الثلاثاء 7 رمضان 1423 هـ الموافق 12 نوفمبر 2002 يشمل التطاول على الإسلام من خصومه ، قولهم أن الإسلام انتشر بحد السيف .ومن يطلق هذه الأكاذيب.. لا يخجل من مثل هذه الأقوال التي يسهل الرد عليه وفي البداية اكد د.عبد الغفار هلال المفكر الاسلامي وعميد كلية الدراسات الاسلامية بالازهر ان عقيدة الإسلام قامت على ما جاءت به الشرائع والاديان باعلان التوحيد الخالص لله تعالى «اعبدوا الله ما لكم من اله غيره» وهى دعوة بمقتضى الحرية للانسان ان يفكر فيما يعرض عليه من مبادئ الايمان الصحيح كما قال تعالى «لا اكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي»، وكما قال عز حكمه «أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» فهذا الحديث القرآني دليل واضح على عدم اكراه احد من الناس على اعتناق الإسلام ، وخطاب لرسول الله عليه الصلاة والسلام ان يستعمل الاقناع والحجج والبراهين للدلالة على صدق دعوته وان دينه هو دين العقل والفكر لا دين القسر والقهر، وان مبادئه هى التى جاء بها كل رسل الله كما قال تعالى «شرع لكم من الدين ما وصى به ابراهيم وموسى وعيسى ان اقيموا الدين ولا تفرقوا فيه» وكل ما حكى الرسول «صاى الله عليه وسلم» هو ابلاغ الناس بالدعوة وثواب الطائعين وعقاب العاصين كما قال تعالى «وما على الرسول الا البلاغ»، وقال تعالى «يا ايها النبي انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا الى الله باذنه وسراجا منيرا»، وقال: «وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر انا اعتدنا للظالمين نارا احاط بهم سرادقها». وأضاف ان الاسلام ـ كما جاء فى الكتاب والسنة من مباديء واخلاق ـ يحافظ على الانسان ويرعى حرماته ويمنع العدوان عليه كما قال تعالى «من قتل نفسا بغير نفس او فساد فى الارض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن احياها فكأنما احيا الناس جميعا»، وكما قال رسول الله «صلى الله عليه وسلم» فى خطبته العالمية فى حجة الوداع «أيها الناس ان دماءكم واموالكم واعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا آلا هل بلغت اللهم فاشهد». وأوضح د.هلال ان المقولة التي يروج لها دعاة التشهير بالاسلام: من «انتشار الإسلام بحد السيف» فنتوقف عندها لنبين الفهم الصحيح فيه وهو قوله «صلى الله عليه وسلم» «امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فاذا قالوها عصموا مني دماءهم واموالهم» فليس النداء بقتال الناس ـ هنا ـ قتال جميع الناس على ظهر الارض كما يشيع المغرضون بل «ال» فى كلمة الناس المراد بها اهل مكة الذين اعلنوا عليه الحرب وأذوه وأخرجوه من بلده واضطهدوا اتباعه وطردوهم من مكة.. فالقتال هنا خاص بمن اعتدى عليه من المشركين فحسب، وامر طبيعي لأي انسان اذا اعتدي عليه ان يرد العدوان عن نفسه وعن أهله وعرضه وماله. كما ان الرسول «صلى الله عليه وسلم» والمسلمون لم يبدأوا بالعدوان على احد بالعدوان وانما هم مأمورون برد العدوان كما قال تعالى: «أُذِنَ للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير. الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق الا ان يقولوا ربنا الله»، وقال سبحانه :« وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين». وأشار الى ان الإسلام قرر ان يكون رد العدوان بالمثل دونما زيادة كما قال تعالى: «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم» وكما قال سبحانه: «ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فان قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين فان انتهوا فان الله غفور رحيم»، ومن ذلك يتبين ان الإسلام دين السلم لا الحرب وانه يامر اهله بمسالمة من يسالمهم وليس على من يعتنق غير الإسلام من قهر او اكراه. بينما يؤكد وزير الاوقاف المصري د.حمدي زقزوق أن هناك قاعدة اساسية صريحة فى القرآن الكريم تكفل الحرية الدينية تقول: «لا اكراه فى الدين»، ومن اجل ذلك جعل الإسلام قضية الايمان او عدمه من الامور المرتبطة اساسا بمشيئة الانسان نفسه واقتناعه الداخلي فقال تعالى: «من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» وقد لفت القرآن الكريم نظر النبي «صلى الله عليه وسلم» الى هذه الحقيقة وبين له ان عليه تبليغ الدعوة فقط وانه لا سلطان له على تحويل الناس الى الإسلام فقال تعالى: «أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين»، وقال: «لست عليهم بمسيطر»، وايضا «فان اعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا ان عليك الا البلاغ»، ومن ذلك يتضح ان كتاب المسلمين المقدس يرفض رفضا قاطعا اكراه احد على اعتناق الإسلام.. وأضاف أن الإسلام حدد المنهج الذى يتحتم على المسلمين اتباعه فى الدعوة الى الإسلام ونشره فى كل مكان وجاء هذا المنهج فى القرآن الكريم مشتملا على الدعوة الى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالحسنى فقال تعالى: «ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى احسن»، وقوله: «وقولوا للناس حسنا» وقد وردت فى القرآن الكريم آيات تزيد على مئة وعشرين آية تفيد كلها ان نشر الإسلام اساسه الاقناع الهاديء والتعليم المجرد وترك الناس احراراً بعد عرض الدعوة عليهم ليقبلوها او يردوها، وبعد فتح مكة ترك الرسول «صلى الله عليه وسلم» اهلها قائلا لهم «اذهبوا فأنتم الطلقاء» فلم يكرههم على الإسلام بعد الانتصار الحاسم عليهم، ولم يحدث ان اجبر المسلمون يهوديا او مسيحيا على اعتناق الإسلام ومن هنا كان اعطاء الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لأهل بيت المقدس من المسيحيين الامان على حياتهم وكنائسهم وصلبانهم لا يضار احد منهم ولا يرغم بسبب دينه كما ان النبي عليه السلام قد سجل فى اول دستور للمدينة بعد الهجرة ان اليهود أمة مع المسلمين يشكلون جميعا المجتمع الجديد فى المدينة واعترف لهم بحقهم فى البقاء على دينهم . ودلل وزير الاوقاف بما كتبته المستشرقة الالمانية زيجريد هونكة والتي ترفض فى كتابها «الله مختلف تماما» مقولة انتشار الإسلام بالسيف بل تقول ان التسامح العربي لعب دورا حاسما فى انتشار الإسلام وذلك على العكس تماما من الزعم القائل بأنه قد انتشر بالنار والسيف وقد اصبح هذا الزعم من الاغاليط الجامدة ضد الإسلام. كما تقول هونكة ايضا لقد كان اتباع الديانات الاخرى اى المسيحيين واليهود والصابئة والوثنيين هم الذين الحوا من تلقاء انفسهم فى اعتناق الإسلام. ومن المعروف ان جيوش المسلمين لم تذهب الى جنوب اسيا أو غرب افريقيا وقد انتشر الإسلام هناك عن طريق التجار والمتصوفة المسلمين بعد ان رأى الناس عمليا سلوكهم واخلاقهم وحسن معاملاتهم فانجذبوا على الإسلام من تلقاء انفسهم وليس بحد السيف كما يروج المشككون. بينما اعتبر الدكتور علي جمعة عضو مجمع البحوث الإسلامية أن شبهة «انتشار الإسلام بحد السيف» من اكثر الشبه انتشارا والتي يجب علينا ـ نحن ـ علماء الامة الرد عليها بالتفصيل حتى نوضح الأمر حولها حيث يقول الله تعالى مخاطبا نبيه محمد «صلى الله عليه وسلم» «وما ارسلناك الا رحمة للعالمين» ان هذا البيان القرآني باطاره الواسع الكبير الذي يشمل المكان كله فلا يختص بمكان دون مكان، والزمان بأطواره المختلفة