الخميس 9 رمضان 1423 هـ الموافق 14 نوفمبر 2002 جاء ذكر الغراب فى القرآن الكريم فى قصة ابني آدم عليه السلام لما قتل أحدهما الآخر، عند قوله تعالى:«واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين»[المائدة:27] . ساعة يتلو الإنسان - أى : يقرأ - فهو يتكلم بترتيب ما رآه من صور ذلك أن الإنسان عندما يرى أمراً أو حادثة فهو يرى المجموع مرة واحدة أو يرى كل صورة مكونة للحدث منفصلة عن غيرها . وعندما يتكلم الإنسان فهو يرتب الكلمات كلمة من بعد كلمة وحرفاً من بعد حرف . إذن .. فالمتابعة والتلاوة أمر خاص بالكلام قوله تعالى :( واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق) والنبأ هو الخبر المهم فنحن لا نطلق النبأ على مطلق الخبر . ولكن النبأ هو الخبر للنظر . إذن .. فكلمة (النبأ) هى : الخبر المهم الشديد الذى له وقع وأثر عظيم . (بالحق) ساعة نسمع قوله سبحانه : (بالحق) فلنعلم أن ذلك أمر نزل من الحق سبحانه فلا تغيير فيه ولا تبديل . وقال تعالى: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل) [الإسراء:105] . أى : أن ماأنزل من عند الله لم يلتبس بغيره من الكلام و(بالحق) الجامع لكل أوامر الخير والنواهى عن الشر نزل . وعندما يقول سبحانه :«واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق» فسبحانه يقص واقعة كونية . وما دام الله هو الذى يقص فهو سيأتى بها على النموذج الكامل من الصدق والفائدة . ولذلك يقول سبحانه :«إن هذا لهو القصص الحق»[آل عمران:62] . ويقول عز من قائل :«نحن نقص عليك أحسن القصص»[يوسف:3] وفي الآية «واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر» وآدم هو أول الخلق البشرى وأن ابنى آدم هما : هابيل وقابيل، وقد قرب كل منهما قرباناً . والقربان هو ما يتقرب به العبد إلى الله. وهل قدم الاثنان قرباناً واحداً، أم أن كلاً منهما قدم قرباناً خاصاً؟ مادام الحق قد قبل من واحد منهما ولم يتقبل من الآخر فمعنى ذلك أن كلاً منهما قدم قرباناً منفصلاً عن الآخر . ونعلم أن آدم هو أول الخلق البشرى، وخلقت منه حواء وذلك من أجل اكتمال زوجية التكاثر، لأن التكاثر لا يأتى إلا من ذكر وأنثى قال تعالى : «ومن كل شيء خلقنا زوجين» [الذاريات:49] . إذن .. فكل موجود أراد له الحق سبحانه التكاثر فهو يخلق منه زوجين «سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم» [يس:36] . ونرى ذلك حين نقوم بتلقيح النخلة من طلع ذكر النخل، وهناك بعض الكائنات لا نعرف لها ذكراً وأنثى، إما لأن الذكر غير موجود تحت أعيننا، ولكن يوجد على بعد والريح هى التى تحمل حبوب التلقيح قال تعالى : «وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء» [الحجر:22] فتأتى الرياح بحبوب التلقيح من أى مكان لتخصب النبات . وإما أن الذكورة والأنوثة يوجدان معاً فى شيء واحد أو حيز واحد، مثال ذلك عود الذرة حيث نجد ذكورته وأنوثته فى شيء واحد فقمة العود فيها الذكورة ويخرج من كل «كوز» ذرة قدراً من الخيوط الرفيعة التى نسميها «الشوشة» . وهذه هى حبال الأنوثة . وينقل الهواء طلع الذكورة من سنبلة الذرة إلى «الشوشة»، وكل شعرة تأخذ من حبوب اللقاح كفايتها لتنضج الحبوب وعندما تلتصق أوراق كوز الذرة ولا تسمح بخروج الخيوط الرفيعة لحبال الأنوثة ولا تصلها حبوب اللقاح، فيخرج كوز الذرة بلا نضج وبلا حبوب ذرة . وعندما نمسك بكوز الذرة ونفتحه قد نجد بعضاً من حبوبه ميتة وهى تلك التى لم تصلها حبوب اللقاح لأنها لم تملك خيطاً من الحبال الرفيعة لتلتقط به حبوب اللقاح . وحبة الذرة التى لم يخرج لها خيط رفيع لالتقاط حبوب اللقاح لا تنضج . إذن .. فكل شيء فيه الذكورة والأنوثة . فـ «سبحان الذى خلق الأزواج كلها» [يس :36] . وكذلك قوله سبحانه : « وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى» [النجم : 45] . وكل ما يقال له شيء لا بد له من ذكر وأنثى حتى المطر لابد أن يلقح فلو لم يتم تلقيح المطر بالذرات لما نزل المطر ، وحتى الحصى فيه ذرات موجبة وذرات سالبة . عرفنا ذلك عندما اخترعت الكهرباء وعرف الموجب والسالب . إذن .. فقول الحق :« ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون» [الذاريات :49] . وقوله سبحانه :«سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون» [ يس :36] . هو أول علم للعرب فلم يكونوا قبل نزول القرآن أمة علم . وقد أول القرآن كل العلم للعرب حتى فاقوا غيرهم عندما أخذوا بأسباب الله لكن عندما تراخوا وواصل غيرهم الأخذ بالأسباب تقدمت الاكتشافات وهذه الاكتشافات نجدها مطمورة فى القرآن :«سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون » . إذن .. فكل ما يجد ويحدث ويكتشف من شيء فيه موجب وسالب أى : ذكورة وأنوثة يدخل فى نطاق قوله سبحانه «ومما لا يعلمون» . والإنسان سيد هذا الوجود لا بد له من زوجين ذكر وأنثى وذلك للتكاثر لا للإيجاد أما الإيجاد فهو لله سبحانه وتعالى الذى أوجد كل شيء من لا شيء . وعندما جاء آدم وحواء وبدأ اللقاح والتكاثر أخذ عدد سكان الأرض فى النمو . ولو أننا رجعنا بالإنسان فى العالم كله رجعة متأخرة نجد العدد يقل إلى أن يصل إلى آدم وحواء . إذن .. عندما نجرى عملية الإحصاء الإنسانى فى العالم ونرجع بها إلى الوراء نعود إلى الخلق الأول . وكذلك كل شيء متكاثر أكان حيواناً أم نباتاً . وعندما يبلغنا الحق أنه خلقنا من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء فإن علم الإحصاء إنما يؤكد ذلك . والتكاثر إنما يأتى بالتزاوج والتزواج جاء من آدم وحواء . وأراد الحق أن يرزق آدم بتوائم ليتزوج كل توأم بالتوأم المخالف له فى النوع من الحمل المختلف . أى يتزوج الذكر من الأنثى التى لم تولد معه فى بطن واحدة . وذكر ربنا سبحانه هذه القصة كى يبين لنا أصل التكاثر بياناً رمزياً . أوضح سبحانه : أن التباعد الزوجى كان موجوداً ولكنه التباعد الإضافى صحيح سيكون هذا الولد أخاً للبنت هذه ، وهذه البنت أخته ، لكن حين تكون مولودة مع هذا وتأتى بطن ثان فيها ذكر وأنثى فسيكون فيها بعد إضافى فتتزوج البنت لهذا البطن بالذكر فى البطن الثاني . والذكر للبطن الثانى للبنت فى البطن الآخر وهذا هو البعد الإضافى الذى كان متاحاً فى ذلك الوقت لأن العالم كان لايزال فى بداية طفولته الواهية .