الخميس 9 رمضان 1423 هـ الموافق 14 نوفمبر 2002 عندما نصل الى المهمة السادسة من المهام الست التي حددناها في بداية هذه المناقشة لانفسنا، وهي القاء الضوء على الخصائص الجمالية للزخرفة الاسلامية، ينفتح امامنا افق رحب، يمكننا تحته ان نضع ايدينا على حقائق جديدة وفي الوقت نفسه نبلور، بمعنى من المعاني، مجمل ما خرجنا به في غمار قيامنا باداء المهام الست في مجملها. لكنني اتمنى على القاريء، قبل قيامنا بهذا، ان يدرك اننا لسنا بين يدي مناقشة فنية معقدة، حافلة بالاصطلاحات والتعقيدات والقضايا التي لم تحسم حتى بالنسبة للاختصاصيين والخبراء، وانما نحن في المقام الاول امام فهم الروح التي صدر ولايزال يصدر عنها الفنان المسلم في ابداعه للزخرفة في العمارة الاسلامية. ولعلي اقرر حقيقة واضحة وبسيطة، بل بديهية حينما اذهب الى القول انه لا سبيل الى فهم الخصائص الجمالية للزخرفة الاسلامية مالم ندرك مدى الارتباط الوثيق بين فهم مبدعي هذا اللون الفني الدقيق للعالم وللوجود من حولهم في ضوء التوحيد اصطلاحا وعلما ومعطيات، وبين خصائص الفن الذي يبدعونه. جوهر الاشياء عديدة هي المنعطفات، في غمار مناقشتنا السابقة، التي ادركنا فيها ان الفنان المسلم انما ينطلق في غمار ابداعه، الذي تواصل على امتداد قرون طويلة وباتساع رقعة دار الإسلام، من ادراك كل ما يستعمله ويسخره ويوظفه فيما يبدعه من اجزاء اقسام لا يمكن الا ان يكون متجانسا بالجوهر، على الرغم من التناقض الظاهري، وعلى هذا الاساس يقوم التجاور والارتباط والتواصل بين مختلف اقسام العمل، وهنا تكمن عملية الاثارة في لغة هذه الفنون، والجماليات حيث تقوم على التزاوج والتناغم، خلافا لفنون تستحضر حالة من التناقض البالغ وتوظف مبدأ الصدمة. هذا الامر لم يكن مفهوما على صعيد الرؤية الجمالية الاسلامية فحسب واما نجد وعيا مرهفا به على اكثر من صعيد على نحو ما نجده في علم العمران والاجتماع ان شئت حيث يحدثنا ابن خلدون عن حتمية نشوء السلطة التي لدى قيامها «ينشأ الانس بالعشير واقتضاء الحاجات كما في طباعهم من التعاون على المعاش» ومن ثم ينتفي التقاتل والتصارع لدى قيام هذه السلطة وبتعبير اخر فإن التأليف بين عناصر العمران المدني المختلفة يتم من زاوية النفس المتجانسة عند البشر. هذا التجانس هو نفسه الذي يحدثنا عنه الماوردي في «ادب الدنيا والدين» حيث يقول: «الائتلاف بالتشاكل والتشاكل بالتجانس فإذا عدم التجانس من جهة، انتفى التشاكل من كل وجه، ومع انتفاء التشاكل يعدم الائتلاف»، وكأن هذا التعبير البديع يردد اصداء الحديث عن التأليف في الفن الاسلامي وضرورة التجانس الذي هو اساس التشاكل فيه. وهذا الحديث عن اسس تجمع البشر في حيز ما، انما هو تمهيد لمعالجة موضوع تجانس الفراغ مع العناصر الفنية الاخرى في حيز الفن وضمن عالمه الخاص. ويلفت د. غازي مكداشي في كتاب «وحدة الفنون الاسلامية» نظرنا الى ان الفنان المسلم يعتبر الفراغ اقصى درجات التجريد في عمله الفني حيث يحرص على الابتعاد عن محاكاة الموجودات بشكلها الظاهري، الامر الذي يعني ان هذا الفنان يعكس في مجاله ما تذهب اليه الجماعة الاسلامية في مجملها من ان كل جسم مؤلف من اجزاء متناهية هي الجواهر الافراد، والجوهر الفرد مجرد من المساحة، واجتماع الجواهر الافراد يدل