الثلاثاء 7 رمضان 1423 هـ الموافق 12 نوفمبر 2002 قال الله جل ثناؤه: «ان الله لا يستحي ان يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم، وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين» البقرة 26. قال المفسرون: لما ذكر الله العنكبوت والذباب في القرآن وضرب بهما الأمثال قال المشركون: الله أجل وأعظم من ان يضرب الأمثال بهذه الأشياء الحقيرة، فنزلت الآية، فالكائنات كلها صغيرها وكبيرها، عظيمها وحقيرها، صنعة الله خلقها بحكمته وأبدعها بقدرته، فهي في معرض ملكه سواء في الإعلان عن تلك الحكمة، وهذه القدرة، ففي كل ذرة من ذرات هذا الكون العظيم آية ناطقة تحدث عن جلال الله وعظمته! فلله سبحانه وتعالى ان يضرب المثل بأي من مخلوقاته، وان يقيم منه شاهداً لما يريد، فأما الذين آمنوا فيجدون في هذا المثل هدى إلى هدى ونوراً إلى نور، وأما الذين كفروا فلا تزيدهم الامثال الكاشفة عن الحق إلا ضلالا إلى ضلال، وإلا عمى إلى عمى، ولهذا وقفوا من هذا المثل وغيره موقف الذين مرضت قلوبهم وتعفنت عقولهم، فقالوا في استهزاء واستنكار: «ماذا أراد الله بهذا مثلاً»؟ فأجابهم سبحانه وتعالى بقوله: «يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين» «الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون» البقرة 27. وفي قوله تعالى: «وما يضل به إلا الفاسقين» عدول عن لفظ «الكافرين» والتعبير عنهم بلفظ «الفاسقين»، إذ سياق الكلام في الآية يقضي بأن يكون الاضلال للكافرين، لأنهم هم الذين استخفوا بالامثال التي يضربها الله تعالى، ويتخذ مادتها من مخلوقات ضئيلة من خلقه، كهذا المثل، فقالوا في عجب واستهزاء واستنكار: «ماذا أراد الله بهذا مثلاً؟» فكان المتوقع أن يكون الجواب: يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً، وما يضل به إلا الكافرين. ولكن لكلام الله تعالى حساب غير هذا الحساب، وتقدير فوق هذا التقدير، فجاءت فاصلة الآية، كما أراد هكذا: «وما يضل به إلا الفاسقين». ولا ندرك سر هذا العدول إلا إذا عرفنا ان لفظ «فاسق» أعم وأشمل من لفظ «كافر» لأ الفسق في اللغة هو الخروج عن الشيء، ويسمى الكافر فاسقاً، لأنه خرج عن طريق الهدى والايمان، وركب طريق الضلال والكفر، خرج عن فطرته التي فطره الله عليها، فنقض الميثاق الذي واثقه الله عليه، وقطع الأرحام التي أمر الله بوصلها والاحسان إليها، وأفسد في الأرض من بعد اصلاحها بارتكابه المعاصي، وانتهاكه للحرمات، وتكذيبه الرسل والأنبياء عليهم السلام، فخسر بذلك الدنيا والآخرة، فتأمل دقة القرآن في اختيار ألفاظه! وأما قوله تعالى: «بعوضة فما فوقها» فالمراد به: بعوضة فما هو أعظم منها، وقال بعض المفسرين: فما فوقها في الصغر والقلة، والأول هو اختيار الطبري، والغرض من ضرب هذا المثل: العبرة لمن أراد ان يعتبر، والعظة لمن أراد ان يتعظ «ولقد ضربنا في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون». محمد اسماعيل عتوك