الاربعاء 8 رمضان 1423 هـ الموافق 13 نوفمبر 2002 عندما نتطرق الى المهمة الخامسة من المهام الست التي حددناها لانفسنا في صدر هذه المناقشة، وهي المهمة المتعلقة بالقاء الضوء على خصائص الزخرفة في العمارة الاسلامية فاننا سنجدانفسنا على الفور تقريبا امام حالة من حالات التفرع التي تنبع من طبيعة الظاهرة موضع الدراسة وما تعكسه من تشابك وتعقيد، فلسنا بازاء ضرورة معرفة خصائص هذه الزخرفة فحسب في اطلاقها وعموميتها كفرع للابداع الفني وانما نحن بين يدي ضرورة تحديد المبادئ التي تحكم عملية ابداع هذا اللون الفني الفريد. لكننا نعتقد ان علينا ان نشير اولا ولو بشكل عاجل، الى جانب هو بمثابة ايضاح او ارضية لمناقشة اوضح لهذه الخصائص ولتلك المبادئ. هذا الجانب يتعلق بالوضعية التي تحتلها الزخرفة في اطار عناصر الايقاع في العمارة الاسلامية. الايقاع والزخرفة دعنا نبدأ ما نريد قوله هنا بحقيقة نحسبها واضحة كل الوضوح فجماليات العمارة في السياق المسجدي تتجلى للعيان كأوضح ما نكون ونحن في داخل صحن المسجد حيث ينهل النور صافيا، وحيث قطعة من السماء احتازها المعماري لتكون جزءا لا يتجزأ من المسجد لكنه جزء له خصوصيه منفتحة على الخارج حقا لكنه بعيدا ايضا عن عجيج هذا الخارج وضجيجه وغباره وعناصر التشويش العديدة فيه. وفي غمار تأملنا ونحن في صحن المسجد سنجد ان هذا المبنى يحيط بنا من الجهات الاربع بحيث لا نرى سواه ولا نتواصل مع غيره الامر الذي من شأنه ان يضعنا مباشرة في مناخات العناصر المحيطة بنا فلا نملك الا ان نتأملها بذهن صاف ووجدان منشرح من دون ان يتاح لاي عنصر خارجي ان يقطع علينا استمرارية هذا التأمل وهذه المناخات التي تظلنا بمعانيها والتي نجد انفسنا في غمارها تخضع لحركة الايقاع بطبيعته الانسيابية. وكما يوضح د. خالد مكداشي في كتابه «وحدة الفنون الاسلامية» فان عناصر ايقاع العمارة تندرج في ثلاث مجموعات: ـ المجموعة الاولى مؤلفة من عناصر مبنية هي في السياق المسجدي كما نعلم، الاعمدة والقناطر والاسقف الافقية والمنحنية وغيرها من العناصر والعناصر المبنية التي نراها من الخارج تبرز جلية كأشد ما يكون الجلاء في العمارة العثمانية، وخاصة في مرحلة النضج حيث تشكل المآذن الممشوقة والمرتفعة العناصر العمودية على حين تشكل القباب وانصافها العناصر المنحنية. اما العناصر الممتدة افقيا فتتشكل من الاسوار الخارجية وغني عن البيان ان مختلف هذه العناصر المبنية تنقسم الى فئات تتشابه وتتكرر ضمن كل فئة منها. ـ المجموعة الثانية هي العناصر الفراغية التي توجد ضمن كل فئة من فئات العناصر المبنية وهنا يعود الى الذاكرة عبر عدة عقود اصداء ما كان المعماري القدير حسن فتحي بقوله ان العمارة ليست الجدران وانما الفضاء الذي تحتازه هذه الجدران وان هذا الفضاء المحتاز هو الذي يمنحنا ما نحسب به وما نتفاعل معه وما نحكم عليه ونقومه. وبالمثل مر معنا قبل قليل ما ذهب اليه ارنست جروبه من ان الفضاء الذي يجري احتيازه والذي يتم تحديده عبر الجدران والبائكات والعقود ربما كان العامل الاكثر اهمية في العمارة الاسلامية. ـ المجموعة الثالثة هي العناصر الزخرفية التي تمتد على بعض المساحات المبنية وتملأها بالنقوش وخطوط الايات القرآنية الكريمة والاحاديث النبوية الشريفة والتوريق والتسطير وهي خلافا لما قد يتصور البعض تندرج في صلب التصميم المعماري بل انها كما