الاربعاء 8 رمضان 1423 هـ الموافق 13 نوفمبر 2002 الدكتورة آمنة محمد نصير الداعية الاسلامية المعروفة والعميدة السابقة لكلية الدراسات الاسلامية بجامعة الأزهر لها بصمة واضحة في حقل الدعوة والعمل الاسلامي فقد نجحت في تصحيح الكثير من المفاهيم المغلوطة التي تتعلق بصورة المرأة المسلمة وموقف الاسلام منها وألقت العديد من المحاضرات في المراكز الثقافية والجامعات في العديد من الدول الغربية. وتعد الدكتورة آمنة مرجعا متميزا في المدرسة السلفية وفقهاء الحنابلة في العصر القديم والحديث فقد كانت أطروحتها لنيل درجة الماجستير عن عبدالرحمن بن الجوزي المؤسس الحقيقي لمدرسة الحنابلة بعد الامام أحمد بن حنبل وكانت أطروحتها للدكتوراه عن محمد بن عبدالوهاب. وقد جمعت الدكتورة آمنة بين ثقافتين.. الثقافة الاسلامية فهي تنتمي الى بيت مسلم محافظ في محافظة أسيوط بصعيد مصر وبين الثقافة الغربية حيث درست المراحل الابتدائية والاعدادية والثانوية في مدرسة أميركية بأسيوط تعد أكبر مدرسة تبشيرية في الشرق الأوسط. في هذا الحوار نحاول التعرف على قصة الدكتورة آمنة مع الدعوة الاسلامية وذكرياتها في البلاد المختلفة وأهم المواقف التي لا تنساها. ـ كيف كانت البداية في توجهك للعمل في مجال الدعوة الاسلامية؟ - لقد تخرجت في المدرسة الأميركية - أكبر مؤسسة تبشيرية في الشرق الأوسط - في أسيوط ومكثت فيها من بداية المرحلة الابتدائية حتى نهاية المدرسة الثانوية ثم التحقت بكلية البنات جامعة عين شمس وكنت أول فتاة من قريتي «موشى» تلتحق بالجامعة وكنت من الأوائل في المرحلة الثانوية على مستوى الثانوية وكان التدرج الطبيعي أن ألتحق بقسم اللغة الإنجليزية لأنني خريجة مدرسة أجنبية لكنني فضلت الالتحاق بقسم الفلسفة لأنني نشأت نشأة تجمع بين ثقافتين فأنا من بيت مسلم محافظ سواء من حيث التقاليد الصعيدية الممزوجة بالدين أو غير ذلك ثم تعلمت في مدرسة أميركية وبين هاتين الثقافتين البيت والتعليم كان في داخلي نوع من الشد والجذب سواء في المفاهيم التي تربيت عليها أو تلك التي تلقيتها في المدرسة والقدوة التي كانت عبارة عن مدرسات أجنبيات، وبعد تخرجي وكنت الأولى في دفعتي تلقاني أساتذتي مثل د. فوقية حسين - رحمها الله - أستاذة علم الأشعرية ود. رشاد فارس أستاذ علم ابن تيمية والمدرسة السلفية وغيرهما وهؤلاء وجهوني الى الفلسفة الاسلامية وتغلب على التفكير الفلسفي خاصة الفلسفة الاسلامية وكان ذلك بداية اهتمامي بالدراسات الاسلامية بطريقة تفوق اهتمام التعليم الأزهري وانخرطت في دراسة اللغة العربية والعلوم الاسلامية تحت رعاية هؤلاء الأساتذة وهكذا مررت بعدة محطات محطة القرية ثم المدرسة الأميركية ثم كلية البنات وتوجهي الى الدراسات الاسلامية. ابن الجوزي ـ كيف حدث التكوين الاسلامي للدكتورة آمنة وهي خريجة مدرسة تبشيرية؟ - بعد التخرج عرض علي د. رشاد فارس دراسة شخصية عبدالرحمن أبوالفرج بن الجوزي الذي يعد موسوعة القرن السادس الهجري وهو واحد من كبار رجال المدرسة الحنبلية ويأتي بعد أحمد بن حنبل مباشرة في المكانة فهو أستاذ ابن تيمية وشمس الدين بن القيم وقد بنى يوسف بن الجوزي مدرسة لتعليم تراث والده تسمى المدرسة الجوزية حيث كانت مؤلفات أبيه تصل الى ثلاثمائة مؤلف في الفقه والحديث والتفسير والطب والجغرافيا وهو المؤسس الحقيقي لمدرسة الحنابلة بعد الامام أحمد وقد مكثت السنتين التمهيديتين للماجستير أتبحر في تلك الشخصية رغم الصعوبات التي واجهتني لأن كل كتب ابن الجوزي عبارة عن مخطوطات غير مطبوعة باستثناء ثلاثة كتب وهي: ذم الهوى وتلبيس ابليس وصفوة الصفوة ثم أعددت رسالة الماجستير حول تلك الشخصية ومن هنا بدأ مشواري المكثف في الدراسات الدعوية لأن ابن الجوزي يعد مدرسة في الفكر الاسلامي وفي العلوم والفنون فقد وضع قواعد لفن الخطابة وضوابط للخطاب الديني وكيفية توجيهه للمجتمعات المختلفة. المدرسة السلفية ـ هل واصلت تلك المسيرة في أطروحتك لنيل درجة الدكتوراه أم عدلت عن الدراسات الاسلامية الى الفلسفة؟ - لقد نصحني أساتذتي بمواصلة المسيرة في مدرسة الحنابلة بعد أن تناولت مؤسسها حتى أصبح مرجعا لتلك المدرسة وكانت نصيحة ذهبية ولذلك أنصح دائما طلابي بها حتى تكون الرسائل العلمية في إطار مدرسة معينة أو فكر معين حتى يصبح كل منهم مرجعية وعلامة في الطريق العلمي يرجع اليها الباحثون.. وهذا ما فعلته فقد درست الشيخ محمد بن عبدالوهاب ومنهجه في مباحث العقيدة لنيل درجة الدكتوراه وكان على نقيض ابن الجوزي فابن الجوزي أرهقني في سعة تراثه وابن عبدالوهاب أرهقني في قلة كتاباته وحصلت على الدكتوراه وأصبحت والحمد لله آمنة نصير المرجعية في مدرسة السلفية ودخلت في هذا الميدان على أسس عديدة منها الرغبة والتنشئة المزدوجة بين ثقافة الأسرة وثقافة المدرسة وتواصل عملي العلمي وأبحاثي. وقد انطلقت في ذلك كله بناء على القواعد التي وضعها شيخي بن الجوزي في مخاطبة الناس بجانب قراءة مفردات العصر وثقافته بمعنى عدم الانعزال عن الحياة المعاصرة مع التمسك بمنهج السلف دون الانكفاء عليهم أو الاغتراب عن العصر وهذا هو التوازن الذي أدعو اليه في حواراتي المختلفة فمنهجنا يجب أن يقوم على الاعتدال الذي لا يفرط في جذوره ولا ينكفئ عليها وفي نفس الوقت لا يتجاهل علوم العصر وهذا هو المنهج الذي أتعامل به والذي يشكل شخصيتي. ابن تيمية ـ أنت إذن تمثلين مرجعية في المدرسة السلفية فما تقييمك للكتابات التي تتناول التوجه السلفي بصفة عامة؟ - هناك خطأ كبير يقع فيه الذين يكتبون عن ابن تيمية والمدرسة السلفية فهم لا يقدرون عظمة هذا الرجل وهناك من يخلط بين عبدالرحمن بن الجوزي وشمس الدين بن القيم الجوزية الذي سمي بهذا الاسم نسبة الى المدرسة التي أسسها يوسف نجل عبدالرحمن أبوالفرج بن الجوزي فابن القيم هو تلميذ لابن الجوزي وتعلم على تراث مدرسته وهناك كتب طبعت ونسبت الى بن القيم الجوزي وهي في حقيقتها لعبدالرحمن بن الجوزي مثل كتاب: «فقه النساء وآدابهن» والغريب أن التلميذ حظي بشهرة تفوق الشيخ، أيضا قمت بتحليل شخصية محمد بن عبدالوهاب من مختلف الجوانب الذي اشتبك فكره بالسياسة واختلطت به أمور غير واضحة وأعتقد أن ابن تيمية ظلم مرتين عندما اختزله البعض في زاوية صغيرة جدا سواء في موقفه من التصوف أو في موقفه من المخالفين أيضا ظلم ابن تيمية عندما حكم عليه البعض بأنه صاحب فكر غير معتدل، وهكذا كان هذا العالم الكبير ضحية للذين اختزلوه وضحية للذين لم يفهموه. المستشرقون ـ لماذا يوجه البعض اتهامات كثيرة للمدرسة السلفية؟ - للأسف إنساق البعض وراء المستشرقين وخلف الفكر العلماني الذي يتهم هذه المدرسة بالتشدد أو التطرف ونحن حينما نتأمل في فقه الحنابلة وفقه ابن تيمية نجد أنه أيسر بمراحل في كثير من المسائل خاصة القضايا الشخصية والأسرية من مذهب الامام مالك والشافعي، وهذه الاتهامات تعبر عن الجهل، فالمستشرقون أثاروها ونحن لم نرغب في أن نرهق أنفسنا في البحث والتنقيب وأخذنا تلك الافتراءات دون تحقق ودون تفكير وللأسف كثير من المسلمين أساءوا لابن تيمية حتى من الذين يعتبرونه واحدا من أئمتهم لأنهم اختزلوه في بعض القضايا التي وجدوا لأنفسهم صدى فيها فهذا الرجل ظلم في الفكر العربي بصفة عامة وأتمنى أن يقوم باحث بالرد على تلك الاتهامات من خلال دراسة عن ابن تيمية بين المدرسة المصرية ومدرسة الجزيرة العربية واذا لم يقم أحد الباحثين بتلك الدراسة فسوف أعكف عليها إن شاء الله. ثقافات ـ هناك من يضع السلفية في إطار الشكليات مثل اللحية والجلباب القصير والسواك وغير ذلك كيف نستطيع توضيح الصورة الحقيقة للسلفية؟ - هذه المظاهر وتلك الشكليات للأسف ركز عليها بعض الفقهاء التي تعد انعكاسا لثقافات ومجتمعات معينة وليست لصيقة بالاسلام لأن اللحية والجلباب القصير وغير القصير والعمامة أو غطاء الرأس ثقافة تختلف من بيئة الى أخرى ولا يوجد أي نص في الاسلام يلزم بأكثر من الاحتشام سواء للرجل أو المرأة بعيدا عن وضع هذا النسق الذي يصلح لمجتمع ولا يصلح لمجتمع آخر. ينبغي أن نفرق بين ثقافات المجتمعات والمطالب الاسلامية وهذه الأمور الشكلية ليست مطلبا اسلاميا فالجلباب الأبيض على سبيل المثال يصلح لبيئة حارة لكنه لا يصلح لبيئة باردة مثل سيبيريا ولا ينبغي أن يحاول بعض الفقهاء فرض هذه الشكليات على أنها نموذج اسلامي لأن هذا إجحاف وعدم إدراك لحقائق الأمور والسلفية بريئة من كل هذا فلا يوجد نص اسلامي يقول ذلك ولا يوجد نص لابن تيمية نفسه يقول هذا لأن تلك الأمور تختلف من مكان لآخر، فالجلباب في الصعيد على سبيل المثال يختلف عن الجلباب في الوجه البحري بل داخل المحافظة الواحدة ومن السخافة أن يحاول البعض قلب الثقافة البيئة الى حقيقة عقدية وأعتقد أننا لا نواجه هذه الأمور بالطريقة اللائقة بسبب غياب الثقافة الاسلامية الحقيقية. تجميد الحياة ـ هناك من ينطلق من قاعدة الاتباع لا الابتداع ويحاول تعميم تلك القاعدة وليس على الأصول والثوابت فحسب بل حتى على بعض الأمور الفرعية التي قد لا تكون ملائمة لطبيعة العصر فما ردك على هذا؟ - هذا خطأ لأنه تجميد للحياة البشرية ولو كان هذا الكلام صحيحا لأغلق الله - سبحانه وتعالى - باب الاجتهاد ومن المعروف أن هذا الباب مفتوح الى يوم القيامة لأن هناك مستجدات لكل عصر وهناك مفردات جديدة في الاقتصاد والسياسة والفكر والانسان وغير ذلك خاصة وأن الاسلام هو آخر النبوات ومنذ ما يقرب من 15 قرناً لم يرسل نبي بعد محمد وهذا دليل منطقي على أنه - صلى الله عليه وسلم - هو آخر الأنبياء وخاتمهم، واغلاق باب الاجتهاد وتجميد الحياة تنطع لأننا إذا أغلقنا باب الاجتهاد فماذا يفعل الناس في كل هذه المستجدات؟ ونحن يجب أن ندرك أنه إما أن يكون للاسلام دوره في تلك المستجدات وإما أن يترك الناس هذا الدين وهذه الادعاءات وهذا الفهم المغلوط عقبة أمام حقيقة الاسلام بديناميكيته ومواكبته للعصور واستيعابه للمستجدات، وهؤلاء لا يدركون أن الاجتهاد فرض عين على كل قادر عليه والله - سبحانه وتعالى - لحكمة أرادها جعل للمجتهد الذي يصيب أجرين وللمجتهد الذي يخطئ أجراً واحداً، وهذا لا يجعل الناس يخافون من الاقدام على الفتيا والاجتهاد فهذا تشجيع إلهي للإنسان لكي يجتهد وإن أخطأ فإن الله لا يحرمه من ثواب جهده في الوصول الى النتيجة الخاطئة. للأسف نحن نعيش في مجتمعات عجيبة إما أن نقف عند كل كبيرة وصغيرة مما مضى وننكفئ عليها وهذه كارثة أو أن نقول أنه لا يوجد من له حق الاجتهاد وحتى اذا كان هذا الكلام صحيحا فإننا نستطيع إنشاء مجامع فقهية تضم التخصصات المختلفة ليكمل بعضها البعض خاصة في ظل غياب المجتهد الشامل. الخلع ـ ما أهم موقف مررت به في مجال الدعوة؟ - هناك مواقف كثيرة حدثت أثناء سفرياتي للخارج أذكر أنني دعيت من قسم الدراسات العليا في جامعة النمسا وتحدثت حول قضايا المرأة خاصة الخلع ولما شرحت لهم القضية ووضحت لهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احترم نفسية المرأة التي جاءت اليه وقالت له: يا رسول الله إني لا أعيب على زوجي ثابت بن قيس لا خلقا ولا دينا وكل ما في الأمر أنها نظرت اليه من تحت خبائها فوجدت شكله قميئا بين أصحابه فنفرت منه وأعطاها الرسول حق الخلع وقد ذهل النمساويون من هذا التحليل لأنهم كانوا يدركون أن المرأة في الاسلام لا مكانة لها ولا احترام وقد دفعهم ذلك الى توجيه أسئلة كثيرة عن حقوق المرأة في الاسلام والصورة المشوهة التي تزعم وسائل الاعلام الغربية من خلالها أن الاسلام يظلم المرأة ويحرمها من حقوقها وطرحوا بعض الأطروحات للأسف نحن الذين أوصلناهم اليها بسلوكنا غير المتزن وغير الملتزم بالاسلام ولذلك فأنا لا أعيب الغربيين لأننا نحن الذين قدمنا لهم هذه الصورة الشوهاء. تصحيح المفاهيم ـ هل معنى ذلك أنك كرست الجانب الأكبر من جهودك الدعوية على تصحيح النظرة السيئة للمرأة المسلمة وموقف الاسلام منها؟ - نعم هذا صحيح فقد حاولت - ولا أزال - تصحيح بعض المفاهيم التي تتعلق بالمرأة وبالشريعة الاسلامية وكذلك بعض المفاهيم المغلوطة التي تتعلق بعلماء السلف وعلى سبيل المثال كلمة أصولية كلمة مستوردة من الغرب أضفوها علينا رغم أن كلمة أصولية غير موجودة عندنا لكن عندنا كلمة السلف، والأصولية جاءت في الغرب نتيجة قيام بعض الحركات الاصلاحية مثل تلك التي تزعمها مارتن لوثر مما أدى الى تقسيم المسيحيين الى كاثوليك وبروتستانت وأرثوذكس وكانت هناك حركات اصلاحية ضد الكنيسة وضد التعامل مع الكتاب المقدس وهذا كله غير موجود في الاسلام نحن لدينا سلف لديهم ميراث وخلف عليهم أن يجتهدوا بما يتلائم مع عصرهم ومن خلال التمسك بجذور منهجهم وقد ناقشت الغربيين في كل تلك المسائل في جامعة ليدن بهولندا وفي مواقع عديدة في النمسا وفي المراكز الثقافية في بعض الدول الغربية. القاهرة - ضياء الدين أحمد: