الاربعاء 8 رمضان 1423 هـ الموافق 13 نوفمبر 2002 من الجوانب التى فصلت الحديث عنها سورة«الأنعام»: جانب بيان أن علم الله تعالى ـ شامل لكل شيء، ومن الآيات التى أكدت هذه الحقيقة قوله ـ تعالى: وعنده مفاتح الغيب لايعلمها الا هو، ويعلم مافى البر والبحر، وما تسقط من ورقية الا يعلمها، ولا حبة فى ظلمات الأرض ولا رطبه ولا يابس إلا فى كتاب مبين { الآية: 59}. قال الامام القرطبى ـ رحمه الله ـ عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: «مفاتح: جمع مفتح، ويقال: مفتاح ويجمع على مفاتيح. والمفتح ـ والمفتاح ـ: كل مايحل غلقا محسوسا كالقفل على البيت، أو معقولا كالنظر. ثم قال ـ رحمه الله: وروى ابن ماجة فى سننه وابن أبى حاتم البستى فى صحيحه عن أنس بن مالك ـ رضى الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن من الناس مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وان من الناس مفاتيح للشر، مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه» وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه». ولفظ الغيب معناه: ما غاب عن علم الناس بحيث لاطريق لهم إلى معرفته، وهو يشمل الأعيان المغيبة كالملائكة والجن، ويشمل الأعراض الخفية ومواقيت الأشياء وغير ذلك. أى: وعند الله ـ تعالى ـ وحده، لاعند غيره مفاتيح الغيب بحيث لايغيب عن علمه المحيط شيء من مخلوقات هذا الكون العجيب، الزاخر بالكائنات الظاهرة والخفية، وهذه الكائنات التى لاتعد ولا تحصى لايعلم ظواهرها وبواطنها أحد سواه ـ عز وجل. وما أطلع عليه ـ سبحانه ـ بعض اصفيائه من الغيوب فهو من باب الاخبار منه لهم، فكان هذا الاخبار راجعا فى الأصل الى علمه هو وحده، قال ـ تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول). ثم بين ـ سبحانه ـ أن علمه ليس مقصورا على المغيبات، وانما هو يشملها كما يشمل المشاهدات فقال: ويعلم ما فى البر والبحر». قال الراغب الأصفهانى ـ رحمه الله ـ فى كتابه: «مفردات القرآن»: «أصل البحر كل مكان واسع جامع للماء الكثير وقيل: إن أصله الماء الملح دون العذب، وأطلق على النهر بالتوسع أو التغليب. والبر: مايقابله من الأرض، وهو مايسمى باليابسة. وهذه الجملة معطوفة على جملة وعنده مفاتح الغيب، لإفادة تعميم علمه ـ عز وجل ـ بالأشياء الظاهرة المتفاوتة فى الظهور بعد رفادة علمه بمالا يظهر للناس. وقدم ـ سبحانه ـ ذكر البر على البحر على طريقه الترقى من الأقل إلى الأعظم، لأن قسم البحر من الأرض أكبر من قسم البر، وخفاياه أكثر وأعظم، وخصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات المجاورة للبشر ثم صرح ـ سبحانه ـ بشمول علمه لكل كلى وجزئى، ولكل صغير وكبير، ولكل دقيق وجليل، فقال: «وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولاحبة فى ظلمات الأرض ولا رطب ولايابس إلا فى كتاب مبين» أى: وما تسقط ورقة ما من شجرة من الأشجار ولا حبة فى باطن الأرض وأجوافها، ولا رطب ولايابس من الثمار أو غيرها إلا ويعلمه الله علما تاما شاملا، لأن كل ذلك مكتوب ومحفوظ فى علمه ـ عز وجل.. والمراد بظلمات الأرض: بطونها، وكنى بالظلمة عن البطن، لأنه لايدرك مافيه كما لايدرك مافى الظلمة وقوله ـ تعالى: ـ «إلا فى كتاب مبين» تأكيد لقوله «إلا يعلمها»، لأن المراد بالكتاب المبين علم الله ـ تعالى ـ الذى وسع كل شيء، أو اللوح المحفوظ الذى هو محل معلوماته ويؤخذ من هذه الاية الكريمة أمور من أهمها: أن علم الله ـ تعالى ـ محيط بالكليات والجزئيات وبكل شيء فى هذا الكون، وأن علم الغيب مرده الى الله ـ تعالى ـ وحده، فقد أخرجه الإمام البخارى عن عبد الله بن عمر ـ رضى الله عنهما ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: « مفاتيح الغيب خمسة لايعلمها إلا الله: لايعلم أحد مايكون فى غد إلا الله، ولا يعلم أحد مايكون فى الأرحام إلا الله، ولاتعلم نفس ماذا تكسب غدا، ولاتدرى نفس بأى أرض تموت، ولايدرى أحد متى يجيء المطر. وبعد أن بين ـ سبحانه ـ شمول علمه لكل شيء، أتبع ذلك بالحديث عن كمال قدرته، ونفاذ إرادته، فقال ـ تعالى ـ وهو الذى يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار، ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى، ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون» والتوفى: أخذ الشيء وافيا، إى: تاما كاملا. والتوفى يطلق حقيقة على الموت، وإطلاقه على النوم ـ كما فى هذه الاية ـ من باب المجاز، لشبه النوم بالموت فى انقطاع الإدراك والعمل والإحساس. قال ـ تعالى: « الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها فيمسك التى قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى»، فهذه الاية صريحة فى أن التوفى أهم من الموت، فقد صرحت بأن الأنفس التى تتوفى فى منامها غير ميتة، فهناك وفاتان: وفاة كبرى وتكون بالموت، ووفاة صغرى وتكون بالنوم. والمعنى: وهو الله ـ تعالى ـ وحده الذى يتوفى أنفسكم فى حالة نومكم بالليل دون غيره، لأن غيره لايملك موتا ولاحياة ولانشورار وهو ـ سبحانه الذى يعلم «ماجرحتم» أى: ماكسبتم وعملتم بالنهار، ثم انه ـ عز وجل ـ بعد أن يتوفاكم بالنوم يوقظكم منه فى النهار، لأجل أن يقضى كل فرد أجله المسمى فى علم الله، والمقدر له فى هذه الدنيا، فقد جعل ـ سبحانه ـ لأعماركم آجالا محددة لابد من قضائها وإتمامها، ثم اليه وحده يكون رجوعكم بعد انقضاء حياتكم فى هذه الدنيا، فيحا سبكم على اعمالكم التى اكتسبتموها فيها، إن خيرا فخير وان شرا فشر. فهاتان الايتان الكريمتان تسوقان للناس مظهرا من مظاهر علم الله ـ تعالى ـ الشامل لكل شيء، ومن مظاهر قدرته النافذة التى لايعجزها شيء «ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين».