وأثناء حكم السلطان بايزيد بنى «عتيق باشا» مسجدا بست قباب في منطقة «زنجرلي قويو» باستانبول حوالي عام 1497 م. ورغم الحروب الكثيرة التي شغل بها سليم الأول فترة حكمه إلا أنه لم يغفل عن إنشاء مسجد يحمل اسمه في العاصمة استانبول. وقد شرع في تشييده وفق تخطيط مسجد بايزيد في أدرنه ولكنه توفي قبل إتمام البناء وقام ابنه سليمان القانوني باستكماله. ويمتاز هذا المسجد بضخامة قبته المركزية (قطرها 24 مترا) إلا انه يفتقد دفء الإبداع فثقل القبة يقع كله على الجدران ولما كانت هذه غير مرتفعة فقد نتج عن ذلك قصور وضعف واضحين ، كما أنه بولغ في إرتفاع المآذن (38 مترا عند شرفة الآذان) وعلى النقيض من ذلك فإن المسجد يتمتع بثراء زخرفي واضح باستخدام البلاطات الخزفية والزخارف الملونة وبأعمال الحفر على الخشب والرخام.ويقع ضريح السلطان سليم الأول في أحد جوانب هذا المسجد. وخلال عصر سليمان القانوني وابنه سليم الثاني ازدهرت عبقرية المعماري الشهير سنان وتجلت في عدد من العمائر التي شيدها في استانبول. وأول أعمال سنان في استانبول هو المجمع الخصكي الذي بناه لخرم سلطان زوجة سليمان القانوني. ومسجد هذا المجمع الذي أكمل بناءه عام 1539 م له قبة واحدة رئيسية وصفة لها خمس قباب. وتظهر أهم مراحل عبقرية سنان المعمارية من خلال ثلاثة آثار عظيمة هي مسجد شهر زاده ومسجد السلمانية وكلاهما في استانبول أما الثالث فهو السليمية بأدرنة. وقد بدأ سنان العمل في مسجد شهر زاده عام 1544م وانتهى بعد أربع سنوات إلى إنشاء مسجد مغطى بقبة مركزية تحدق بها أربعة من أنصاف القباب وتبلغ مساحة المسجد 1444 مترا مربعا إذ يبلغ طول ضلع مربعه 38 مترا وقد غطيت بقبة وصل قطرها إلى 19 مترا تعتمد على أربع دعائم وبلغ ارتفاع قمتها 37 مترا. وقد ألحق بهذا المسجد ضريح لشهر زاده محمد بن سليمان ومدرسة ودار للضيافة ودار للمرق. ويبقى جامع السلمانية في طليعة أعمال سنان المعمارية مثلما هو اليوم أحد أهم المعالم المعمارية القديمة في استانبول. وقد استغرق بناء مجمع السلمانية بأسره سبع سنوات (1550 - 1557 م).وقد اشتمل المجمع على أكبر وأول جامعة منذ زمن محمد الفاتح كما اشتمل على 18 مبنى إلى جانب ما به من الأضرحة. ونسق كل هذا بأسلوب جديد كل الجدة وبمفهوم واع لنظريات بناء المدن جوهره الاستفادة المثلى من مدرجات الربوة التي تشرف على القرن الذهبي ، وكان التصور الذي وضع للمسجد هو أن يبدو كوحدة مستقلة لها فناء ذو بوائك وشاذروان وأن يعكس تخطيطه الداخلي مظهره من الخارج. وقد وصل قطر القبة الرئيسية إلى 265 امتار وإرتفاعها إلى 53 مترا وهي أكثر قباب أستانبول إرتفاعا بعد أيا صوفيا وترتكز القبة على عقود تحملها أربع دعامات ضخمة ولزيادة اتساعها من ناحيتي المدخل والقبلة أضيف لها نصف قبة في كل ناحية بارتفاع 40 مترا ثم وسعت هاتان المنطقتان بحنيات رأسية إضافية. أما المساحتان الموجودتان إلى اليسار واليمين فقد غطيت كل منهما بخمس قباب. وبدلا من الرتابة التي قد تنجم عن بناء خمس قباب صغيرة متماثلة فقد عمد سنان إلى ابتكار جذاب غير مألوف يتلخص في تبادل بين قبة صغيرة وأخرى كبيرة حسب المساحة التي تغطيها القبة. ومن أجمل مساجد استانبول جامع أحمد الثالث الذي بدأ المهندس محمد أغا تلميذ سنان في تشييده عام 1609 م وانتهى من عمله عام 1617 م. ويعتبر هذا المسجد أرحب ما أنشئ من المساجد السلطانية وأكثرها مآذن (6 مآذن) وهو من المساجد التي استخدم ابتكار أربعة أنصاف القباب التي تحدق بالقبة المركزية ومساحة هذا المسجد 64/72 مترا وقطر قبته 235 م وارتفاعها 43 مترا وترتكز القبة على أربعة دعائم إسطوانية يبلغ قطر الواحدة منها خمسة أمتار ويطلقون على هذه الدعائم اسم أرجل الفيل. وقد اهتم محمد أغا بتوفير إضاءة طبيعية غامرة للمسجد حتى أصبح يتلألأ من الداخل بالضوء وكأنه القصر الذي يتحلى بإبداع الزخارف وقد استخدمت في تزيينه ببلاطات الخزف 21043 بلاطة خزفية تجمع أكثر من خمسين تصميما تغطي الجدران إلى ارتفاع الممرات العليا وهي كلها من صناعة الخزاف حسين ومن النماذج التي لا نظير لها في هذا المسجد مجموعة من البلاطات الفيروزية اللون ذات الكتابات القرآنية المذهبة وهي تزين الجناح السلطاني. وقد أضفى اللون الأزرق على جو المسجد من الداخل إحساسا قويا بسيطرة هذا اللون حتى صار المسجد يعرف باسم الجامع الأزرق. ويقع مسجد أحمد الثالث في وسط مجمع معماري كان يضم ضريحا للسلطان ومدرسة وداراً للمرق ومستشفى وسوقا وقيسارية ومعظم هذه الملحقات تعرض لخراب شامل أو جزئي. د. أحمد السيد محمد