على وجود جسم بعينه محدد المساحة والحجم والوزن وما التأليف القائم بين هذه الجواهر سوى عرض خلقه الله تعالى ويأتي استمرار وجود هذا الجسم من ديمومة مشيئته تعالى في الخلق المستمر. هكذا فإن الفراغ بالنسبة للفنان المسلم ليس هواء او اي جسم مادي اخر وانما هو فراع كامل بنظره وهو عندما يحاول تفكيك كتلة المادة المبنية كما يعبر جروبه او التخفيف من ثقلها عبر المساحة المفعمة بالايحاءات الزخرفية، فإن تلك الايحاءات تشكل نقطة التحول من الجسم المملوء تماما الى الجسم الفارغ تماما. بهذا المعنى فإنه عندما يفصل الفنان المسلم بين اجزاء المادة المبنية بعناصر معمارية مكررة، وفي صدرها المساحات الزخرفية والاعمدة والقناطر والقباب وغيرها، فإنه يقترب من خلال ابداعه هذا من روح الاجسام، اي حالة الفراغ المجرد، والتي تجد التعبير المطلق عنها في صحن المسجد. وهذا تفسير يهمنا ان نشدد على انه يتناسب مع المعاني التي يقول بها اهل الحقيقة من الصوفية. هذه النظرة بالمثل ليست بعيدة عن معاني علم الكلام فالفنان المسلم من خلال هذا الذي يبدعه يقترب من الجوهر الفرد اي من الجزء الذي لا يتجزأ حيث لا تأليف ولا لون ولا مساحة ولا جسم ولا اي عارض يسمح بالرؤية، وبذلك نكون امام الفراغ الكامل الذي هو سر من اسرار خلق الله تعالى لا يرى بما يدرك بالبصيرة كما رأينا الغزالي يقول في غمار الحديث عن ادراك الجمال الباطني حيث معرفة الله تعالى حسب تعبير الغزالي ايضا. هذه النظرة للموجودات في الاسلام، في جوهرها، نابعة من التوحيد، ففيه الاشياء كلها ذات دلالة واحدة نظرا لكون الخالق جلت قدرته واحدا احدا، وفي هذا الصدد يقول الغزالي في «احياء علوم الدين» في نص شهير ايضا: «فالله تعالى هو اظهر الامور وبه ظهرت الاشياء كلها.. ولو كان بعض الاشياء موجودا به وبعضها موجودا بغيره لادركت التفرقة بين الشيئين في الدلالة لكن دلالته في الاشياء على نسق واحد ووجوده دائم في الاحوال يستحيل خلافه». هكذا فإنه يبدو جليا ان مادة التجانس القائمة بين العناصر والاجزاء التي يتألف منها العمل الفني تجد اساسها كما تبين لنا في نظرة الفنان المتجلية في التوحيد بحيث لا يرى الكل من حيث انه كثير بل من حيث انه واحد. هذه الرؤية المتعمقة في جوهر الابداع كما قدمه لنا الفنان المسلم عبر مخزونه الهائل من الزخرفة المعمارية هي التي ستفتح لنا الباب رحبا على افق جماليات هذه الزخرفة. في زحام المدينة يمكننا، بأوسع المعاني تصور خمس خصائص جمالية للزخرفة في العمارة الاسلامية يمكن للقاريء من خلال استيعابها وتفهمها ان ينسج على منوالها ويخرج هو نفسه، من واقع تجاربه الجمالية ومن مجمل ما طرحناه في هذه المناقشة بالمزيد من الخصائص وهذه الخصائص الخمس التي نتصور انها اكثر من جلية هي كالتالي: ـ اولا البعدان المعماري والنسجي يستحضران خيمة البادية في قلب المدينة: في كل جهد يبذل للقيام بتوصيف دقيق لزخرفة العمارة الاسلامية نجد ان الاصطلاحات التي تفرض نفسها بصورة طبيعية وبشكل متواتر تحيل الى اصطلاحات مستمدة من عالم المنسوجات بشكل او بأخر ولست اشك في ان هذا هو مالمحه القاريء في غضون مناقشتنا هذه فما اكثر ما تحدثنا عن النسيج والتحابك والتداخل والملمس والشبكات والمخرمات وغير ذلك كثير في معرض توصيفنا لتأثيرات السطح في الزخرفة المعمارية وعديدة هي المواضع التي استعرنا تعبيرات من عالم المنسوجات لنتحدث عن اعمال الحفر في الجص على الاسطح او في باطن العقود، وكثيرا ما شبهنا ما وقعت عليه ابصارنا بالبسط والسجاد والزرابيات والمعلقات البديعة، وقلنا انها تكسو الجدران كسوة الثوب السابع او تحجب الكتل الانشائية كالجحاب او النقاب. السؤال الذي يطفو الان امام عيوننا على الفور: هو هل كل هذه التعبيرات مجرد تشبيهات او استحضارات رمزية ام انها في حقيقة الامر تمس المغزى الجمالي الابعد غورا للزخرفة المعمارية الاسلامية؟ ايا كانت الاجابة التي سنتصدى بها لعلامة الاستفهام هذه فمن المحقق ان هناك اصطلاحات عديدة تردد اصداء تلك التي اشرنا اليها نجدها في اللغتين العربية والفارسية على السواء، فالمؤرخ الذي تغنى بروائع القاهرة المعمارية في الزمان المملوكي واعني به المقريزي لايتردد في ان يشبه حشوات الرقش في وجهيات المباني بالطراز، وهو اصلا ما ينسج من الثياب الفاخرة للسلطان وتوسعا الموضع الذي تعمل فيه المنسوجات الفاخرة، وقد امتد ليعني في دنيا العمارة شريطا كتابيا منقوشا في مجر او رخام او خشب او غير ذلك من المواد ويكتب فيه بعد البسملة وبعض الايات القرآنية الكريمة نص تاريخي باسم منشيء البناء وتاريخ الانشاء وغالبا ما عمل الطراز بهذا المعنى في اعلى وجهيات المباني اوعلى جانبي مداخلها الرئيسية او حول رقاب قبابها من الداخل او الخارج او اعلى فتحات ابوابها ونوافذها وايواناتها. وفي الفارسية نجد اصطلاحا مثيرا للاهتمام كذلك هو «هزار هاف» الذي يعني اصلا «الف نسجة» وقد تم الخروج به من سياقه النسجي هذا والانصراف به الى سياق معماري هو النماذج او الانماط التي يمكن الحصول عليها من التداخل والتلاعب بتوظيف الاجر في العمارة الفارسية. وجلي للكافة ان هذه الاشارات الرمزية المستمدة من عالم المنسوجات انما تشير لدى توظيفها في سياق الزخرفة المعمارية الاسلامية الى بعض تأثيراتها البصرية تماما كالخيوط في النسيج التي تعبر السداة واللحمة اي مامد من الخيوط طولا وعرضيا وهذه الزخرفة تسكن عالما ثنائي الابعاد بمعنى انه ايا كانت طبيعة الخصائص التي يتمتع بها المبنى من حيث حجم كتلته الكلية فانه يرى ويشاهد وينظر اليه من منظور الاهاب الخارجي الذي يتشح به ولدى القاء نظرة فاحصة عليه من حيث اهابه هذا، فإنه يبدو من خلال التجزئة الى مساحات صغيرة مستطيلة والتغيرات الحادة في نماذج الزخرفة كما لو كان يتألف من تقابل سجاجيد او زرابيات مسدلة على الجدران، وعندئذ يسود انطباع قوامه المرونة كأنما السطح المزخرف وهو ابعد ما يكون عن تأكيد ثقل العناصر الانشائية المختلفة يبدو معلقا على كيان انشائي يحتجب وراءه احتجاجا. وهذا الانفكاك او الانفصال، او التمازج ان شئت بين الدعامة الانشائية وزخرفتها تم تشبيهه في بعض الاحيان بالمباديء الانشائية للخيام التي تضرب في البادية. وربما يكون المبدع المسلم قد استخدم هذه الزخرفة التي تسدل عباءة سابعة على الكيان الانشائي حتى في قلب المدينة العامرة بمظاهر الزحام لاستحضار البهجة التي يستشعرها القلب في مواجهة المرونة الفريدة للحياة في البادية. العين ترى وتلمس ثانيا: السمة اللمسية التي تخلفها اساليب فنية معينة في الزخرفة: من الخصائص الجمالية