الخميس 9 رمضان 1423 هـ الموافق 14 نوفمبر 2002 روى الطبرانى (رحمه الله) عن أبى هريره (رضى الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «صوموا تصحوا» ، وبالنظر إلى الأحاديث النبوية الكثيرة، والأحاديث القدسية الشريفة، والآيات القرآنية، العديدة التى جاءت فى فضل الصيام، تخيل كثير من الناس أن فوائد الصيام مقصورة على الجوانب التعبيدية، وانعكاساتها الروحية والعاطفية ولكن ثبت بالعديد من الدراسات المستفيضة أن للصيام فوائد صحية عديدة لخصها خاتم الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وسلم) فى لفظة واحدة :«تصحوا».وقد أظهرت نتائج تلك الدراسات أن الأداء البدنى للصائم من طلوع الفجر الصادق إلى الغروب أفضل من أداء غير الصائم لتحسن درجة تحمل البدن للمجهودات العضلية، ولأداء كل من القلب وبقية الجهاز الدورى والجهاز الهضمى ، والجهاز التنفسى وغيرها اثناء الصيام، ومن هنا كانت قلة الشعور بالإجهاد، وتحمل مالايمكن لفرد تحمله فى ساعات الإفطار العادية، وذلك لاختلاف مصدر الطاقة فى الجسم بين الصائم والمفطر.أ ما إذا زادت مدة الصيام عن المتوسط الذى شرعه الإسلام (11 ـ 14 ساعة تقريبا) فإن الأداء البدنى والعضلى يبدأ فى التأثر، ويبدأ الصائم فى الشعور بالإعياء. فمن المعروف أن الصوم يسبب إنصهار الدهون فى الجسم مما يؤدى إلى زيادة فى الأحماض الدهنية الحرة فى الدم، فتصبح هذه الأحماض هى المصدر الرئيسى لطاقة الصائم بدلا من سكر الجلوكوز فى حالة المفطر، وهذا يساعد على تقليل استهلاك مادة «الجليكوجين» فى كل من العضلات والكبد أثناء بذل الجهد من قبل الصائم، ويساعد كذلك فى ضبط مستوى سكر الجلوكوز فى الدم، والذى يؤدى نقصه إلى الشعور الكامل بالإعياء. ولما كان مستوى سكر الجلوكوز فى دم المفطر هو المصدر الرئيسى لطاقته، كان جهده المبذول يشعره بإعباء أكبر مما يشعر به الصائم إذا قام بنفس المجهود، تحت نفس الظروف. بالإضافة إلى ذلك فإن حالة الرضى النفسى للصائم، وارتفاع معنوياته، لشعوره بالقرب من خالقه سبحانه وتعالى، ولإحساسه بالقيام بعبادة من أشرف العبادات، فى شهر يعتبر أفضل شهور السنة على الاطلاق، وأكثرها بركة، ورحمة، ومغفرة وعتقا من النار، كل ذلك يؤدى إلى زيادة واضحة فى داخل جسم الإنسان لعدد من الهرمونات النافعة من مثل مجموعة «الأندروفين» التى يعزى إليها تحسن الأداء البدنى، وقلة الشعور بالإعياء أو الإجهاد، فما أحكم من شرع الصيام، وما أصدق مقولة الرسول الخاتم: «صوموا تصحوا» كذلك فإنه لمن البديهيات أن توقف الإنسان عن متابعة نظامه اليومى فى تناول وجبات الطعام لفترة محددة فى كل عام، يؤدى إلى راحة أجهزة الجسم، الذى يبدأ خلال فترة الصيام فى التخلص مما تراكم فيه على مدار السنة من دهون، وشحوم وفضلات، وسموم، وفيروسات وطفيليات، وغيرها ، وهى من الأمور المهلكة لصحة الإنسان إذا تراكمت فى داخل جسده بكميات كبيرة، ومن هنا كانت ضرورة التخلص منها بين فترة وأخرى، وأفضل وسيلة لذلك هى الصيام. من هنا شرع ربنا (تبارك وتعالى) لنا الصيام فى شهر رمضان، وجعله أحد أركان الإسلام، كما شرع لنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) «صوم التطوع»،«وصوم الكفارات»، و«صوم النذر» على مدار السنة، وكان (صلى الله عليه وسلم) من المواظبين على صيام التطوع، وأوصى أمته بالصوم ووصفه بأنه عبادة من أعظم العبادات لله، ووسيلة من وسائل المحافظة على صحة الأبدان، وسلامة الأرواح، وطهارة النفوس فقال: «صوموا تصحوا».وحذر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من الإسراف فى كل شيء، وبخاصة فى تناول الطعام والشراب، ووضع لذلك دستورا من الآداب والسلوكيات التى نصح بها أمته، وأثبتت الدراسات العلمية دقتها، وصحتها، وشموليتها. والسؤال الذى يفرض نفسه كيف عرف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من قبل ألف وأربعمائه سنة أن فى الصيام صحة للأبدان؟ ومن الذى كان يضطره إلى إصدار حكم كهذا فى هذا الزمن المتقدم؟ لولا أن الله (تعالى قد علمه ذلك، وأنطقه إياه، ولولا أنه (سبحانه وتعالى) يعلم بعلمه المحيط أن الإنسان سيصل فى يوم من الأيام إلى إدراك تلك الحقيقة العلمية، فتبقى هذه الومضة المبهرة التى سبقت بها فى حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شاهد صدق على أن هذا النبى الخاتم والرسول الخاتم الذى نطق بهذا الحق كان دوما موصولا بالوحى، ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض الذى وصفه (الله تعالى) بقوله: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى تم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أ و أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى (النجم: 3 ـ 10) من هنا كانت ضرورة الاهتمام بالإشارات العلمية فى كتاب الله، وفى سنة رسوله(صلى الله عليه وسلم) وفهمها فى ضوء الحقائق العلمية المتاحة، وتقديمها لأهل العصر دليلا ماديا قاطعا، لايمكن لعاقل أن يرفضه) على صدق نبوة ورسالة هذا النبى الخاتم (صلى الله عليه وسلم)، وفى ذلك نجاة لنا ولهم، وفلاح فى الدنيا والآخرة، فى زمن اختلطت فيه المفاهيم، وزاغت فيه القلوب والأبعاد، وتراجع أهل الحق وعلا أهل الباطل، وبقى الناس حيرى فى عالم تقاربت فيه المسافات، وتصارعت الحضارات، وتعارضت المعتقدات، وأن لأهل الحق أن يظهروه، وأن يدعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، بخطاب العصر ولغته: الخطاب العلمى، لعل الله (تعالى) أن يجعل فى ذلك حقنا للدماء التى تسفك فى كل يوم، ونهاية للحروب التى تشتعل فى كل مكان، ووقفا للمظالم التى تجتاح الإنسان فى أغلب بقاع الأرض، وماذلك على الله بعزيز، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. بقلم : د. زغلول النجار