حدثنا بروفسور هيلنبراند تشكل تيارا بكامله في تصميم المساجد ومن المهم هنا ان نلاحظ ان هذه العناصر التعبيرية تقع بالنسبة لتعبيرها المعماري في الوسط ما بين المساحات المبنية التي تعتبر سدا وبين المساحات الفراغية وهي من ناحية تعطي للمادة المبنية صفات الشفافية وتمنح المبنى نفسه مغزاه بل وقد توغل فتحدد هويته. هنا لا بأس من تعميم دال يفيد في ايضاح ان مناقشتنا للزخرفة ليست شأنا متعلقا بمبنى مفرد ولا حتى مجموعة محدودة من المباني وانما هي متعلقة بالمدينة الاسلامية بأسرها هذه المدينة التي تتعرض لسطوة تأثيرات تغريبية وحشية كنا نقصدها قصدا ونعنيها ونحذر منها حين قدمنا للقاريء العربي قبل ربع قرن من الزمان ترجمتنا لكتاب ريتشارد شاخت «الاغتراب» وها نحن في خريف العمر نلمس على كل صعيد البصمات الوحشية مما حذرنا منه، فذهب تحذيرنا - مع تحذير غيرنا - صرخة في واد. غني عن البيان ان الصحن في المسجد، شأنه في كل المباني الاسلامية، يعتبر عنصرا فراغيا بالمعنى الذي اشرنا اليه حالا يقدم مساهمة ثرية في جماليات العمارة الاسلامية. واذا حاولنا قراءة المدينة الاسلامية جماليا ونحن ننظر اليها من اعلى المئذنة فاننا نرى ان الصحون والافنية المنتشرة في ارجاء المدينة كلها تشكل خطوات لايقاع يجمع مختلف اقسام المدينة ويعطيها وحدة التعبير الجمالي هكذا تبدو المدينة الاسلامية للعيان مساحة زخرفية كبيرة ممتدة على الارض حيث تشكل صحونها خلايا ضوئية منتشرة. وهذا النوع من الامتداد الافقي المنقوش يحول المدينة الى مادة تستلقي بشفافية وانسياب وبذلك تصبح قطعة واحدة موضوعة بخفة وكأنها تلامس الارض. الخصائص الاسلامية اذا انتقلنا الى الحديث مباشرة عن خصائص الزخرفة الاسلامية فاننا سرعان ما ندرك ان الزخرفة شأن العمارة الاسلامية نفسها لا تعطي اسرارها بسهولة ولا تمنح الفهم المعمق لابعادها لكل طارق وانما علينا ان نجمع بين ثمار التجربة الجمالية نفسها من حيث المعايشة المباشرة لروائع العمارة الاسلامية وبين البحث المضني في المصادر والمراجع المختصة وهي بحكم طبيعتها صعبة المنال وطريق الوصول اليها حافل بالمصاعب والعقبات. ومن هنا فان من الواضح ان ما سنورده من خصائص الزخرفة الاسلامية انما انتزع من هذين المصدرين انتزاعا واعني بهما التجربة الجمالية والمصادر الاصيلة القليلة التي افلحنا في وضع ايدينا عليها ثم ان هذه الخصائص تحفل بضروب النقص ومنها ما يتعلق بذوقنا الخاص وبما طورنا من حساسية في غماريات المعايشة. ايا كان الامر وعلى امل ان يغتفر لنا القاريء الكريم ضروب القصور هذه فاننا نغامر بطرح تصورنا للخصائص الاربع التالية: ـ اولا: المجال المحدود المعطي للرموز: باستثناء الرقش الذي يشكل حالة فريدة بحكم طبيعته اللغوية المفصحة عن ذاتها فان المخزون الاسلامي من الزخرفة المعمارية يكاد يخلو من الرموز وعلى وجه التحديد من الرموز الدينية وتوشك ان تنعدم فيه العناصر البصرية التي ينعقد الاجماع على معناها ومغزاها ودلالتها. ولعل مصدر هذه المحدودية يكمن من بين عناصر اخرى في انه لكي يؤدي قالب تشكيلي وظيفته كرمز ينعقد اجماع الجماعة بأسرها على دلالته فانه يتعين ان يكون بالامكان استخدامه بمعزل عن غيره بمعنى انه يتضمن معنى في ذاتيته وداخل حدوده ومن دون اي اضافات اليه. وواقع الامر هو ان الزخرفة الاسلامية تتمير في احد ابعادها بندرة الصور فيها وبما