الخميس 9 رمضان 1423 هـ الموافق 14 نوفمبر 2002 فضيلة الشيخ الدكتور «محمد الراوي» صاحب برنامج «مأدبة القرآن» في التلفزيون المصري وعضو مجمع البحوث الإسلامية والداعية المعروف يتميز بنظرة ثاقبة فى تحليل الأوضاع التى تعيشها الأمة الإسلامية وكذلك التحديات، التى تحيط بالأقليات المسلمة وهو يرى ان المسلمين يعيشون واقعا مريرا بسبب ابتعادهم عن تعاليم دينهم وغياب الحرية فى مجتمعاتهم وسعى أعداء الإسلام لإشعال الصراع بين البلاد الإسلامية من أجل الهيمنة عليها. ورغم ذلك يؤكد وجود مؤشرات لصحوة اسلامية فى العديد من المجتمعات الإسلامية تتمثل فى التمرد على الظلم والدكتاتورية والمطالبة بالحرية واقرار حقوق الإنسان وتحريره من العبودية والاستذلال مشيرا إلى ان هذه الصحوة بحاجة إلى ترشيد حتى لا تقع ضحية للتطرف والغلو. ويؤكد الشيخ الدكتور الراوي ان البشرية سوف تعود فى النهاية إلى القيم والأخلاق وإلى الالتزام بالضوابط الدينية حتى يتحقق لها الأمن والسلام والاستقرار ويتطرق الحوار مع فضيلته إلى صيام رمضان ومشاعره فى هذا الشهر الفضيل. ـ ما تقييم فضيلتكم للواقع الذى يعيشه المسلمون اليوم؟ ولماذا يدعو هذا الواقع إلى اليأس والإحباط ؟ ـ الواقع الذى يعيشه المسلمون سيء دون شك لأنه لم يكن فى حقيقته نتاج عمل بالإسلام أو استرشاد به وإنما هو واقع تضافرت عليه عوامل هى أبعد ما تكون عن حقيقة الإسلام سواء كانت من داخل المسلمين أو من خارجهم أما الدين نفسه فإنه يعطى عطاءه لمن صدقه وسنن الله لا تجامل ولا تحابى أحدا فالجزاء الحق لمن أراد شيئا وعمل به «من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون» وعلى الناحية الأخرى «ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا» صحوة اسلامية ـ رغم هذا الواقع المرير يؤكد بعض المفكرين ان العالم الإسلامى يعيش صحوة دينية فما مدى صحة ذلك ؟ ـ هى صحوة للضمير الإنسانى كله ويقظة لها دوافعها وتظهر فى كل بلد بما يناسبه فرفض الديكتاتورية فى شتى صورها صحوة تنبيء أن الإنسان فى كل مكان يأبى أن يستعبد أو يستذل أو يهان أو يستكين لمن استبد به وطغى عليه وترشيد الصحوة يقتضى من دعاة الحق أن يكونوا مدركين لحقيقة تحرر الإنسان حتى لا يتخلص من أسر غيره ويؤسر بهوى نفسه ولابد من ضوابط تجعل الحرية مصونة بالقيام بالواجب وأداء الحقوق وتكون الضوابط سليمة بالخضوع لكلمة سواء بهذا تنجو الصحوة من المغالاة والتطرف الدينى أو المذهبى أو بالفساد وكل غلو أو تفريط يجب أن يجتنب فمن تجاوز حدود الله وجاهر بالمعصية فهو متطرف يجب أن يرد وأن يصد حتى يفيء إلى طاعة الله ويكف عن المجاهرة بمعصيته ومن غالى فى طاعة الله يجب أن يرد إلى الحنيفية السمحة فى اعتدال لا تطرف فيه ولا ابتداع بحيث لا يكون هناك ميزان للحكم إلا ميزان الله من كتابه ليقوم الناس بالقسط ولأن الأمم تتأثر بما ترى وتسمع فى عالم بلا حدود أو سدود وليس عالمنا الإسلامى بمنأى عن ذلك فهو خاضع لسنن الله فى مدوالة الأيام بين الناس وسيدرك الناس جميعا وهم ينشدون ما هو أفضل أن وثبات المدنية لا تستغنى عن ثبات الحق وأن حياتهم لا تستقر ولايرجى لها أمن ولا سلام إلا بقيام ثابت فى متغير.. وأنه مهما ومهما بعدت الإنسانية عن الثابت من القيم والفضائل فسوف تعود راغمة أو راضية لأن سنن الله ماضية قاضية لا