الخميس 9 رمضان 1423 هـ الموافق 14 نوفمبر 2002 بدأ رسم الخرائط العثمانية بدايته الحقيقية مع بيري رايسي ولم تكن بدايته غير محظورة بل بدأ رسم الخرائط باسلوب محترف وعلمي متصور. وكتابه عن الملاحة هو دليل للخرائط التي تظهر على الشواطيء والجزر والمعالم المهمة في حوض البحر المتوسط مع التفصيلات المهمة. وقام رايسي ايضا برسم خريطتين ذات اهمية كبرى في تاريخ رسم الخرائط الاولى في العالم كله والثانية لاميركا الشمالية وكانتا على درجة عالية من الدقة ونظام انعكاسي مما شكل بحق تميزا كبيرا وسبقا في عصره. بالاضافة الى كونه رسام خرائط وملهما كان رايسي ضابطا ترك بصماته المميزة في التاريخ العثماني البحري، وذلك في الفترة ما بين 1465 و 1470 في جيليبولو وهي مدينة تطل مباشرة بين بحر مرمرة في قارة اسيا وكان سكانها بحارة لاجيال عده سابقة. ويدين رايسي بالفضل لعمه كمال رايسي وهو ادميرال عثماني مشهور موهوب لاجانب في البحر المتوسط في الربع الاخير من القرن الخامس عشر. وحتى عام 1792 عمل رايسي مع عمه كمال في مكافحة القرصنة على شواطيء اسبانيا في الجزء الغربي من حوض البحر المتوسط. وبناء على طلب السلطان بايزيد الثاني الذي ولد عام 1481 وتوفى في 1512 منه الاثنان من انتشار القرصنة في ارجاء الشواطيء العثمانية. واديا ادوارا مهمة في الحروب البحرية مثل ليبانتو، مينوني، كورونني، نافايرينو وميتايليين ورودس. وعندما توفى كمال رايسي عام 1570 عاد بيري الى جيليبولو وهناك بدأ عمله في كتابه عن البحرية. وفي العام 1517 عاد الى البحر ليعمل كادميرال في حملة السلطان سليم الاول الى مصر وبعد ذلك اطلع السلطان على خريطته للعالم التي فرغ منها في العام 1513 وفي هذه الفترة ايضا رافق ابن عمه محيي الدين رايسي الضابط في حملات في البحر المتوسط ثم امضى بعض السنوت في جليبولو يعمل في الخرائط وفي تأليف كتابه عن البحرية، وفرغ من عمله هذا في العام 1526 وقدمه للسلطان سليمان الكبير. وعندما فرغ من اعداد خرائطه لاميركا الشمالية في عام 1528 قام بتقديمها للسلطان سليمان. وكانت مرحلته الاخيرة في الخدمة الفعلية في البحرية العثمانية كقائد في مصر وانتهت هذه المرحلة بمأساة حقيقية. بعد حملته الثانية ضد البرتغال في العام 1552 ترك اسطوله في بصرى من اجل اعمال الصيانة وابحر مع ثلاثة مراكب وكانت النتيجة انه اعتقل وحوكم بتهمة الاهمال في اداء واجباته وكانت هذه المحاكمة التي قام بها حاكم مصر غير عادلة. وادى ذلك الى وفاته عن عمر يربو على 80 عاما وقاموا بمصادرة كل املاكه وحتى اكتشفت خريطة العالم التي قام برسمها بيري رايسي في قصر تربكابي في العام 1929 وقام باكتشافها خليل ادهم مدير المتاحف القومية. وتفحص الخارطة المستشرق الالماني بول كاهل الذي كان يعمل بالابحاث في اسطنبول في ذلك الوقت، وكتب عن هذه الخريطة للمؤتمر الثامن عشر للدراسات الشرقية في لندن في العام 1931 . واخذت الخريطة الى مدينة انقرة وقام المؤرخون بفحصها ودراستها وامر مصطفى اتاتورك مؤسس الدولة التركية بطباعة العديد من النسخ منها. وكانت الخريطة الاصلية مرسومة على جلد جمل مع شروحات بتسعة الوان مختلفة ويبلغ طولها 86 سم وعرضها 61 سم ومن الناحية العلوية و41 سم من الناحية السفلية. والتفحص الدقيق للخريطة يظهر ان جزءها الايمن قد مزق وازيل على الرغم من ان التفاوت بين العرض الاعلى والعرض الاسفل للخريطة يعود الى طبيعة وشكل الجلد الذي رسمت عليه. والنصف الباقي من الخريطة الى اليوم يظهر الشواطيء الغربية والشرقية للمحيط الاطلسي اما شواطيء اميركا الشمالية والجنوبية والانتيل وشمال غرب