الاربعاء 8 رمضان 1423 هـ الموافق 13 نوفمبر 2002 بخلاف أفلام الرعب الانجليزية التي لاقت فشلا جماهيريا حقق فيلم «الجنود المطاردون» نجاحا كبيرا لدرجة أن البعض يعده واحدا من أفضل الأعمال السينمائية المرعبة .. وينظر النقاد الى هذا الفيلم باعتباره أكثر الأفلام جرأة في عرض مشاهد الرعب التي لا يملك المشاهد ازائها الا أن يقبض بيديه على مقعده. وتتلخص قصة الفيلم في تعرض ستة جنود كانوا يؤدون تمرينات عسكرية في احدى الغابات لهجمات شرسة من أشخاص مجهولين يتصورون أنفسهم ذئابا مفترسة ويستطيعون عزل الجنود عن بعضهم في أكواخ متفرقة وتتوالى أحداث ومشاهد الفيلم وكل واحد منها يحتشد بلقطات عنيفة مرعبة يظهر من خلالها الجنود وهم يقاتلون الرجال الذئاب بما يجدونه من أخشاب وغيرها بعد أن يفقدوا ذخيرتهم وجميع وسائل الاتصال. الرجل الذئب شخصية دخلت في العديد من الأفلام السينمائية المرعبة لكنها لم تكن أبدا من بنات أفكار المخرجين بقدر ما كانت شخصية واقعية في حقبة من الزمن وكان عدد كبير من الناس بمختلف المجتمعات يعتقدون ويؤمنون بتحول الانسان الى ذئب .. وبشكل عارض ومفاجئ أدخل الذئب في قائمة الحيوانات المحسوبة على المشعوذين والسحرة وتم ادخال مصطلح المستئذب وسميت عملية التحول الى ذئب الاستئذاب وفي فرنسا مثلا حكم عليى شخص بالموت بعد افتراسه عدداً من الأطفال وهو في هيئة شخص مستئذب. كما أنتشر الأعتقاد بشكل واسع بالأستئذاب في القرن السابع عشر في جميع أوروبا وخاصة في ألمانيا وروسياويعتقد الروس أن هذا الأنقلاب الغريب للانسان يحوله الى ذئب يعوي ليلا يندب حظه كما أعتقدوا أن المشعوذين قلبوا أنفسهم الى ذئاب وكانوا يهاجمون الناس ويصبون سحرهم وشعوذاتهم على الحيوانات وسكان القرى! ولعل الذئب بما يمتلكه من بعض الصفات السيئة في كثير من الأحيان ساعد على تكريس هذه النظرية البشرية عليه فهو أشد أحيانا من السباع الأخرى كالأسود والنمور التي لا تعترض الانسان الا بعد أن تهرم وتعجز عن صيد الحيوانات واذا لم يكن بها جوع شديد ومر بها انسان لم تعترض له أما الذئب فانه يهاجم الانسان فوراوان خاف منه عوى عواء استغاثة فتتسامع الذئاب وتقبل ومن ثم ليس دون أكل ذلك الانسان شئ !! والذئاب حيوانات قوية وماكرة وعنيدة وتتميز بحيلتها الواسعة.. وفي ذلك قال الشاعر: فشرهم أكثرهم حيلةكالذئب والثعلب والذر كما انها حيوانات قادرة على التكيف بشكل جيد في أية ظروف حياتية مهما تعرضت للبرد والجوع وهي تلاحق ضحيتها لعدة ساعات ومع مرور الوقت تستطيع زيادة سرعتها حتى 80 كيلو مترا الساعة !! الذئب عندما يكون جائعا يتحول الى حيوان مغامر جريء فيها جم الماشية وحظائر الأغنام وحتى الانسان ووفقا لتقارير احصائية في روسيا الأوروبية وحدها فان الذئاب تقتل 750 ألف رأس من الماشية والأغنام سنويا. اذن ليس غريبا أن يشن الانسان حربا على الذئاب للتخلص من شرور هذه الحرب كانت قاسية تماما على هذه الحيوانات ففي مدينة كارمارثن باقليم ويلز ببريطانيا ويوجد نصب تذكاريا غير عادي هذا النصب أقيم عام 1880 وهو يمثل ذئبا أو بالأحرى يمثل آخر ذئب تم قتله في بريطانيا العظمى.. لقد ظل سكان الجزر البريطانية يشنون حربا متواصلة على الذئاب طوال أربعة قرون حتى تم القضاء عليها كاملة! هذه الحرب جعلت البعض يتساءل هل يعقل أن يكون الذئب سيئا الى هذا الحد ؟ أيعقل أن يكون عديم الفائدة يستحق الموت ؟ وهل يصدق أحد أن هناك مخلوقا عديم الفائدة في هذا الكون كله ؟ بالتأكيد هذا ليس صحيحا وهو ما أكده علماء الحيوان البولنديون الذين طالبوا بتقييد قتل وصيد الذئاب كما أن أحد أشهر العلماء البريطانيين يعمل على جلب الذئاب واعادة توطينها في اسكوتلاندا مرة أخرى .. أي في نفس المناطق التي كان الناس قد بذلوا جهدا كبيرا في التخلص منها قبل 300 سنة! هذه المطالبات والجهود جاءت بعد أن أكتشف العلماء أن الذئاب تقوم بدور كبير في الحفاظ على الحياة الطبيعية ودورة الحيوانات الأخرى فهي لا تقتل الا الحيوانات المريضة والضعيفة مما يؤدي الى استمرارية الحياة للحيوانات القوية وهذا يؤدي الى تحسين النوع وازدهاره، وللتدليل على ظلم الأنسان للذئاب كان يعيش في شمال أميركا ذئب صغير يسمى (القيوط) وكانت أفراده تهاجم صغار الحيوانات الوليدة ومن أجل ذلك شنت حملة في الولايات المتحدة للقضاء عليه وتم تخصيص 90 ألف دولار في أحد الأعوام للقضاء عليه في جزء من ولاية كاليفورنيا وبعد الانتهاء من الحملة تبين أن الخسائر التي تسبب بها القيوط تقدر ب 3500 دولار فقط! وادراكا من البعض بأهمية هذا الحيوان فقد تم انشاء حديقة حيوانات خاصة بالذئاب بمنطقة سانت لويس في فرنسا وهي احدى الحدائق المتميزة في أوروبا ويزورها سنويا 100 ألف زائر .. وكانت الحديقة قد أفتتحت عام 1961 على أساس أنها حديقة حيوانات عادية تضم مختلف الأنواع لكنها تحولت الى حديقة للذئاب فقط بدءا من عام 1985وتقول المشرفة عليها أنها عشقت الذئاب منذ كانت في الخامسة من عمرها حين قدم لها والدها ذئبا صغيرا تلهو به وعندما كبرت أهتمت بتخصيص هذه الحديقة كمركز علمي يضم جميع أنواع الذئاب من أنحاء العالم مثل هذه الجهود ربما تساعد للحفاظ على هذا الحيوان الذي بدأت نوعيات منه تختفي تماما كالذئب الأحمر النادر جدا والذي يبلغ طوله حوالي المتر بينما يبلغ وزنه 20 كيلوغرام، وكان هذا الذئب يلاحظ بشكل دائم في مناطق الشرق الأقصى من روسيا في مطلع القرن الماضي الا انه اختفى عمليا منذ سنوات العشرينيات ولأسباب مجهولة وكانت أخر مرة ظهرت فيها أفراد من الذئاب الحمراء في عام 1973. مسكين هذا الحيوان فلقد واجه القتل والأبادة لأنه يصطاد ويعيش على الحيوانات الأخرى في الوقت الذي يتجاهل فيه الانسان وقوع الذئب ضحية وفريسة لحيوانات أخرى فهو يشكل طعاما لسباع الطيركالعقاب التي لا تكاد تراوغ الصيدفان لم تجد ماتصيده لم تمتنع من مهاجمة الذئب واصطياده .. وفي وصف ذلك قال أحد الشعراء: كأنها حين فاض الماء واحتملت صقعاء لاح لها بالقفرة الذيب صبت عليه ولم تنصب من أمم ان الشقاء على الأشقين مصبوب وبالفعل فان الشقاء على الذئاب مصبوب فالحرب ضدهم مازالت قائمة حتى الآن وربما سيأتي اليوم الذي يفكر فيه الناس باقامة نصبا تذكاريا لآخر ذئب تم قتله على كوكب الأرض !!