الثلاثاء 7 رمضان 1423 هـ الموافق 12 نوفمبر 2002 لا يزال الحديث موصولا عن تأثيرات العولمة على اقتصاديات الدول الإسلامية، فهذه التأثيرات أخطر من أن يحصيها مقال واحد او حتى دراسة واحدة، ونعرض اليوم لوجهة نظر خبراء الاقتصاد الإسلامي حول أفضل السبل للتعامل مع هذه التأثيرات وكيفية تعظيم حجم الاستفادة من ايجابيات العولمة على المستوى الاقتصادي؟ صدرت قوانين في عديد من البلدان الإسلامية مثل تركيا وباكستان وماليزيا وإندونيسيا ومصر لتشجيع الاستثمار الأجنبي دون قيود أو شروط تذكر بالنسبة لمجالات نشاطها أو تحويل أرباحها أو إعادة استثمارها داخل البلاد. وفي العديد من البلدان أيضاً أصبحت هناك أسواق رؤوس أموال نشطة تسهم في تمويل النشاط الاقتصادي عن طريق جذب رؤوس الأموال من أي مكان في العالم. ولكن السؤال المهم هو: هل استفادت البلدان الإسلامية من هذه الاتجاهات؟ يوضح الخبير الاقتصادي المعروف الدكتور عبد الرحمن يسري أستاذ الاقتصاد بتجارة الإسكندرية ـ أن الإجابة عن هذا السؤال سوف تختلف تبعاً لنظرتنا إلى ما نعنيه بالصفة أو الهوية الإسلامية،.. فلا شك أن تدفق الاستثمارات الأجنبية أيا كان شكله يؤدي إلى زيادة النشاط الاقتصادي والمساعدة في عملية التنمية بطريقة أو بأخرى.. لكننا نقول أن هذه الإجابة تعبر عن النظرة الاقتصادية «البحتة» التي لا تعبأ بالفكر الإسلامي أو بمصالح الأمة الإسلامية.. أما المعنيون بقضية الإسلام فسوف يتساءلون:هل نرغب ونرحب بجميع أشكال الاستثمارات الأجنبية حتى لو كانت مركزة في قطاع السياحة ومتمثلة في فنادق بها نواد للقمار وتستورد لأجلها الخمور وتنشط فيها حفلات الرقص ؟ وهل من المنطق أن نرحب بالاستثمارات الأجنبية في قطاع الصناعة حينما تذهب إلى جذب عناصر الإنتاج المحلية المتميزة بكفاءتها لإنتاج سلع ترفيهية كمساحيق التجميل والعطور بدلاً من إنتاج سلع ضرورية أو حاجية عليها طلب عام من جمهور أصحاب الدخول المنخفضة والمتوسطة؟ فإذا قيل ومالنا لا نستورد هذه الضرورات أو الحاجيات من الخارج بدلاً من إنتاجها داخلياً بأسعار أعلى، قلنا وهل نضمن دائماً استمرار إمكانية الحصول عليها من الخارج؟ هل نضمن استمرار حالة السلم بين الشعوب؟ وهل من الرشد أن ننتج سلعاً ترفيهية ونعتمد على الغير في إشباع الضرورات الأساسية؟ بالإضافة إلى ذلك هناك محظورات أخرى من وجهة النظر الإسلامية على الاستثمارات الأجنبية ـ يشير إليها الدكتور يسري- فقد يستهدف أصحابها من أجل ضمان مصالحهم التدخل في الشئون الداخلية للبلد المضيف، أو قد يقرر أصحابها سحبها من البلد المضيف مما قد يتسبب في أزمة اقتصادية، مثلما حدث في إندونيسيا وماليزيا خلال عام 1997. ولكن الذي لا شك فيه أن للاستثمارات الأجنبية مزايا محتملة لا ننكرها، اذا أحسن توجيهها ومراقبتها. ويحذر من أن عولمة الاستثمار وأسواق رؤوس الأموال قد تؤدي أيضاً إلى خروج رؤوس أموال صافية من البلدان الإسلامية، فان أصحاب فوائض رؤوس الأموال الخاصة في البلدان النامية قد يجدون أن مصالحهم لا تتحقق الا باستثمار رؤوس أموالهم في العالم الغربي المتقدم لأنه أكثر جذباً للاستثمارات الأجنبية سواء بشكل مباشر أو عن طريق أسواقه الشهيرة على المستوى العالمي. كما أن انسياب رؤوس الأموال من البلدان الإسلامية إلى الخارج في إطار العولمة يثير دائماً قضية:من الذي يستخدمها وفي أي المجالات فهل يمكن أن تقع هذه الأموال في أيدي من لا يضمرون خيراً للإسلام وللمسلمين أم تقع في يد من يستخدمها في مجالات محرمة بنصوص شرعية صريحة.. وكل هذا تنطبق عليها قاعدة «ولا تؤتوا السفهاء أموالكم» وهنا تلزم التذكرة بأن كل إنسان يسأل يوم القيامة عن ماله من أين أكتسبه وفيما أنفقه؟ .. فهل أثرياء المسلمين الذين تضخمت استثماراتهم في خارج العالم الإسلامي أو سوف تتضخم مع تزايد الفرص المربحة، مستعدون للإجابة عن هذا للسؤال؟ إن الوعي الإسلامي وحده هو الذي يجعلنا أكثر انتباهاً من الآن لمثل هذه المخاطر التي سوف تصيب العالم النامي بشكل عام من جراء عولمة الصناعة، فالوعى الرأسمالي أو الليبرالي لا يثير أى شكوك بالنسبة لعولمة الصناعة بل يضفي عليها هالة خاصة من القدسية، فهي التي سوف تؤدي إلى تحقيق التوزيع الأمثل للموارد الاقتصادية على مستوى العالم! ولكن «الوعي الإسلامي» لا بد أن يكون دافعاً لنا في تبين أنواع من المخاطر المترتبة على عولمة الصناعة والتي قد تكون «مقبولة» في أنحاء أخرى من العالم النامي ولكنها «غير مقبولة» لدينا على الإطلاق. فالمسلم ليس بإمعة، فلا يصح له أن يسير في ركاب الآخرين لا يدري إلى أين يقاد، والتبعية مرذولة في آيات القرآن الكريم للمسلمين. ولذلك يشدد الدكتور عبد الرحمن يسري على أن لا يصح أن يكون العالم الإسلامي حلقة من ضمن حلقات في نظام إنتاجي يقال انه عالمي ولكنه حقيقة يقع في نطاق تحكم شركات عملاقة ليست إسلامية، لا من جهة هويتها أو توجهها.. ومن ثم فإن أي بلد من البلدان الإسلامية مطالب بأن يسعى لإقامة الأنشطة الصناعية التي تلبي الاحتياجات الأساسية لسكانه قبل أي شئ آخر ومطالب بأن يتعاون مع البلدان الإسلامية الأخرى في سبيل كفاية هذه الاحتياجات قبل أن يرتبط بحلقات إنتاجية عالمية لا يدري ما هي أهدافها ولا يدري ما هو نصيبه من مكاسبها؟ وهذا التوجه الإسلامي لا يعني بالضرورة رفض الارتباط الإنتاجي بالعالم على إطلاقه ولكنه يعني على سبيل التأكيد عدم التسليم بهذا الارتباط الإنتاجي قبل فهم مضمونه. وهناك جانب آخر من تأثيرات العولمة الاقتصادية على مجامعتنا العربية والإسلامية يتمثل في طبيعة أنشطة الشركات متعددة الجنسية وممارساتها داخل هذه المجتمعات، وهنا نستأنس بالرؤية التحليلية للدكتورعبد الله هديه عميد تجارة بورسعيد حول نشاط هذه الشركات فى الوطن العربى، فيوضح أن هذه الشركات فضلت فى دول مثل مصر وسوريا التصدير أكثر من الاستثمار واقتضى هذا منها الضغط على الحكومات لإزالة الحواجز الجمركية أو التخفيف منها وهكذا اتسم الاستثمار الأجنبي فى هذه البلدان بخفة واضحة وميل للتركز فى الأنشطة التي تخدم مباشرة حاجة التصدير للأسواق المحلية. في ظل هذه الآثار السلبية لابد من وضع استراتيجية تجعل الدول الإسلامية قادرة على جعل علاقتها الاقتصادية الدولية في صفها، أو على الأقل غير ملحقة بها من المضار ما يتفوق على ما تحمله لها من منافع.وثمة عناصر مهمة لا بد من توفرها، لتحقيق هذه الاستراتيجية يوضحها الدكتور شوقي دنيا أستاذ الاقتصاد بتجارة الأزهر ـ قائلا أنه يأتى فى مقدمتها قيام تكتل اقتصادي إسلامي، منبها إلى أهمية اتباع الخطوات المتدرجة في تحقيق هذا التكتل. كما أن المشاركة الشعبية الجادة في إدارة شئون الدولة عامل هام فى تحقيق هذه الاستراتيجية، فتحجيم الآثار السلبية للواقع المعاصر على الدول الإسلامية يتوقف، على إصلاحات سياسية عميقة، من أهمها قيام مشاركة شعبية حقيقية في سياسة الدول وإدارة شئونها،.كما يتطلب هذا الأمر: الاهتمام بالتقدم العلمي عامة والتقدم التكنولوجي خاصة. يضاف الى ذلك ضرورة قيام الدولة بإشرافها على العلاقات الاقتصادية الدولية.، وضع إطار قانوني وتشريعات جديدة تتلاءم مع المتغيرات الحاصلة في الأسواق العالمية، الارتقاء بالقدرات البشرية على مستوى الأقطار الإسلامية. أن الهدف الأسمى لهذه الإجراءات والنتيجة النهائية المرجوة هي قيام سوق إسلامي لرأس المال وحركته.وتحقيق حرية انتقال عناصر الإنتاج والإنتاج وقوة العمل والأشخاص ورأس المال فيما بين الأقطار الإسلامية إضافة إلى حرية التملك. وهذا وإن كان قمة التعاون الاقتصادي المعاصر الذي تجسده الوحدة الأوروبية، فهو أيضا هو قمة العودة إلى أصولنا الإسلامية التي كان فيها العمل والاستثمار وانتقال رؤوس الأموال متاحة لجميع المسلمين في مختلف بقاع ارض الإسلام تحقيقا لمفهوم الأمة الواحدة الذي كان واقعاً حاولت الأطماع الاستعمارية تفتيته ولا تزال وإن اختلفت اللافتة التي تعمل تحتها اليوم!! د. محمد يونس