الجمعة 10 رمضان 1423 هـ الموافق 15 نوفمبر 2002 قال الله جل ثناؤه: «مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير»، البقرة: 265. بعد أن ضرب الله سبحانه وتعالى مثلاً للذين يتصدقون بأموالهم، ولا يتقبل الله تعالى منهم صدقاتهم، لأنهم إما كانوا مؤمنين، ولكن يتبعون صدقاتهم بالمن والأذى، وإما كانوا كافرين، ينفقون رياء ونفاقاً، وذلك قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين» البقرة: 264. بعد أن ضرب الله مثلاً لهؤلاء وأولئك، ضرب مثلاً للمؤمنين الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاته، وتثبيتاً من أنفسهم. فمثل هؤلاء المؤمنين في ذلك الانفاق كمثل جنة بربوة، أي: بمكان مرتفع، أصابها مطر غزير عظيم القطر، فآتت ثمرها ضعفين، فإن لم يصبها وابل، أصابها طل. أي: مطر خفيف، صغير القطر، يكفيها لكرم منبتها، وخصّ الله تعالى هذه الجنة بالربوة، لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمراً.. وهكذا ينمي الله تعالى للمؤمنين أموالهم التي ينفقونها ابتغاء مرضاته وتثبيتاً من أنفسهم. أي: تثبيتاً لها على الإيمان واليقين. قال الزمخشري: «ويجوز أن يراد: تصديقاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم، لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل الله، علم أن تصديقه، وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن إخلاص قلبه و«من» على التفسير الأول للتبعيض، وعلى الثاني لابتداء الغاية». واستطرد الزمخشري قائلاً: «فإن قلت: ما معنى التبعض؟ قلت: معناه أن من بذل من ماله لوجه الله، فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معاً، فهو الذي ثبتها كلها». وفي قوله تعالى: «فإن لم يصبها وابل، فطل»، اشارة الى ان هذه الجنة التي اقيمت فوق ربوة عالية، لا تنقطع امداد السماء، فإن لم يسقها المطر الغزير في بعض الأوقات سقتها أنداء الطل التي لا تنقطع أبداً في تلك المواطن، وفي ذلك أيضاً اشارة الى طيب المكان وكرم المنبت الذي أقيمت فيه تلك الجنة. وهذا ما يجعل ثمرها مباركاً، وعطاءها جزلاً مضاعفاً، لا ينقطع أبداً.. وكذلك إحسان المؤمن ينمو، ويزدهر مثل عطاء تلك الجنة، فإن فضل الله دائماً متصل بهذا الإحسان، يغذيه وينميه لصاحبه، حتى يجده شيئاً عظيماً يسر العين، ويشرح الصدر! وأجاز الزمخشري أن يكون مثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطل. وكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة، فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة ـ بعد أن يطلب بها وجه الله، ويبذل فيها الواسع ـ زاكية عند الله زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده. محمد اسماعيل عتوك