المألوفة في زخرفة العمارة الاسلامية تلك السمة اللمسية التي يخلعها عليها استخدام اساليب فنية بعينها والتي تؤكد الجانب النسجي الذي اشرنا اليه والاشتغال على النحت بصفة خاصة يعزف على وتر التقابلات بين النور والظل وذلك من خلال النحت الفائر الدقيق في الاسطح وليس بجعل الكتل ثابتة لاتريم. والفان المسلم بهذا يضفي ملمسا رهيفا على المواد الصلبة كالحجر او الجص التي تبدو بعد ابداعها على هذه الشاكلة كما لو كانت تمتص النور امتصاصا تماما كالقماش وهذا الحس النسجي غالبا ما يتم اضفاء المزيد من التأثيرات عليه من خلال المادة الاصلية للكتلة الانشائية وهو مايرجع الى الاسلوب الفني الانشائي المستخدم في تجميع الاجر والمعروف بالفارسية باسم «هزارهاف» او بالاهمية الكبيرة التي يتم اعطاؤها للنمط. ثالثا: منطق التضافر او التداخل: ربما كان وجه الشبه الاكثر لفتا للانظار بين الزخرفة المعمارية الاسلامية والمنسوجات يكمن فيما يمكن ان نسميه بمنطق التضافر او التحابك او التداخل او التعشيق فشأن الخيوط التي تنسج تحت وفوق بعضها البعض كي تشكل نسيجا او قماشا في نهاية المطاف نجد ان خطوط الزخرفة الاسلامية سواء اكانت توريقا ام تسطيرا ام رقشا تستفيد الى ابعد حد ممكن من هذه الديناميكية الفوقية السفلية لضمان تحقيق تماسك السطح التشكيلي وعلى امتداد دار الاسلام كان هذا الميل الى التداخل والتضفير من القوة بحيث انه يتغلغل في الكيان الانشائي للمبنى ذاته. وان اردت مثالا شهيرا على ذلك سبق لنا تناوله مرات ومرات فما عليك الا ان تستعيد في ذاكرتك مشهد الاقواس التي تشكلها العقود المتضافرة في بلاطة المحراب بجامع قرطبة الكبير.. وما عليك الا ان تنسى الجهامة الخارجية لقصر الجعفرية في سراقوسة التي تذكرنا بحصن خمس تاريخية في الدماء لنتذكر البهاء البديع للعقود والاعمدة الداخلية الذي يدين بوجوده ليس لتكوين الحجر وانما للزخرفة التي تخلع عليها مشاهد ستائر تلتف بالرقة وتتشح بالرهافة. رابعا: الاحالة المباشرة الى النماذج النسجية: بينما من الجلي للعيان ان الطابع النسجي لزخرفة العمارة الاسلامية يدور في فلك رمزي في الغالب الا ان ذلك لا ينفي وجود حالات كثيرة تغدو فيها الاحالة الى النماذج النسجية واضحة وصريحة ومباشرة بما يجافي الطابع غير القاطع للرمز.. وبالطبع يمكننا القول ان الرمز يجد اساسه في النوايا الصريحة والمقصودة لدى مبدعي الزخرفة الذين اما انهم يعمدون الى تقليد المنسوجات كأدق ما يكون التقليد واما وانهم وهذا هو ما جرى غالبا كانوا يبادرون الى المقابلة بين النماذج والتكوينات النسجية في اطار الاساليب الفنية المتاحة لهم. ولو اننا اردنا ان نضرب امثلة في هذا الصدد لضاق بنا المقام ذلك ان الامثلة تتعد ربما منذ البدايات المبكرة للمسيرة المعمارية الاسلامية فدعنا نتذكر على سبيل المثال ان فسيفساء الارضيات الاموية ذات المواف على الهامش النمارجي كانت بمثابة عمليات تقليد لا موضع للشك فيها للسجاجيد. وثمة مثل دال في سياق مختلف على نموذج خيمة البادية الذي سبقت لنا الاشارة اليه ففي القرن الثالث عشر نجد ان المقابر السلجوقية ذات المخطط الدائري في الاناضول وفارس هي استحضار مباشر لتقاليد الخيام المأتمية في وسط اسيا. وهكذا فإن مقبرة رضا خان في شرقي فارس هي في جوهرها مبنى دائري مقام بالاجر لا تقلد جدارته الموضوعات النسجية فحسب وانما كذلك الطيات الرأسية التي تتولد من تعليق المنسوجات. ومن دون الايغال في التطرق الى التفاصيل الفنية المتعلقة بالتقليد يبدو جليا ان الكسوة الفسيفسائية الخزفية التي تغطي اسطح العديد من المباني الفارسية تستمد الهامها بجلاء من نماذج وتكوينات السجاجيد التي كانت تنتج في العهود نفسها التي شيدت تلك المباني فيها وعلى الرغم من ان تلك الظاهرة وجدت خلال العهد التيموري الا انها تبدو اكثر بروزا في المباني. التي شيدت في عهد الامبراطور شاه عباس الصفوي في اصفهان. ولا يتردد الباحثون المدققون في فنون ذلك العهد في الاشارة الى انه يبدو ان مشاغل السجاد والامبراطورية كانت تعطي مخططاتها بشكل مباشر لمبدعي الزخرفة الفسيفسائية على نحو ما يمكن مشاهدته في الزخارف الفسيفسائية التي تؤطر مدخل مسجد شاه الجامع ويمكن ان يقال في هذا الصدد ايضا ان الابعاد الاكبر للمسطحات المزخرفة هي انعكاس مباشر للسجاجيد الاكبر التي نسجت في ذلك العهد. ولا تقف الامثلة الشهيرة في هذا الصدد عند هذا الحد وانما هي توغل في دار الاسلام شرقا فتخترق الافاق وصولا الى شبه القارة الهندية حيث يسود مبدأ نقل النماذج النسجية الى الاساليب الفنية المستخدمة في الزخرفة المعمارية في العمارة المغولية. هكذا فإننا نجد ان الارضيات المرمرية المرصعة والمكفتة الموجودة في ارضية ضريح عماد الدولة في اجرا بالهند هي نسخ طبق الاصل من السجاجيد المغولية وان شبكات عوارض معينة تجمل النوافذ في قلعة لاهور تحاكي الخمر او الاحجبة المطرزة. وسواء اكانت الزخرفة المعمارية الاسلامية تشير الى تقليد للمنسوجات ام تستعير عناصر من مخزونها الشكلي ام تكتفي باستعارة اجراءات فنية او تأثيرات بصرية منها فحسب فإنها في حقيقة الامر تكشف عن الانجذاب الكبير الى المسنوجات في الثقافة الاسلامية. وهنا ينبغي التوقف عند حقيقة مهمة وهي ان الدراسات الغربية تميل في غالبيتها الى دراسة الاعمال الاسلامية على نحو ما هي عليه اليوم غير ان دراسة النصوص المكتوبة والتقارير التي تضمها المخطوطات على هيئة اشكال ايضاحية تجعل من الجلي ان البيئة المعمارية الاسلامية قد اعطت وظيفة اساسية لكل انواع المنسوجات بما في ذلك السجاجيد والزرابيات والوسائد والستائر وغيرها وتوضح المنمنمات العربية والاسلامية التي بقيت لنا من عهود بعيدة كيف ان السجاجيد كانت تكسو الارضيات وان الزرابيات كانت تتألق على الجدران وان البوائك كانت تكتسي بالستر. ومن خلال استخدام هذه العناصر الفعالة فإن الفراغ الممتاز داخل المكونات الانشائية للعمارة الاسلامية يمكن تحويره لتلبية احتياجات بعينها وهذا الجانب لايزال قائما حتى اليوم في العديد من البلاد الاسلامية فتجد انه حينما يكون هناك احتفال بمناسبة ما تسدل الستائر للفصل بين الاماكن المخصصة للنساء وتلك المخصصة للرجال في المبنى نفسه وربما في القاعة ذاتها. ولكن الا ينقلنا ذلك الى دراسة جماليات الحجاب في زخرفة العمارة الاسلامية بصورة مباشرة؟ جماليات الحجاب لست اشك في ان من حق القاريء ان ينزعج من مجرد الحديث عن الحجب في سياق العمارة الاسلامية فذلك قد يعيد البعض الى مفهوم «العمارة المحجوبة» الذي قال به المؤرخ ارنست جروبه والذي زعم في اطاره ان العمارة الاسلامية هي عمارة لا وجود لها حين تتطلع اليها من الخارج ولا يتمثل لنا وجودها الا حين ندلف اليها ونشعلها ثم لا يتردد في الانتهاء الى القول ان العمارة المحجوبة هي الشكل المسيطر على العمارة الاسلامية والجامع الاموي بدمشق هو نموذج حي لهذه القاعدة على حين تشكل قبة الصخرة نموذجا واضحا على هذا الاستثناء. وقد قمنا في حينه بالرد على هذه المزاعم لكن حديثنا عن الحجاب في زخرفة العمارة ينصرف الى شيء اخر مختلف تماما عن تلك المزاعم والتخرصات التي قال بها جروبه. خامسا: الابراز الابداعي لجماليات الحجاب: تحدثنا دومنيك كليفنو كيف ان استخدام الانسجة في الفراغ المعماري الاسلامي وصل الى ذرى يصعب تخيلها فثمة صور تاريخية تتحدث عن استقبال احد الخلفاء العباسيين في عام 917 ميلادية لوفد بيزنطي رسمي على مستوى عال وقد ذهل هؤلاء السفراء الذين يضمهم الوفد البيزنطي عندما وجدوا انفسهم امام 38000 ستارة و22000 سجادة في قصور الخلافة التي ترددوا عليها وثمة اوصاف لاحداث دبلوماسية مماثلة في قصور الخلافة الفاطمية بالقاهرة. ايا ما كان الامر في هذا الصدد فإن ما يعنينا هو ما يتعلق بالحجاب ولاشك في ان الكلمة العربية نفسها تحيل ـ ضمن معان اخرى ـ التي قطعة من القماش تحجب بها المرأة ما امرت الشريعة بحجبه لكن هناك معنى اوسع نطاقا هو الذي يعنينا هنا فالحجب ليس فصل الرجال عن النساء وانما هناك حجب اخر اوسع نطاقا واعمق معنى ودلالة هو حجب الخاص عن العام حجب الداخل عن الخارج، حجب الظاهر عن الباطن. وهذه التقابلات تلخص وتختزل في التعبير الاخير الذي اوردناه حالا اي حجب الظاهر عن الباطن. ولست اريد تفصيل القول في هذا الصدد فقد يضيق المقام بما لدينا مثلما يضيق الصدر بما يجيش به من معان ولكننا نريد الاكتفاء بالاشارة الى ان احد ابعاد مفهوم الحجاب تكمن في ان دنيا الناس الفانين هذه التي نحيا فيها والتي نرى فيها بالاعين لا بالبصائر ما هي الا ظل عابر لانها دار ممر وليست بدار مقر. ربما لهذا عمد مبدعو الزخرفة الاسلامية في سياقها المعماري الى تجسيد هذا المفهوم وجعله واضحا جليا فاستخدموا الستائر الجصية والعباءات الفسيفسائية وغيرها من الوسائل الفنية في ابراز جماليات الحجاب فيما يوشك ان يكون دعوة الى الفصل بين رؤية ما هو حقيقي ومشاهدة ما هو زائف واختراق الحجب بنور التبصر لا بفضول النظر الذي يطل كليا مهما خيل للمرء انه حديد. واذا شئنا ان نضرب امثله شهيرة على هذا اللون من الابداع الزخرفي لاشرنا الى الستارة المرمرية في الجناح الخاص للامبراطور شاه جيهان في قلعة لاهور والتي يمكن من خلفها مشاهدة الديوان الخاص للامبراطور الذي زود هو نفسه بستائر مرمرية تتيح لمن يقف وراءها ان يطل على النهر من دون ان ترصده عين او يطلع عليه احد الا من سواه فخلقه. واني لادعو الله ان تكون مسيرتي حتى الان قد واكبها التوفيق فإن شابها الخطأ فاني اتضرع الى المولى القدير الا يكون قد اضيف المزيد الى خطاياي وان يلحقني بالتوابين. وليتنا نكون منهم فقد سئل الجنيد بن محمد عن التوبة ما هي فقال: هو «نسيان ذنبك» وسئل سهل عن التوبة فقال: «هو ان لا تنسى دنبك» فمعنى قول الجنيد ان تخرج حلاوة ذلك الفعل من قلبك خروجا لايبقى له في سرك اثر حتى تكون بمنزلة من لا يعرف ذلك قط.