افريقيا واسبانيا وفرنسا فهي قريبة الى حد بعيد من الخرائط المعاصرة وهي خريطة بحرية نموذجية مع خطوط وعلامات تظهر الاتجاهات والاطوال والارتفاعات، وقام بيري بتزينها بصور اسطورية وحقيقية مع العديد من المراكب المرسومة، وتظهر الخارطة اسماء الاماكن وبعض التواريخ المهمة مثل تاريخ اكتشاف مع ذكر الاساطير المتعلقة باكتشاف الاماكن التي تظهرا الخريطة، هذا بالاضافة الى شروحات توضح كيف قام بانجاز الخريطة وتقسيمها، ويظهر التزيين في الخريطة والصور الجميلة التي ضمتها ان بيري رسمها كهدية للسلطان العثماني. كما يشير بيري رايسي الى المصادر التي اعتمدها في رسمه للخريطة بنزاهة الباحث والخرائط التي استفاد منها في رسمه لهذه الخريطة. ومن جملة الخرائط التي استفاد منها خرائط عربية وبرتغالية وخريطة قام برسمها كريستوفر كولومبوس، وهذا يعتبر من اكثر نواحي الخريطة اثارة وكان كولومبوس قام باربع رحلات الى اميركا بين العام 1492 - 1504 ورسم خرائط لشواطيء اميركا، وكل هذه الخرائط ضاعت ولم تبق الا من خلال خريطة بيري رايس نفسها. وعلى الرغم من ان جوان دولا كوسا الذي رافق كولومبوس كدليل في رحلته الثانية قام برسم خريطة للعالم، كما رسم كوناري ايضا خريطة في العام 1506. كما قام مارتن والد سيمولير برسم الخرائط الاولى لاميركا في العام 1507 وكان او من اظهر القارة الاميركية بصورة منفصلة عن اسيا الا ان خريطة بيري رايسي هي الاكثر دقة من كل هذه الخرائط التي رسمت قبله. ومن ابرز مميزات خريطته الاتقان والدقة والاكتمال فيها ومطابقتها للواقع، فقد اظهرت دراسة قام بها البروفيسور هابجود في العام 1965 تطابقا نادرا بين خريطة بيري رايسي وخريطة اخرى تعتمد على صورة جوية تأخذ القاهرة كمركز. وخلال بحث غير موفق عن الجزء المفقود من خريطة بيري قام به مدير قصر متحف توبكابي لتحسين عن عثر على خريطة اخرى مقاس 69 X 70 سم وهي خريطة بحرية وتشبه الى حد بعيد خريطة بيري الاولى، ولكنها لا تعدو كونها جزءا من الخريطة ولا تشكل الخريطة كلها. وقيل ان هذه الخريطة هي خريطة لكل العالم كالخريطة الاولى ولكن المرجح غير ذلك لأن هناك اجزاء من العالم غير ظاهرة فيها. ويبدو ان بيري رايسي كان عازما على رسم خريطة تظهر العاصمة العثمانية بالنسبة الى العالم الجديد وتكون ذات مقاييس كبيرة او انه اراد تزويد السلطان العثماني بخريطة تظهر العالم الجديد ومعالمه ويبدو ان القصر العثماني قام باعطائه التوجيهات لرسم هذه الخريطة. وسبب عدم ظهور الجزر الافتراضية التي ظهرت في الخريطة الاولى يعود الى ان بيري اراد في الخريطة الثانية ان يظهر الشاطيء الاميركي بصورة اكثر دقة. ويظهر غياب الشروحات والرسومات الاسطورية عن الخريطة الثانية انه خلال الخمس عشرة سنة التي تفصل ما بين رسمه للخريطة الاولى والثانية كانت قد حدثت اكتشافات جديدة واراد ان يضمنها في الخريطة الثانية. ويمكن ان نستنتج ان غياب الاستواء عن الخريطة يشير الى ان الجزء المفقود منها كان فيه رسم خط الاستواء، كما ان بيري رايسي قام بتكبير رسم الموانئ في خريطته كي يقدم للبحار تفاصيل اضافية تساعدهم في الملاحة. ويبدو انه كان يهدف في خريطته الثانية الى رسم خريطة اكثر دقة وشاملة للمستجدات والاكتشافات الجديدة اكثر من الخارطة الاولى. ويشكل كتاب بيري رايسي عن البحرية كذلك مادة في غاية التشويق والاثارة وتحتاج الى الدراسة والتفصيل فيها وهي تحتاج بحق الى مقالات عدة كي نقف على اهميتها والافكار التي طرحتها والمعلومات التي تقدمها للمهتمين بشئون الملاحة والدخول الى عالم البحار الرائع والمريع والمثير في آن واحد. أميمة وجيه