الاربعاء 8 رمضان 1423 هـ الموافق 13 نوفمبر 2002 اشتهرت مواطن الترك في الأناضول بجودة الأخشاب التي كانت متوافرة في هذا الإقليم وما يجاوره، ولم يكن من المستغرب أن تزدهر صناعة التحف الخشبية لديهم بعد إندماج الترك الصادق والعميق في حضارة الإسلام، وخاصة منذ عهد دولة السلاجقة الأتراك التي حكمت شرق العالم الإسلامي بدءا من إيران ومرورا بالعراق وانتهاء بآسيا الصغرى. ففي عهد السلاجقة تطورت صناعة التحف الخشبية تطورا كبيرا وذلك وفق تقاليد خاصة ومميزة ظل صداها يتردد فيما بعد خلال فترة الإمارات التي قامت في الأناضول على أنقاض الدولة السلجوقية وخلال عصر الدولة العثمانية. وقد تميزت التحف الخشبية المنتجة في مواطن الترك بالأناضول بتنوع الاخشاب المستخدمة في صناعتها إذ نجد من بينها خشب الجوز وخشب الأبنوس وخشب الارز وخشب الورد بالإضافة إلى بعض الاخشاب التي كانت تؤخذ من أشجار أخرى مثل أشجار الكمثرى والتفاح. وتميزت هذه التحف أيضا بغنى وثراء وتنوع زخارفها ومن هذه الزخارف الأرابيسك أو زخارف التوريق العربية من طراز الرومي وزخرفة الأطباق النجمية الهندسية فضلا عن مختلف الأشكال الهندسية من مسدسات ودوائر ومثمنات والزخارف الكتابية التي نقشت بمختلف أنواع الخط الكوفي كالمورق والهندسي المربع، وبخط الثلث أيضا. وقد إستخدم الصناع عدة طرق لصناعة التحف الخشبية في عهد السلاجقة ومنها طريقة التجميع والتعشيق وقد شاع هذا الأسلوب في عمل المنابر السلجوقية ويلاحظ أن أغلب حشوات هذه الاجزاء كانت تتخذ هيئة أشكال هندسية مثل الاشكال النجمية أو السداسية وغيرها والتي حفر عليها زخارف عربية مورقة من طراز الرومي. وهناك أيضا عدة طرق لحفر الزخارف منها طريقة الحفر العميق الغائر والحفر البارز (الأويما) والحفر المائل أو المشطوف، كما إستخدمت طريقة التخريم أو التفريغ وطريقة التلوين والتذهيب. ومنذ بداية العصر العثماني اقبل النجارون على صناعة التحف الخشبية التي وصلنا منها عدد لا بأس به يعود تاريخ صناعته إلى القرن التاسع الهجري (15م) وبعض هذه التحف محتفظ بها في المتاحف التركية والبعض الآخر لايزال قائما قي بعض العمائر التي شيدها السلاطين العثمانيون في المدن المختلفة وخاصة في مدينة بورصه ويتضح في هذه التحف الخشبية العثمانية المبكرة إستمرار بعض الأساليب والتقاليد الفنية السلجوقية بالإضافة إلى بعض التأثيرات الإيرانية الوافدة عبر الفن التيموري ومن الملاحظ أن الأساليب الفنية التيمورية قد وجدت طريقها إلى الأناضول عقب هزيمة السلطان العثماني بايزيد الأول على يد تيمور لنك في معركة سهل أنقرة (805ه/1402م) وربما كان ذلك نتيجة لهجرة بعض الصناع الإيرانيين الذين تخصصوا في أعمال النقش على الخشب من بعض المدن الإيرانية إلى الأناضول. ومن أقدم التحف الخشبية العثمانية التي ترجع إلى هذه الفترة الباب الخشبي لتربة السلطان العثماني محمد جلبي والتي تعرف باسم (التربة الخضراء) وقد صنع هذا الباب من خشب الجوز واستخدم في صناعته أسلوب التجميع والتعشيق وأسلوب الحفر البارز والغائر. وفي الجامع الأخضر بمدينة بورصة باب خشبي يمثل بحد ذاته آية من آيات من الحفر على الخشب، وتتألف زخارف هذا الباب من زخارف التوريق العربية (ارابيسك رومي) التي حصرت عناصرها داخل مناطق دائرية أو لوزية الشكل. ومع النمو المطرد في حدود الدولة العثمانية وإمتداد فتوحاتها إلى أوروبا ثم إلى كل من مصر والشام وبلاد العرب وشمال أفريقيا شهدت صناعة التحف الخشبية نهضة ملحوظة وخاصة في المواد الخام والأساليب الصناعية والزخرفية وأشكال التحف. فقد إستخدم الصناع أنواعا عديدة من الأخشاب في عمل التحف منها الأخشاب المحلية التي كانت تؤخذ من أشجار هضبة الاناضول ومنها الاخشاب التي كانت تستورد من أرجاء الدولة العثمانية بل ومن دول أوروبا وآسيا. ومن أهم أنواع الأخشاب التي استخدمت في هذه الفترة خشب الجوز، والسدر والأبنوس والبقس والساج والصنوبر، وشاع إستخدام أخشاب شجر التفاح والورد في عمل القشرة التي تلصق على التحف الخشبية. أما من حيث الأساليب الصناعية فقد كثر في هذه الفترة إستخدام طريقة التطعيم بالعاج والأبنوس أو الصدف وهي الطريقة التي عرفت لدى الأتراك العثمانيين باسم «صدفكاري» بالإضافة إلى إستخدام عظم درع السلحفاء في تطعيم الأخشاب وكان النجارون يستخدمون طريقة التطعيم بحفر الزخرفة على سطح التحف المراد تطعيمها وتثبت بداخل الزخرفة المحفورة مادة التطعيم، وإستخدمت أيضا طريقة التطعيم «الكاذب» وذلك بإضافة طبقة خارجية من مادة التطعيم (قشرة) تلصق على سطح التحفة دون حفر. أما من حيث الأساليب الزخرفية فيلاحظ أن بعض زخارف هذه التحف جاءت انعكاسا للتطور الزخرفي الذي مر به الفن العثماني في النصف الثاني من القرن العاشر الهجري (16م) من حيث إستخدام العناصر النباتية المحاكية للطبيعة من أفرع وأوراق وأزهار وثمار وورود إلى جانب العناصر المحورة والمجردة من طراز الرومي وطراز الهاتاي. كما شهدت هذه الفترة تطورا ملحوظا من حيث أشكال التحف وخاصة كراسي المقرئين وكراسي المصاحف فضلا عن صناديق المصاحف التي أنفردت مجموعة منها بإتخاذها هيئة بعض العناصر المعمارية وبصفة خاصة القباب الضريحية السلجوقية والمملوكية بأشكالها المختلفة وما يحويه ظاهرها من زخارف. وتعتبر صناديق المصاحف العثمانية التي إتخذت الهيئة المعمارية للأحذية ذات التكوين المكعب المغطاة بقباب من أكثر التحف تفردا في هذه الفترة إذ كان ظاهرها يزدان بزخرفة الدالات أو الاشرطة الهندسية المتعرجة (الزجزاجية) أو زخرفة الأطباق النجمية أو أشكال المعينات وهي في ذلك تبدى تاثرا واضحا بتقاليد زخرفة الأخشاب المملوكية في مصر والشام والراجح أن يكون صناع هذه الصناديق من الصناع المصريين الذين حملوا عنوة إلى الاستانة في عهد السلطان سليم الأول . ومن أهم النماذج التي أنتجت خلال هذه الفترة الأبواب الخشبية في كل من تربة السلطان سليمان القانوني بمدينة استانبول (974 هـ /1566م) والأبواب الخشبية بتربة السلطان مراد الثالث في فناء مسجد أيا صوفيا وهي مطعمة بالصدف. ومن أمثلة كراسي المقرئين، كرسي من الخشب مستطيل الشكل يجلس عليه عادة