الثلاثاء 7 رمضان 1423 هـ الموافق 12 نوفمبر 2002 الحمد لله وهاب النعم واعظمها الهادية بالانبياء والصلاة والسلام على من ختم به الانبياء، وبعد: سورة إبراهيم من السور الملكية وعدد آياتها خمس وخمسون آية، وهي السورة الرابعة عشرة نزلت بعد سورة الشورى وقبل سورة الأنبياء وقد عدت السبعين في ترتيب نزول السور، وسورة إبراهيم عليه السلام من السور التي جاءت في سياق ذكر دلالات الاسماء في القصص القرآني واهمية الانبياء والاقتداء بهم فكان لهذه السورة علاقة قوية بينها وبين اسمها الذي حمل معنى التضحية وفيه الإشارة إلى أبي الانبياء إبراهيم عليه السلام، ومن هذه السورة تأتي اهمية مقاصد اسماء السور التي توضح العلاقة القوية بين الاسم والمضمون وان كانت الآيات التي في السورة قد وضحت قضايا مختلفة إلا أنها بينت أن مقصود السورة التوحيد وبيان ان الكتاب غايته البلاغ عند الله لانه كافل بيان الصراط الدال عليه المؤدي إليه ناقل بما فيه من الاسرار للخلق من طور إلى طور وأدل ما فيها على هذا المرام قصة ابراهيم عليه السلام، فهذا المقصد الذي ابرزته السورة بين اهمية مقصود الانبياء فيما ارسلوا به عندالله عز وجل فكان بذلك الاتباع والاقتداء بهم هو المراد من جعل قصصهم عبرة وتوضيح جهودهم للدعوة وصبرهم على الايزاء وطريقهم سلوك يقتضى اثره من بعدهم لكل من اراد الدعوة إلى الله، لان الانبياء عليهم السلام هم صفوة الخلق وهم حملة شريعته في الارض وعلى ذلك تأتي أهمية الاقتداء بهم، وإذا نظرنا إلى اسماء السور وايحائها من هذه الاسماء انما نقول: إن البشر في حالة عدم انقيادهم لدعوة الانبياء عليهم السلام، وسوف يحل بهم العذاب لانهم بين امرين لا ثالث لهما - إما الاتباع - وإما الابتداع، والاتباع يأتي عن طريق إتباع الشريعة على حسب ما انزلت وعلى من انزلت واما الابتداع فهو مخالفة الشرع من اهل الهوى والضلال الذين لهم طقوس واعمال ما انزل الله بها من سلطان لبعدهم عن طريق الهدى بمخالفتهم الانبياء وعلى ذلك دلت هذه السورة التي سميت باسماء الانبياء تخليدا لجهودهم في الدعوة وليكونوا رمزا للعطاء والتضحية وقدوه عن بعدهم إلى يوم القيامة، وان ذكر ابراهيم عليه السلام في سورة تسمى باسمه ليس شيئا قليلا لان ابراهيم عليه السلام هو ابو الانبياء ولا يسع هذا الموضوع الحديث عن ابراهيم عليه السلام وعد كل ما ذكر فيه من ايات وسور وابراهيم عليه السلام هو ذلك النبي المفعم القلب بالايمان لربه، ممتلئا بالثقة واليقين بقدرة خالقه، مؤمنا بما أوحى إليه، من بعث الناس من بعد موتهم وحسابهم في حياة اخرى على اعمالهم، ولكنه اراد ان يزداد بصيرة وايمانا وثقة ويقينا، وتطلع إلى ان يلمس الآية البينة على البعث ويرى الحجة الواضحة على النشور فسأل ربه ان يريه كيف يحيي الموتى بعد موتهم ويبعثهم بعد فناء اجسامهم، ان قصص إبراهيم عليه السلام كثيرة في كتاب الله لما لقصته عليه السلام من عظة وعبرة، لهذا كان للانبياء دور فعال ومؤثر في المجتمعات التي دعوها للايمان، الذي هو المحرك للاعمال الصالحة ومن هنا نجد ان اسماء السور ومقاصدها توجه إلى اهمية الاتباع وان كل نبي مثلا اعلى وقدوة حسنة للذين أرسل إليهم، وكان يمكن أن يصبح قدوة لمن جاء بعده ايضا لو عرف التاريخ حياته وسيرته على الوجه الاكمل، ولكن القصص القرآني لا يخلو من اشارات بعيدة المدى إلى ما حباهم الله به من كريم السجايا وحميد الفعال التي جعلت اسماءهم ظاهرة وكل اسم يحمل دلالات العطاء في مقاصد اسماء السور وفي سورة إبراهيم تم اختيار اسم ابراهيم ليكون عنوان السورة وذلك لان ابراهيم عليه السلام تميز على الانبياء جميعا بميزة انه أب لعدد كبير من الانبياء عليهم صلوات الله اجمعين وهو نبي مبجل في الآيات السماوية الكبرى التي بقيت حتى البعثة المحمدية المكملة لبقية الاديان السماوية. ولإبراهيم عليه السلام عدة مزايا مذكورة في القرآن وعدد الآيات التي ذكر فيها ابراهيم عليه السلام هي اثنان وخمسون آية في سور مختلفة ومن مزايا ابراهيم عليه السلام: اولا، انه صاحب مقام الخله، فهو خليل الله، ثانيا: انه هو الذي وفى ولم يشهد لغيره بذلك، ثالثا: انه اتم كلمات البلاغ باصطباره بذبح الولد وغيره من انواع البلاء، رابعاً: هو الذي حرص على مصالح المسلمين في تسميتهم المسلمين، خامساً: هو الذي دعا للمسلمين برسول هو خير الوجود حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى، وإبراهيم عليه السلام الذي حملت هذه السورة عنوان اسمه فيها دلالة ربانية على توجيه قلوب اهل الاسلام على اهمية دور إبراهيم في الدعوة وانه دعاء لدين الإسلام، وكأن الله يوضح للامة الاسلامية من خلال سياق الآيات ان عليكم يا أمة الإسلام ان تعتبروا من دعوة إبراهيم والتي جاءت دعوة محمد على طريقها ان تتمسكوا بدينكم ولا تكونوا كالامم الاخرى التي غيرت منهاج وطريق دعوة رسلها وتغير حالها من الاحسن إلى الأسوأ حتى تلاشت واصبحت أمماً منكرة لرسل الله وتوحيده وهذه الامة مطالبة ان تقتفي آثار الرسل على نهج خاتمهم لان اتباع طريق الانبياء في الدعوة إلى الله هو الطريق الذي يصلح حال البشر والامم وما نراه من فساد اجتماعي اليوم في الدول والبشر إنما ناتج عن التخلي عن صفات الايمان التي دعا إليها الانبياء لان ترك الطاعة يجلب المعصية والمعصية تجلب غضب الله فعلينا ان نصلح من حالنا وحال من حولنا حتى يتم لنا ما اراده الله من صلاح الدنيا والآخرة بهذا الدين العظيم، والحمدلله رب العالمين. د. سيف الجابري