واجياله المتعاقبة فلا يختص بزمان دون زمان، والحالات كلها سلمها وحربها فلا يختص بحالة دون حالة، والناس اجمعين مؤمنهم وكافرهم عربهم وعجمهم فلا يختص بفئة دون فئة ليجعل الانسان مشدوها متأملا فى عظمة التوصيف القراني لحقيقة نبوة سيد الاولين والاخرين: «وما ارسلناك الا رحمة للعالمين». رحمة عامة شاملة تجلت مظاهرها فى كل موقف لرسول الله «صلى الله عليه وسلم» تجاة الكون والناس من حوله. وأضاف أن الحرب فى الإسلام حرب مشروعة عند كل العقلاء من بني البشر وهى من انقى انواع الحروب من جميع الجهات من ناحية الهدف، ومن ناحية الاسلوب، ومن ناحية الشروط والضوابط، ومن ناحية الانهاء والايقاف، ومن ناحية الآثار او ما يترتب على هذه الحرب من نتائج. وقال ان هذا الأمر واضح تمام الوضوح فى جانبي التنظير والتطبيق فى دين الإسلام وعند المسلمين، وبالرغم من الوضوح الشديد لهذه الحقيقة الا ان التعصب والتجاهل بحقيقة الدين الاسلامي الحنيف والاصرار على جعله طرفا فى الصراع وموضوعا للمحاربة احدث لبسا شديدا فى هذا المفهوم ـ مفهوم الجهاد ـ عند المسلمين حتى شاع ان الإسلام قد انتشر بالسيف وانه يدعو الى الحرب والى العنف ويكفي فى الرد على هذه الحالة من الافتراء ما امر الله به من العدل والانصاف وعدم خلط الاوراق والبحث عن الحقيقة كما هى وعدم الافتراء على الآخرين حيث قال سبحانه فى كتابه العزيز «لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون». ودلل ايضا د. جمعة بما فطن اليه كاتب غربي كبير هو توماس كارليل ببطلان هذا الادعاء حيث قال فى كتابه «الابطال وعبادة البطولة» ما ترجمته ان اتهامه - اى سيدنا محمد - بالتعويل على السيف فى حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخف غير مفهوم اذ ليس مما يجوز فى الفهم ان يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس او يستجيبوا له فاذا آمن به من يقدرون على حرب خصومهم فقد امنوا به طائعين مصدقين وتعرضوا للحرب من غيرهم قبل ان يقدروا عليها، ويقول المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون فى كتابه «حضارة العرب» وهو يتحدث عن سر انتشار الإسلام فى عهد الرسول وفى عصور الفتوحات من بعده قد اثبت التاريخ ان الاديان لا تفرض بالقوة ولم ينتشر اذن بالسيف بل بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التى قهرت العرب مؤخرا كالترك والمغول وبلغ القرآن من الانتشار الهند ـ التى لم يكن العرب فيها غير عابرى سبيل ـ ما زاد عدد المسلمين الى خمسين مليون نفس فيها.. كما لم يكن الإسلام اقل انتشارا فى الصين التى لم يفتح العرب اى جزء منها قط حيث يزيد عدد مسلميها على عشرين مليون فى الوقت الحاضر. هذا وقد مكث رسول الله عليه السلام بمكة ثلاثة عشر عاما يدعو الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وقد كان نتاج هذه المرحلة ان دخل فى الإسلام خيار المسلمين من الاشراف وغيرهم وكان الداخلون اغلبهم من الفقراء ولم يكن لدى رسول الله ثروة عظيمة يغري بها هؤلاء الداخلين ولم يكن الا الدعوة والدعوة وحدها ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تحمل المسلمون ـ لاسيما الفقراء والعبيد ومن لا عصبية له منهم ـ من صنوف العذاب وألوان البلاء ما تعجز الجبال الرواسي عن تحمله فما صرفهم ذلك عن دينهم وما تزعزعت عقيدتهم بل زادهم ذلك صلابة فى الحق وصمدوا صمود الابطال مع قلتهم وفقرهم وما سمعنا ان احدا منهم ارتد سخطا عن دينه او اغرته مغريات المشركين فى النكوص عنه وانما كانوا كالذهب الابريز لا تزيده النار الا صفاء ونقاء . القاهرة ـ مجاهد المليجي :