الخميس 9 رمضان 1423 هـ الموافق 14 نوفمبر 2002 إن الله سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان كله مقدر فى نطفة الرجل (الحيوان المنوى) ونطفة المرأة (البويضة) ليس هذا فحسب بل إن تأثير الوراثة ضمن الجينات يمتد عبر القرون ليتصل بالآباء والأجداد. والعلم الحديث يكشف أن ضمن الجينات التى تقاس بالانجستروم (واحد على البليون من المتر) أوأقل من ذلك تكمن أسرار يظهرها الله متى شاء ومن ضمن تلك الأسرار الصفات والملامح التى تعطى الإنسان صفته وشكله واستعداده لكثير من الأخلاق والصفات البدنية والنفسية بل واستعداده لتقبل هذا الميكروب أو قدرته على مناعته كما أنه يرث استعداده لهذا المرض أو ذاك.قال تعالى: (قتل الإنسان ماأكفره من أى شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره). بل إن العلم الحديث قد خطا خطوات فقال : إن الإنسان موجود بشكل شفرة معقدة مطوية مبرمجة فإذا استقرت النطفة الأمشاج فى الرحم بدأت تفك شيئاً من سرها المغلق حسب البرنامج المعد لذلك خطوة خطوة. وفى أثناء هذه المرحلة الطويلة تفك شيئاً فشيئاً من رموزها المغلقة وتوجه الخلايا لتأخذ طابعها المميز. وعلم الوراثة الحديث يؤكد أن الشبه بين المولود ووالديه قد يكون غير ظاهر بل بعيداً كل البعد عن كلا الأبوين، وبما أن الصفات الوراثية قد تكون سائدة وقد تكون متنحية فإن الصفات المتنحية لا تكون ظاهرة لا فى الأب ولافى الأم. فإذا اتفق وكان الأب والأم يحملان إحدى هذه الصفات المتنحية فإن ربع أولادهم تقريباً ستظهر فيهم هذه الصفة المتنحية بصورة واضحة جلية وذلك لاجتماع الصفتين فى كل من الأب والأم. يقول تعالى:«حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم التى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم التى فى حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفوراً رحيماً». فى هذه الآية إشارة صريحة إلى تحريم زواج الأقارب الملتصقين، حيث أثبت العلم الحديث أن زواج الأقارب ينتج ذرية أفرادها على استعداد كبير للأمراض والتشوه بعيوب خلقية وأن درجة التناسل تقل حتى لقد تصل إلى العقم فى حين أن زواج الأباعد ينتج ذرية تفوق أيا من الأبوين على السواء. كما أثبت العلم أن زواج الأقارب يظهر الصفات المتنحية كما أن كثيراً من الأمراض يزداد احتمال ظهورها مع زواج الأقارب وذلك مثل أمراض الاستقلاب الوراثية. ولذا فإن الأمراض الوراثية - وخاصة منها ذات الصفات المتنحية إنما تظهر بصورة جلية وبنسبة أكبر عند زواج الأقارب. كما أثبت الطب أيضاً أن الاستعداد للإصابة بسرطان الثدى قد ينتقل عن طريق الرضاعة ذلك أنه اكتشف أن الأم التى تنحدر من أسرة حدثت بها حالات سرطان الثدى مثل هذه الأم حيث تقوم بإرضاع طفل فإنها قد تنقل إلى جسمه فيروس المرض. ومن هنا كان الرجل الذى رضع فى طفولته من لبن يحتوى على هذا الفيروس مصاباً به، ويحتوي السائل المنوي لديه على هذا الفيروس، وبهذا يمكن أن يورثه لذريته. وفى أوائل السبعينيات قام فريق من علماء الأورام الأميركان ببحث هذا الصدد بإحصاء حالات سرطان الثدى فى مدينة «بومباى» بالهند حيث توجد قبيلة «البارسى» وهذه القبيلة تعتبر كمجتمع مغلق لأنه لا يتم الزواج إلا بين أفراد القبيلة وزواج الأخوات من الرضاعة فى هذه القبيلة شائع جداً وقد تبين أن سرطان الثدى يمثل خمسين فى المائة من حالات الإصابة بالسرطان بين الإناث فى حين أن الإصابة بسرطان الثدى بين النساء المسلمات فى مدينة «بومباى» منخفضة بالمقارنة بنساء قبيلة «البارسى». وقد جاء هذا البحث الذى استهدف محاولة لفهم أسباب حدوث سرطان الثدى وتأثير عوامل الوراثة فى ذلك دليلاً قاطعاً على الحكمة البالغة الأهمية من تحريم زواج الأخوات وذلك لأنه تعرض بالبحث العلمى الدقيق إلى قبيلة عاشت مئات السنين فى عزلة تامة عن بقية سكان مدينة «بومباى» من المسلمين والهندوس وقد ثبت فى هذا البحث إلى ارتفاع نسبة حدوث سرطان الثدى بين أفراد القبيلة عن غيرهم. فإن زواج الأقارب يزيد الصفة الغالبة فى الأسرة ويؤكدها ويبرزها خصوصاً إذا كانت من الصفات السيئة عكس زواج الأباعد فهو يقلل من العيوب الجسمية والمرضية. ويهدد زواج الأقارب بإنجاب أطفال مصابين لأن بعض الأمراض الوراثية تكون كامنة وسجينة بفعل عواملها الوراثية من جيل إلى آخر. وقد تنتقل عن طريق الآباء دون أن تظهر أعراض المرض على الشخص الذى يحملها إلا إذا صادف أن الأبوين كانا على علم بوجود هذه الصفة عند الأجداد. ولهذا يجب على الأقارب التأكد من خلو شجرة العائلة من الأمراض الوراثية خصوصاً أن 25% من الزيجات على الأقل تكون عند العرب بين الأقارب كما تقول الإحصائيات الأخيرة. أما الحكمة النفسية والاجتماعية التى ينظر إليها القرآن فهى أن الزواج يقوم على الألفة والمودة وزواج الأباعد فيه ازدياد لثروة الرجل من المودة واتساع رصيده من العطف والحنان. من ذلك كله تظهر حكمة الإسلام العلمية فى دعوته إلى الزواج من الأباعد والابتعاد عن الزواج من الأقارب