تعكسه من ميل الى صهر الموضوعات التصويرية والتجريدية على السواء في استمرارية ليست لها قيود كامنة فيها تحول دون استمراريتها وامتدادها البصريين. وهناك بالطبع استثناءات من هذه القاعدة مثل الشخوص الحيوانية والطيور التي تطل من وجهيات بعض المباني التي تحفل بالرموز الفلكية والسياسية او بموضوعة الشجرة التي تحيل الى مفهوم شجرة الحياة. غير ان مغزى هذه الاشكال والتصاوير يظل بصفة عامة بعيدا عن الثبات واقرب الى الاستحضار منه الى نقل رسالة لا موضع للخلاف بشأنها كما هي حال الرمز في ابعاده المطلقة. اذا شئنا ان نضرب مثالا يوضح بشكل ابعاد هذه الخاصية الاولى فلن نجد افضل من العقد الذي هو في جوهره وحدة معمارية بنائية ذات هيئة مقوسة ايا كان نوعها وهو يحرز مكانة توشك ان تكون رمزية عندما يتجلى في المحراب محتويا صورة المشكاة في احالة الى سورة النور ولكنه يمكن ان يكون كذلك جزءا من مشروع زخرفي عام لمبنى كموضوع بسيط مختار لشكله ذاته. وفي هذه الحالة فان من الممكن التساؤل عما اذا كان التقدير الجمالي الكبير الذي يحظى به شكل العقد غير مرتبط كلية بالقيمة الدينية للمحراب ومن الممكن كذلك التكهن فيما يتعلق بالعلاقات الغامضة والبعيدة كل البعد عن الوضوح القائمة بين العقد الزخرفي والعقود الحقيقية للمبنى الذي يجمله. ـ ثانيا: الاستخدام المتواتر لخيارات تشكيلية بعينها: خلافا لما قد يتصوره المرء لاول وهلة بشأن هذه الخاصية من خصائص الزخرفة الاسلامية فانه حتى في القرون الاولى من انطلاق مسيرة الدولة الاسلامية كان هناك تقدير لمؤثرات السطح او النسيج الزخرفي بأشكال عديدة وباستخدام مواد متباينة والى جوار ذلك كان هناك توظيف كبير للتكرار الايقاعي لمبدأ التنويع انطلاقا من التخطيط الشكلي نفسه ويمكننا ان نلاحظ كذلك على نطاق كبير الزخرفة المستمرة للاسطح الممتدة وفي معظم المباني نجد ان هذه الزخرفة للاسطح التي تتلاعب بالتقابل بين المسطحات الزخرفية المستقلة واستمرارية الحشوات توجد فيما يبدو علاقات غامضة بين السطح المزخرف والبنية الانشائية الكامنة. ـ ثالثا: التداخل بين الزخرفة والمبادئ الانشائية من المحتم الاشارة الى التداخل المتواتر بين الزخرفة ومبادئ الانشاء الذي سبق لنا الحديث عنه مرات عديدة ويرد الى الذهن على الفور كمثال بارز تأثير الابلق الذي سبق ان تحدثنا عنه وذلك في العقود الحجرية المملوكية بصفة خاصة حيث ان الاحجار المنحوتة بمهارة فائقة والمتداخلة بألوانها المختلفة في تحابك بديع غالبا ما تحلق عاليا متجاوزة واقعها الانشائي المحض هذا الى تحقيق قيمة زخرفية لا موضع للتشكيك في بهائها. ومن الواضح ان هذا ليس بالمثال الوحيد الذي يمكن ان نضربه لايضاح هذه الخاصية من خصائص الزخرفة الاسلامية واذا شئنا ان نضرب مثالا شديد الدلالة في هذا الصدد لقلنا انه عندما يسرح المرء النظر في الاروقة المعمدة في قاعة الاسود في قصر الحمراء فانه يجد من المتعذر الى حد بعيد ان يحدد اين ينتهي الانشاء واين تبدأ الزخرفة. وقد سبق لنا ان تحدثنا مرارا وتكرارا عن نموذج اخر دال هنا هو المقرنصات التي تؤدي مهمات انشائية معروفة وفي الوقت نفسه تحقق قيمة زخرفية رفيعة. ـ رابعا: الاهمية الكبيرة التي يمنحها المعماريون المسلمون للزخرفة: من المؤكد انه ليس من قبيل الصدفة ان بروفيسور هيلنبراند يشير الى الزخرفة باعتبارها تشكل تيارا بأسره من بين تيارات