الخميس 9 رمضان 1423 هـ الموافق 14 نوفمبر 2002 الحمد لله حمد من شكره واستغفره استغفار من طلبه والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين.. وبعد: سورة مريم من السور المكية وعدد آياتها تسعة وتسعون آية. فلقد حظيت هذه السورة الكريمة المسماة (مريم) بمميزات ذي طابع مختلف عن السور الأخرى حيث ان هذه السورة فاضى فيها ذكر (المرأة) وهي (مريم) التي أخذت جوا مليئا بالكرامات لصالحها وهذه الحادثة غير مسبوقة في كتاب الله تعالى، حيث انه من المعلوم ان القرآن قد تحدث عن قصص الأنبياء وكلهم ذكور. أما أن يأتي الحديث عن امرأة ليست بنبية فيحصل لها كل هذا التكريم، هذا أمر ملفت للنظر ويدعو إلى التفكير في عظمة هذا الأمر الذي تحدث عنه العلماء في أهمية مقاصد هذه السورة الكريمة التي تبين ان مقصد السورة ومعظم المراد منها على سبيل الاجمال. وعد الله العباد بالكفاية والهداية واجابة دعاء زكريا والمنة عليه بولده (يحيى) واعطائه علم الكتاب وذكر عجائب ولادة عيسى وأمه والخبر عن أحوال القيامة التي هي مآل العباد فوجب عليهم إذا عرفوا ذلك أن يأخذوا زمام الطاعة في جميع نواحي الحياة يفوزوا كما فاز من ذكروا في هذه السورة التي وضحت ان مقصودها بيان اتصافه سبحانه بشمول الرحمة باضافة النعم على جميع خلقه المستلزم للدلالة على اتصافه بجميع صفات الكمال المستلزم لشمول القدرة على الابداع المستغرب المستلزم لتمام القدرة الموجب للقدرة على البعث والتنزه عن الولد لانه لا يكون إلا لمحتاج ولا يكون إلا مثل الوالد. وعلى هذا دلت تسميتها بـ (مريم) لان قصتها أدل ما فيها على تمام القدرة وشمول العلم. لان أغرب ما في المخلوقات وأجمعه خلقا بني آدم وأعجب أقسام توليده الأربعة بعده كونه آدمياً، ما كان من انثى بلا توسط ذكر لان ذلك أضعف الأقسام وأغرب ذلك أن يتولد منها على ضعفها أقوى النوع وهو الذكر ولا يسمى أن تؤتي قوة الكلام والعلم والكتاب في حالة الطفولة وان يخبر بسلامته الكاملة فيكون الأمر كذلك ولم يقدر أحد على كثرة الاعداد ان يمسوه بشيء من الأذى. هذا إلى ما جمعته من اخراج الرطب في غير حينه من يابس الحطب ومن انباع الماء في غير موضعه. ولسورة (مريم) والقصة التي تناولتها علاقة مميزة لان ما حدث لـ (مريم) عليها السلام حسب ما ورد في كتاب الله تعالى له دلالات على ان هذه الحادثة عظيمة وفيها اشارات الى أهمية ربط الاسم بالمسمى لان هذه التسمية ليست من قبيل الصدفة إنما دلالات عظيمة لان هذه السورة حملت اسماء الانبياء وهم مقدمون على الصالحين ولكن لماذا قدم اسم مريم في هذه السورة وسميت بها دون الأنبياء لعل ذلك يرجع ان مريم عليها السلام كان لها وضع متميز جعله في المقدمة لانه يحمل للبشر معجزة لم يألفوها وهذه المعجزة كرامة لسيدة سوف تكون مسقط الأنظار وتناقل الأخبار. وكل هذه الكرامات مقدمة لكرامة عظيمة وتمهيد لحدث جلل وحتى لا يتفاجأ القوم مما سوف يحدث عندما تلد هذه الصديقة مولدا من غير أب والاشارة هنا إلى قدرة الله المطلقة في خرق الأسباب لهذا جاء بالحوادث ليعلم عباده بأنه هو القادر في خلق ما يشاء وفعل ما يريد لانه هو الله يخلق بالسبب القوي والسبب الضعيف وبلا سبب وأمام هذه القدرة تستوي الأسباب وعدمها لانه سبحانه هو رب الأسباب، فإذا كانت العادة أن يولد الطفل بسبب قوي من أب وأم ثابتين وسبب ضعيف مثل سيدنا يحيى من أبوين شيخين كبيرين فانه تعالى خرق الأسباب ولادة مريم لعيسى من غبر أب. وهذه دلالة على قدرة الله تعالى المطلقة في خلقه ولذلك حملت هذه السورة اسم هذه الشخصية لتكون الاشارة الفاعلة في حس القارئ لهذه السورة على عظمة الخالق ودلالة وجوده. ولقد كانت مريم هي الانسان الذي تجري فيه الارادة الإلهية على غير عادة البشر فكان الأمر لها عجيبا وعلى عقلها غريبا ولكن ارادة الله فوق كل شيء تخرق العادات وتحقق المعجزات ويكون على يديها الكرامات. وتدخل سورة مريم ضمن مسميات السور التي حظيت بالكرامات لمسمياتها وقصة مريم في السورة التي حملت مسماها بدأت بالتمهيد لما حدث لها من كرامات بذكر الكرامة التي حدثت لخالتها العاقر التي لم تلد وذلك ببركة دعاء زوجها زكريا. فاستجاب الله دعائه وأصلح له زوجه وجعلها صالحة للحمل والولادة ووهبه يحيى مؤهلا بمؤهلات النبوة والرسالة واذا كانت الكرامة التي حدثت لخالتها في حملها وهي عاقر، فان الكرامة التي حدثت لمريم في حملها دون زوج ولا ميسر بشر وانما كانت على هيئة آدم بالكلمة، ولهذا نجد ان مريم هيئت لها الأسباب للحصول على كرامتها بالسلوك الإيماني الذي جعلها تعتزل الناس للتخلي للعبادة لرب العالمين وعبر القرآن عن هذه الحالة بالمدح والثناء على مريم التي كانت أهلا لهذا الثناء وفي هذا دلالة على أهمية العزلة وان الانسان لابد له من وقت يعتزل فيه البشر ويقابل رب البشر ليقف من نفسه موقف المحاسب ويتفكر في أهل الطاعة وأين هو من مكانهم فإذا كان بعيدا تغرب وان كان غريبا ازداد غربة وطاعة لله رب العالمين الذي نسألة الهداية والصلاح لانه على كل شيء قدير والحمد لله رب العالمين. د. سيف الجابري