تتبدل ولا تتحول. وهنا لابد من الوجود العربى والإسلامى الذى يتسق بحقائق دينه مع أسباب عصره فيتخذ من الأسباب نصرا للحق ومن الحق دافعا للأخذ بالأسباب دون تواكل أو انهزام أو تقصير وليست الهداية إلى الحق انتصار لأمة على أمة أو إعلاء جنس على جنس وإنما هو انتصار للإنسانية كلها بانتصار الفضائل على الرذائل وإداراك العواقب دون أسر بالرغائب. محنة الأقليات ـ تواجه الأقليات الإسلامية تحديات كبيرة منذ أحداث سبتمبر التى شهدتها الولايات المتحدة فما واجبنا نحو هذه الأقليات ؟ الأقليات الإسلامية تنتسب إلى أمة كبيرة هى خير أمة اخرجت للناس وعندما نتماسك فيما بيينا يكون ذلك دافع إعزاز للمسلم فى كل مكان سواء كان أقلية فى دولة أو فرد فى أمة فعز الأمة الإسلامية إعزاز للمسلم حيث كان لأن الأمم القوية ذات الشأن يرى لأبنائها شأن فى أى مكان وجدوا فيه ونحن ندرك أن الأقليات المسلمة تعانى من محنة شديدة فهناك بلاد تعترف مثلا للأقليات اليهودية بأنها ذات دين رسمى له حق فى تلك البلاد وعندما توجد أقلية إسلامية فى نفس البلاد فإنهم لا يعترفون بدينها وبالتالى يحرمونهم من حقوقهم الشخصية فى مزاولة أو ممارسة شعائر دينهم وهناك بلاد أخرى وجدت أن الزمن قد تغير وأنه لم يعد أمامها مجال لإنكار حقيقة الإسلام لكنهم يضيقون الخناق على المسلمين بأسلوب أو بأخر. يضاف إلى ذلك أن هذه الأقليات المسلمة تعيش فى مستوى اجتماعى متدن ومن هنا تكون العلاقات فيما بينهم غير متماسكة ومفككة فلا يستطيعون أن يطالبوا بحقوقهم أو يحافظوا بها على كيانهم وشخصيتهم وهذه المشكلة تحتاج إلى تكاتف وتعاضد من الدول الإسلامية ولذلك ينبغى أن نلتفت إلى هذه الأقليات التى تعتبر جزءا من الأمة الإسلامية بصورة عامة لأنها تحتاج إلى كثير من المؤسسات العلمية والمعلمين الذين يذهبون إليهم لينشروا بينهم تعاليم الإسلام بالأسلوب الذي يتناسب مع مجتمعاتهم. ليل الإنسانية ـ وما واجب المسلمين حتى يبلغوا رسالة الله ويحققوا أهداف أمتهم؟ ـ يجب أن نخاطب الإنسانية جمعاء بما خاطب به نبى الرحمة من على جبل الرحمة الناس بكلمات يشع نورها فى القلوب والضمائر: «أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب إن أكرمكم عند الله أتقاكم» لقد طال ليل الإنسانية وهى تتلظى بنار الفرقة والتنابذ وتتنكر لصلة الأرحام وغدا كل شئ فى دنيا الناس أغلى من الإنسان والحرب الفاجرة لا تدع مكانا ولا بقعة إلا وتمتد فى صدر الفقر والذل أو الخنا والفحش أو صورة الإساءة المتعمد لكرامة الإنسان وإذلالة بشتى ألوان الذل وأسباب الهوان ناهيك عن سلب حقوق أمم على مرأى ومسمع من منظمات عالمية أقيمت بدعوى الحفاظ على حقوق الإنسان إن الإنسان غدا سلعة فى الحرب ووقودا فى نار الحقد وأسيرا فى السجون وفقيرا متهما من غير تحقيق. وشملت حرب عصرنا المرأة والرضيع والشيخ الفانى فسلبت الرضيع رضعته وحرمت المحتاج لقمته وأخذت من الجياع عائلهم وأعلت الحرب من قيمة كل خائن وسارق وفتكت بكل شريف ان المسلمين إذا لم توقظهم الكوارث الواقعة بهم وإذا لم يأخذوا أنفسهم فى عزم لا يعرف التردد وقوة لا تعرف الضعف فليعلموا أن دين الله باق وهم ذاهبون. الحرية ـ ما الأسباب التى أدت إلى تفرق الأمة وتشرذمها رغم ما يتوافر لها من موارد وثروات؟ ـ أعداء الإسلام يعملون على تفريق كلمة المسلمين واشعال الصراع بين البلاد الإسلامية حتى يتمكنوا من السيطرة والهيمنة علينا متى أرادوا وللأسف المسلمون فعلوا بأنفسهم أكثر ما فعله بنا أعداؤنا وهذا أوقع العالم الإسلامى تحت رحمة الأمم الكبرى والقوى العظمى التى تمتلك القوة والثروة وتهيمن على العالم هذا بالإضافة إلى ضعف صلتنا بالله ـ عز وجل ـ فتركنا الله لأنفسنا والقول المأثور يقول إذا نسى الله من يعرفه سلط الله عليه من لا يعرفه. أيضا المجتمعات الإسلامية لا تتمتع بحرية كافية وتعانى من الديكتاتورية والظلم والاستعباد ومثل هذه الشعوب لا يتصور أن تنهض بأمتها أو أن تحقق تقدما لأن الذليل لا يحقق عزا لأمته. معسكر تدريب ـ ما هى مشاعركم مع مجيء شهر رمضان؟ رمضان له أهميته الكبرى فى حياة المسلم ونفسيته وسلوكه فهو يعود الإنسان على قوة الإرادة وعدم الخضوع لتحكم العادات.. وقد خلق الله الإنسان وركب فيه مجموعة من الغرائز تجعله يتفاعل مع الحياة وينفعل بها تؤثر فيه ويؤثر فيها كغريرة الجنس والطعام والغضب والدفاع عن النفس وهذه الغرائز تختلف قوة وضعفا من إنسان لأخر ولأهمية الطعام فى الحياة نرى ان الطغاة فى كل زمان يستخدمون سياسة التجويع للضغط على خصومهم السياسيين والعقائديين منذ القدم، والحصار المعروف فى المعارك سياسة تجويع لإخضاع الخصم ومن ذلك الحصار الذى ضربته قريش على رسول الله والمسلمين معه فى شعب أبى طالب ثلاث سنوات من أجل إخضاع الفئة المؤمنة لذا كان لابد من تطويع المسلم على الصبر والذى يستطيع أن يصبر عن أهم غريزتين فى تكوينه وهما غريزة الطعام والجنس يستطيع أن يصبر على طبائع الناس واختلاف امزجتهم فكأن رمضان معسكر التدريب على الصبر لذلك قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ «لكل شئ زكاة وزكاة الجسد الصوم والصيام نصف الصبر». تحصين المؤمن ـ الصيام فرض على الأمم السابقة كما فرض على المسلمين فهل يختلف صيام المسلمين عن غيرهم؟ ـ يعلم الله سبحانه وتعالى خطورة غريزة حب بقاء الذات ويعلم خطورة التحكم فيها ويعلم الضعف البشرى لذلك أراد سبحانه وتعالى أن يحصن المؤمن ضد هذا الضعف فشرع الصيام تعويدا للناس على الصبر وعلى التحكم فى غريزتهم حتى لا يحكمهم طاغوت ورغم ان الصيام فرض أيضا على الأمم السابقة إلا انها لم ترع الصيام حق رعايته.. فمن تلاعبت به وغيرت فيه وبدلت فمن أمة اكتفت بالصوم عن بعض المأكولات دون البعض، وأمة جعلته بلا حدود دقيقة فأطلقت لكل فرد العنان فى أن يصوم الذى يريد وفى اليوم الذى يريد ولذا لم نر للصوم فى هذه الأمم الأثر الإيجابى والله الذى اختار أمة الإسلام لتكون خير الأمم وجعل الإسلام أخر الأديان وجعل لها قيادة العالمين إلى قيام الساعة فاختار لها صوما معلوما محدد الوقت والزمان والنوع وقد اقتضى عدله سبحانه أن يكون الصوم فى شهر رمضان قمرى حتى يأخذ كل إنسان نصيبه من الحر والبرد ومن طول النهار وقصره ومن الصيف والشتاء والربيع والخريف بلا ظلم واختار أن يكون الصوم أياما متتالية ليعم نفعها وتؤثر فى الأمة وتؤتى ثمارها واختار الصوم الكامل عن كل شئ يدخل الجوف حتى تتأثر النفس غاية التأثر وجعل زمانه اليومى طوال النهار من الفجر إلى غروب الشمس حتى تنصهر النفس الإنسانية فى بوتقة التقوى فكأن رمضان بحق هو المعسكر الإلهى السنوى الذى تتدرب فيه الأمة التى اناط بها قيادة هذا العالم.