اربعة بارزة في تصميم المساجد وقد برزت هذه الخاصية منذ مرحلة جد مبكرة في مسيرة العمارة الاسلامية على نحو ما يبدو جليا في مسجد قبة الصخرة. المبادئ الستة مرة اخرى اذا انتقلنا الى الحديث عن المبادئ الكامنة في العمليات الابداعية للزخرفة الاسلامية فاننا لن نجد مصادر اصلية تلقي الضوء عليها الامر الذي لا يدع لنا مجالا الا التجارب الجمالية نفسها من ناحية والمصادر التي تشير الى جانب من هذه المبادئ وهي في معظمها مصادر غربية تخطيء حينا وتصيب حينا اخر. ويحذرنا دالو جونز في دراسته بعنوان «السطح والنمط والنور» التي سبقت لنا الاشارة اليها من ان الزخرفة المستخدمة في العمارة الاسلامية قادرة بحكم تعقيدها وتشابكها وتداخلها وتعود عناصرها على ان تضللنا في غمار سعينا لفهم المبادئ الاساسية التي تحكم عملية ابداعها. فهذه الزخرفة من ناحية ليست معالجات للاسطح كائنا ما كان قدر الابداع في هذه المعالجات وانما هي تتجاوز ذلك الى المساعدة في تحوير الفراغ وتغييره والتعامل الناجح معه الى حد لم يتردد معه بعض الباحثين - كما رأينا - في القول ان الزخرفة هي التي تعطي المبني معزاه. ومن هنا تبدو وجاهة هذا السؤال: كيف يمكنك ان ترصد روح زخرفة تملك القدرة على تذويب الكتل وعلى تحقيق التداخل بين العناصر المعمارية الحاملة والعناصر غير الحاملة وترفض السماح ببروز الانقسامات الحادة وتكفل ترشيح الضوء والتلاعب بانتقالاته وتسخر الماء في توحيد العناصر وتحقيق انعكاس الكيانات وترطيب الاجواء؟ والزخرفة الاسلامية لا تقف عند هذا كله على الرغم من انه لا يستهان به وانما تمضي الى حد الاستخدام الزخرفي الناجح للعناصر خارج سياقها الانشائي بل وربما في اخر مكان نتوقع وجودها فيه. انظر على سبيل المثال الى توظيف الدخلات في الاسقف كما في حالة المباني الصفوية ومنها قصر علي قابوضي اصفهان حيث الدخلات التي توضع فيها الانية الثمينة او المصابيع نجدها محتازة في قوقعة السقف الامر الذي يغير النظام العادي والمألوف للتموضع المكاني. وقدرة الزخرفة المعمارية على اثارة دهشتنا لا تقف عند هذا الحد، وانما تمضي الى ما هو ابعد واكثر عمقا وايغالا فتصميماتها تعكس في احيان كثيرة ازدواجية مقصورة فقد تمضي في تأمل شكل زخرفي تجريدي استرعى انتباهك لتكتشف في النهاية انك امام صورة مراوغة لطائر اسطوري على سبيل المثال والرقش هو زخرفة فائقة الروعة بامتياز ولكنه في الوقت نفسه بحكم طبيعته ينقل رسالة واضحة ومحددة لانها قد تكون آية قرآنية كريمة او حديثا نبويا شريفا او حكمة مما درج على قوله اهل الحقيقة من الصوفية او قد تكون بيت شعر طارت شهرتة عاليا. والخطوط في الشبكة الخارجية الزخرفية لتكوين وجهية لمبنى ما قد تحول العنصر الزخرفي الى الاطار الخارجي لشكل او قالب معماري وهناك تصميمات زخرفية بعينها تنفذ جنبا الى جنب باستخدام مواد مختلفة ولتحقيق اغراض متباينة فعلى سبيل المثال توضع الستائر النافذة جنبا الى جنب مع عقود غير نافذة او ما يعرف تقليديا باسم «العقود الغشيمة» الامر الذي يكفل في نهاية المطاف تمويه كل من البنية الصلبة والفتحات التي ينسل منها النور. هذا كله ينبغي ان نأخذه في اعتبارنا ونحن نرصد المبادئ الاساسية الستة التالية الكامنة في صميم العملية الابداعية للزخرفة المعمارية: ـ اولا - الحضور الكلي للنماذج: والمقصود بالحضور الكلي هنا الوجود في الزمان