قارئ سورة الكهف قبل صلاة الجمعة واصله من جامع السليمانية (957هـ :1550م) ويزدان القسم السفلي من هذا الكرسي وكذلك جوانب مسند القارئ بحشوات بها زخارف مخرمة تتألف من أشكال دوائر متكسرة متكررة بوسطها وريدات في حين إزدانت جوانب الكرسي بحشوات مربعة كبيرة تتألف زخارفها من أشكال مجمعة ومعشقة على هيئة الاطباق النجميية والأشكال السداسية المتقاطعة أما كراسي المصاحف (الأرحال) العثمانية فلدينا أعداد كبيرة منها ومعظمها مصنوع من الخشب المطعم بالعاج أو الأبنوس والصدف. ومن الامثلة الفريدة لكراسي المصاحف العثمانية كرسي وصندوق مصحف مستطيل الشكل ومطعم بالعاج والأبنوس إتخذ هيئة واحدة تجمع بين وظيفتي كرسي القارئ وصندوق المصحف في نفس الوقت. ومن أروع التحف الخشبية العثمانية المطعمة والمرصعة التي يحتفظ بها متحف طوبقا بوسراي عرش السلطان أحمد الأول (القرن 11 ه/17م) الذي قام بصناعته الاستاذ محمد أغا الصداف وإستخدام فيه قطع من الصدف والاحجار الكريمة من الماس والياقوت ويغلب على زخارف هذا العرش طابع الزخرفة النباتية السائدة آنذاك في الفن العثماني حيث تتألف الزخرفة من أواني الأزهار التي تخرج منها أزهار القرنفل وشقائق النعمان (التيوليب) في أوضاع رشيقة بالإضافة إلى الأفرع النباتية التي تخرج منها الزهور وهي تتقاطع في أشكال حلزونية. وخلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين (18 - 19م) غلب على التحف الخشبية العثمانية التأثر بأساليب الزخرفة الأوروبية سواء المستمدة من فن الباروك أو الركوكو، ويشاهد ذلك في تيجان بعض الاعمدة وفي زخارف الاسقف والأبواب والشبابيك والمحاريب الخشبية. ولا يعني ذلك أن الفنان العثماني قد انصرف كليا عن الأساليب التركية التقليدية إذ ظلت هذه الاساليب مستخدمة وخاصة في صناعة التحف الخشبية المطعمة بقطع من الصدف، ومن أهم الفنانين الذين عملوا في هذا المجال في تلك الفترة «الصداف واصف» والصداف مهران أغا والصداف سمرجي أوغلو. وتعتبر الأبواب والحشوات الخشبية بقاعة الصدف في قصر يلديز والتي بنيت للسلطان عبد الحميد الثاني من أهم نماذج أشغال الصدف التي ترجع إلى القرن الثالث عشر الهجري (19م) ومن الجدير بالذكر أن السلطان عبد الحميد الثاني كان من هواة النجارة ومارسها ببراعه ودقة. ومن أمثلة التحف الخشبية العثمانية التي ترجع إلى هذا القرن كرسي مصحف (رحل) يزدان سطحة الخارجي والداخلي وكذلك السطح الخارجي لقاعدته بزخرفة هندسية على هيئة رأس السهم حول شكل مربع بوسطه وريدة كبيرة وأرباعها في الأركان في حين إزدانت المفصلات بأشكال نجوم سداسية الأطراف. ويلاحظ أن المساحات بين أرجل الكرسي قد إتخذت هيئة عقود مفصصه يتدلى من قمتها ورقة نباتية خماسية الفصوص يغلب على تكوينها الطابع الباروكي. وقد ترك الاتراك العثمانيون تراثا من التحف الخشبية لعل في مقدمته المنابر الخشبية التي إزدانت بها المساجد التي شيدوها في مختلف أرجاء إمبراطوريتهم والتي مازالت قائمة كشاهد عيان على نضج فن النجارة لدى الاتراك العثمانيين. د. أحمد السيد محمد