الخميس 9 رمضان 1423 هـ الموافق 14 نوفمبر 2002 من أحكم الاساليب التى استعملها القرآن فى هدايته للناس الى الطريق المستقيم: أسلوب الترغيب والترهيب، أسلوب التبشير والإنذار، ترغيب وتبشير المؤمنين الصادقين، بحسن الثواب، وترهيب وإنذار المصرين على باطلهم بشديد العقاب.وسورة «الانعام» زاخرة بهذين الاسلوبين، ومن أسلوب الترهيب والإنذار للمصرين على شركهم وباطلهم قوله تعالى قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم او من تحت ارجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض، انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون وكذب به قومك وهو الحق، قل لست عليكم بوكيل لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون (الايات 67 ـ 65) والمعنى: قل يامحمد لهؤلاء الجاحدين، ان الله ـ تعالى ـ وحده هو القادر على أن يرسل عليكم عذابا عظيما من فوقكم، أى: من جهة العلو كما ارسل على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل الحجارة، أو من تحت أرجلكم، اى: من جهة السفل، كما حدث بالنسبة لفرعون وجنده من ا لغرق، وبالنسبة لقارون حيث خسف به الارض وتصوير العذاب بأنه آت من أعلى أو من أسفل، أشد وقعا فى النفس من تصويره بأنه آت من جهة اليمين أو من جهة الشمال، لأن الآتى من هاتين الجهتين قد يتوهم دفعه، أما الآتى من أعلى أو من أسفل فهو عذاب قاهر مزلزل لا مقاومة ولا ثبات معه. وقوله ـ تعالى ـ أو يلبسكم شيعا» أى: يخلطكم فرقا مختلفة الأهواء، متباينة المشارب، مضطربة الشئون، كل فرقة تتبع اماما لها تقاتل من سواها، فيزول الأمن ويعم الفساد ولفظ «شيعا» جمع شيعة وهم الاتباع والأنصار، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة وقوله ـ سبحانه ـ : « ويذيق بعضكم بأس بعض» معطوف على ماقبله. أى: ويسلط بعضكم على بعض بالقتل والخصام، لأن من عواقب ذلك اللبس التقاتل والتصارع. وفى هاتين الجملتين وهما قوله ـ تعالى : «أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض» تصوير مؤثر للعذاب الذى يذوقه الناس بحواسهم، اذ يجعلهم ـ سبحانه ـ شيعا وأحزابا غير منعزل بعضها عن بعض، فهى أبدا فى جدال وصراع، وفى خصومة ونزاع، وفى بلاء يصبه هذا الفريق على ذاك، وذلك أشنع ماتصاب به الجماعة فيأكل بعضها بعضا ثم ختمت الآية الكريمة بهذا التعبير الحكيم «انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون» أى انظر وتدبر أيها الرسول الكريم ـ كيف ننوع الآيات والعبر والعظات بالترغيب تارة، وبالترهيب أخرى، لعلهم يفقهون الحق، ويدركون حقيقة الأمر، فينصرفوا عن الجحود والمكابرة، ويكفوا عن كفرهم وعنادهم. هذا، وقد ساق الامام ابن كثير ـ رحمة الله ـ عقب تفسيره لهذه الآية جملة من الاحاديث، منها: ما أخرجه الامام مسلم فى صحيحه عن سعد بن أبى وقاص ـ رضى الله عنه ـ انه قال: أقبلت مع النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذات يوم من العالية، حتى اذا مر بمسجد بنى معاوية دخلفركع ركعتين وصلينا معه، ودعا ربه طويلا ثم انصرف الينا فقال: سألت ربى ثلاثا فأعطانى اثنتين ومنعنى واحدة سألت ربى أن لايهلك امتى بالسنة ـ أى بالجدب ـ فأعطانيها، وسألته ان لايهلك امتى بالغرق فاعطانيها وسألت ربى ان لايجعل بأسهم بينهم فمنعنيها. وبعد هذا التهديد الشديد للمعاندين، اتجه القرآن الكريم الى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم فأمره ان يصارح قومه بسوء مصيرهم اذا ما استمروا فى ضلالهم فقال ـ تعالى ـ وكذب به قومك وهو الحق» وكذب جمهور قومك ـ أيها الرسول الكريم ـ بهذا العذاب الذى حدثنا عنه، فظنوا ان الله لن يعذبهم بسبب اعراضهم عن دعوتك، أو كذبوا بهذا القرآن الذى هو معجزتك الكبرى والتعبير عنهم بقومك: تسجيل عليهم بسوء المعاملة لمن هو من أنفسهم، ولمن جاء لهدايتهم وسعادتهم قل لهؤلاء المكذبين ـ ايها الرسول الكريم ـ «لست عليكم بوكيل» اى:'' لم يفوض اليّ أمركم فأمنعكم من التكذيب، وأجبركم على التصديق، فأنا لست بقيم عليكم، وانما انا مبلغ ومنذر لكم، وقد بلغتكم رسالة ربي، وانذرتكم بسوء المصير اذا ما سرتم فى طريق الضلالة، ونصحت لكم ولكنكم لاتحبون الناصحين، ثم ختم ـ سبحانه ـ هذا التهديد بقوله ـ سبحانه: «لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون» والنبأ: الخبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم او غلبة ظن. والمستقر: وقت الاستقرار أى: لكل خبر عظيم وقت استقرار وحصول لابد منه، وسوف تعلمونه فى المستقبل عند حلوله بكم متى أراد الله ـ تعالى ـ ذلك، كما قال ـ سبحانه : «ولتعلمن نبأه بعد حين» ولقد حصل ما أخبر به القرآن الكريم، فجأت عزوة «بدر» التى انتصر فيها الحق على الباطل، والتى سماها القرآن بيوم الفرقان.. ثم جاءت غزوة «الفتح» الاعظم بعد ثمانى سنوات من هجرته صلى الله عليه وسلم هو واصحابه من مكة المكرمة، الى المدينة المنورة، تلك الغزوة التى تم فيها فتح مكة، دخل الناس فى دين الله افواجا، وانتشرت ـ رايه الاسلام فى ربوع الجزيرة العربية، وفى غيرها من بلاد الله الواسعة، ونزل قوله ـ تعالى «اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى، ورضيت لكم الاسلام دينا»