والمكان والمواد حيث تتكرر التصميمات ذاتها على نطاقات مختلفة وتغدو قابلة للتبادل بصورة مدهشة حقا. وهذه المسألة يمكن تفسيرها بانه في عالم الزخرفة الاسلامية وسواء اكنا نتحدث عن زخرفة المباني او زخرفة الاشياء فان كل موضوعة زخرفية لا تعدو ان تكون جزءا من عملية قولبة شاملة للسطح تتحقق بالمقابلة والمقابلة الفائقة بين العديد من التصميمات المختلفة والمواد المتباينة التي يحتفظ كل منها بهويته في الاطار الكلي للتكوين ومن هنا فانه ما من تصميم او نموذج او نمط تمس الحاجة الى اعطائه مغزى او برور مسبق على غيره وهذا كله يمكن ان يعاد توظيفه حسبما يشاء الفنان في تكوينات جديدة وان كانت مألوفة. ـ ثانيا - امكانية توسيع كل نموذج او تقليصه: هذا المبدأ يعني في حقيقته قدرة كل نموذج على ان يتم تكراره بشكل سيمتري بلا انتهاء تقريبا فتماما كما انه بالوسع مضاعفة احجام العناصر الانشائية واشكالها فان بالامكان القيام بالشيء نفسه بالنسبة للزخرفة الخاصة بهذه العناصر الانشائية والمتعلقة بها وكل جزء من التصميم يرد على كل جزء اخر ويبدو قادرا على الامتداد الى ما لا نهاية لان بنية التصميم تحمل في داخل عناصر مضاعفة ذاتها الى الابد كرمز للخلود. وهكذا فان الوجهيات واسطح الجدران غالبا ما تتم زخرفتها بعمليات تكرار سيمترية لوحدات تتألف بدورها من وحدات اصغر مكررة. ودعنا نضرب مثالا ايضاحيا لهذا الجانب فهناك على سبيل المثال تكرار لا نهاية له لموضوعة المحراب. والمحراب كما نعلم جميعا ودخلة قد تكون عميقة او سطحية تأخذ شكل العقد من اعلى ولها مسقط مستطيل. وهذه الموضوعة تستخدم في العالم الاسلامي بأسره شرقا وغربا وغالبا ما نجد في الوجهيات والجدران وحتى في الاسقف صفوفا من اشكال المحاريب ذات اعماق ونطاقات متباينة ونجد امثلة مذهلة لتوظيف هذه الموضوعة بصفة خاصة في العمارة الاسلامية في شبه القارة الهندية فضلا عن بلاد وسط اسيا. الخروج من المتاهة ـ ثالثا - قابلية التصميم للرصد في نهاية المطاف ايا كان مدى تعقيده: حتى اذا وصل التصميم الزخرفي المعماري الى قمة التعقيد فانه يظل قابلا للرصد حتى ولو من خلال الايقاع الجماعي الذي يحدثه لدى تكراره ذلك ان اطار التصميمات يطل جليا حتى وان كانت التفاصيل تدخل متألمها في متاهة يبدو انها لا فكاك منها ولا مخرج من تعقيداتها ومن الناحية العملية قد يساعدنا في فهم هذا الجانب ان ندرك ان اسطح الجدران في العمارة الاسلامية تقسم تقسيما فرعيا الى طبقات عديدة من التصميمات تردد عناصر كل منها اصداء عناصر الاخرى وعلى الرغم من انه قد يصعب في بعض الاحيان رصد الكسوة الكلية للتصميم الا انها تظل ابعد ما تكون عن التنفيذ كيفما اتفق وعملية التركيب او التنفيذ يمكن ان تختلف وتتباين ولكن ذلك لا يمكن ان يحدث للتنظيم الكلي حيث تردد الشبكات الاولية والثانوية اصداء بعضها البعض. ـ رابعا - الشبكات الاولية تشير الى العناصر الاساسية في المشروع الزخرفي: والمراد بذلك ان هذه شبكات الاولية تتحكم في الحشوات الرقشية والعقود والدخلات والمربعات والمستطيلات التي من خلالها يتم تقسيم كل سطح الى تقسيمات فرعية. وغالبا ما يتم احتواء النماذج الزخرفية في اطار ما يشبه اللوحات المستطيلة او المربعة التي هي نفسها تعد كيانات ابداعية مؤطرة بقوة بحشوات افقية او رأسية. وتفرز الحشوات القائمة بالتأطير، بالطبع، شبكات اولية خاصة بها تعكس