الاربعاء 8 رمضان 1423 هـ الموافق 13 نوفمبر 2002 قال الله جلّ ثناؤه: «إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون» آل عمران: 59. كثر الخلاف في المسيح عليه السلام، لأن ميلاده كان على صورة فريدة، لم يولد بها أحد من قبله، ولا من بعده، وكان الناس في هذا الميلاد شيعاً وفرقاً كل شيعة تقول فيه قولاً، وكل فرقة تذهب فيه مذهباً. أما اليهود فقد ارتضوا الجريمة مركباً، فقتلوا أنفسهم، وقتلوا الحق معهم، وقالوا في المسيح: إنه ولد، كما يولد الناس، من ذكر وأنثى، وإن ميلاده كان على فراش الإثم والفاحشة، فهو ابن زنا، وأما أتباع المسيح، فقد قصرت مداركهم عن إدراك قدرة الله تعالى، فلم تحتمل عقولهم تلك الحقيقة، وهي أن الله قادر على كل شيء، يخلق ما يشاء، مما يشاء، وكيف يشاء! فقالوا: إن المسيح هو الله تجسد بشراً في جسد عذراء، أو أنه ابن الله، لأنه لا أب له. تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وأما المسلمون فقد جاءهم القرآن بالخبر اليقين عن المسيح.. إنه خلق من خلق الله، وإنه انسان من الناس، ولد بنفحة من روح الله، كما ولد هذا الوجود كله بفيض من فيض الله! وأقرب مثل لهذا آدم ـ عليه السلام ـ إنه خلق من غير أب أو أم.. خلق من تراب هامد لا أثر لحياة فيه، وعيسى ـ عليه السلام ـ خلق مولوداً من كائن حي، هي أمه، فأيهما أشد غرابة في الخلق؟ الذي خلق من تراب هامد، أم الذي تخلّق من جسد حي، وإذا كان النصارى يعتقدون في المسيح انه «ابن الله»، لأنه لا أب له، فآدم أحق بهذه الدعوى الباطلة: لأنه لا أب له، ولا أم. والمثل هو الحال الغريبة، أو الشأن العجيب، فقوله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم)، هو تشبيه حال غريبة بحال أغرب منها، أو شأن عجيب بشأن أعجب منه. وعليه يكون معنى المثل: إن حال عيسى الغريبة، أو شأنه العجيب في الخلق، كحال آدم، أو شأنه، فخلق آدم أغرب وأعجب، ومع ذلك فلم يقولوا فيه ما قالوه في المسيح. وأما كاف التشبيه في قوله: «كمثل» فقد دلت على ان خلق عيسى عند الله أهون وأيسر من خلق آدم. وفي قوله تعالى: «ثم قال له كن فيكون» ما يسأل عنه، وهو: كيف يقول الله تعالى للشيء: كن، ثم لا يكون واقعاً في الحال، كما يدل على ذلك قوله تعالى: «فيكون» الذي يدل على المستقبل المتراخي، ولو كان ما أمر الله به واقعاً في الحال، لكانت صياغة الآية هكذا: «ثم قال له كن فكان».. فكيف يكون هذا؟ وهل أمام قدرة القادر العظيم حواجز وحوائل تحول بين القدرة، و بين امضاء ما قدرت على الفور، وفي الحال؟ والجواب عن ذلك: أن قول الله للشيء «كن» لا يقتضي وقوع هذا الشيء في الحال، إذ قد يكون الأمر موقوتاً بوقت معين، أو متعلقاً بأسباب لا بُدّ أن يقترن حدوثه بها. وهذه الأسباب لا متعلق لها بقدرة الله، إنما متعلقها بالشيء ذاته الذي دعته القدرة الى الظهور، والذي قضت حكمة الله ألا يظهر إلا بعد ان يستكمل أسبابه المقترنة به، وهذا ما يشير اليه قوله تعالى: «إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون». يس: 82. محمد إسماعيل عتوك