وتؤكد الخطوط الخارجية للمبنى. وهذا هو غالبا ما نجده في حالة الحشوات الرقشية التي تربط الوجهيات بالابواب الصرحية والفتحات الثانوية بالابواب الرئيسية والنوافذ او بالاسطح المختلفة ذات النماذج او الانسجة المتباينة ووظيفتها هي الامساك بهذه العناصر معا على الصعيد البصري كما لو كانت تضمها معا بحزام رابط وعلى سبيل المثال نجد انه في العمارة المصرية بصفة خاصة وايضا في العمارة المستلهمة من مصادر الاسلامية في صقلية في ظل حكم النورمان ان احزمة من الرقش تتواصل بشكل مستمر على امتداد الجزء العلوي من المباني من الخارج حيث يتوج جدرانها بكرانيش ثانوية وتقسم الاجزاء السفلى من الجدران الى مساحات متناسبة بعناية بالغة. ـ خامسا - الشبكات الثانوية تتحكم في النماذج داخل كل عنصر من عناصر الشبكة الاولية: هنا نجد عملية موازنة الثقل للتصميمات والتقابلات بين النسيج الزخرفي والمواد والالوان والنماذج التي تفرز زخرفة رقش او محرابا او بابا صرحيا. وفي داخل هذه الشبكات الثانوية نجد كذلك سمات التكرار التي توحد كل عنصر مع غيره وكل سطح مع باقي المبنى وهذه العناصر المشتركة في داخل المشروع الزخرفي تحدث التناغم والتداخل بين التصميمات والانماط التي توجد بعضها بالقرب من البعض الاخر ولكنها مختلفة او تعكس مفارقة على الصعيد البصري ومن المهم هنا ان نلاحظ ان الشبكات الاولية والثانوية في الزخرفة الاسلامية تقتضي من متأملها ان يقرأها وذلك يحدث بشكل حرفي بالطبع في حالة الرقش الذي يوجه من يتابعه توجيهات من البداية الى النهاية والحشوات الرقشية تتخلل المباني ومن يتأملها يقوم من خلال قراءة نصوصها كذلك بالمساهمة في عملية مستمرة قوامها اعادة تشكيل عناصر الزخرفة. ـ سادسا: تطابق التصميم والمواد في حالتي الداخل والخارج: على الرغم من انه في فترات تاريخية معينة وفي مناطق بذاتها توجد فوارق بين نوعية زخرفة السطح المختارة لداخل المباني وخارجها والموضع من المباني الذي تنفذ فيه ومع ذلك فان هناك على الدوام تطابقا في التصميمات والمواد بين الاثنين ويتم اعتماد المبادئ التركية ذاتها في الحالتين وفي بعض الاحيان نجد ان المادة نفسها او النمط نفسه هو الذي يشكل مفتاح التناغم لتكوينات معينة حيث انه يوفر العنصر المشترك فيها وتلك هي الحالة التي تتبدى للعيان جلية كأشد ما يكون الوضوح في مدرسة العطارين بفاس في المغرب حيث نجد لوحات جصية مستطيلة حافلة بشبكة من العقود المتقاطعة وهي تتكرر على امتداد واجهات فناء مزخرفة كذلك بالخشب والقرميد اما المثل الاكثر شهرة في هذا المجال والذي ملأ الدنيا وشغل الناس حقا فهو فناء قاعة الاسود بقصر الحمراء في غرناطة وهنا نجد ان الوحدة الغريبة والمتنافرة داخل التكرار المنتظم للعنصر «وهي في هذه الحالة الاعمدة» هي التي تشكل الصلة الرابطة مع تكرار مجاور منتظم بدوره ويقوم على اساس رياضي مختلف. ولكن الا تنقلنا هذه المرحلة من مناقشتنا مباشرة الى المهمة الاخيرة من المهام الست التي حددناها لانفسنا في صدر هذه المناقشة وهي القاء الضوء على جماليات زخرفة العمارة الاسلامية؟ ولئن بدا لاحد ان خطانا قد ضلت الطريق في مسيرة لا ينقصها التعقيد ولا التشابك فاننا ندعو الله ان نجد المرشد في هذه المسيرة. فان لامنا لائم لجزعنا، لم نحر ردا الا القول: ألم يعلمنا الجرجاني ان «المرشد هو الذي يدل على الطريق المستقيم قبل الضلالة»؟